الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومسانات، وعِضَوات، واوان، وتحذف الواحدة (1) في قول من قال: ليست بسنهاءَ، وبعير عاضِهٌ، هاءين.
وإذا ثبت بما قدمناه أن عين (فم) في الأصل واو، فينبغي أن يقضى بسكونها؛ لأن السكونَ هو الأصلُ تقوم الدلالة على الحركة الزائدة.
فإن قلت: فهلا قضيتَ بحركة العين لجمعك إياه على أفواه، ألا ترى أن أفعالًا إنما هو في الأمر العام جمع فَعَل؛ نحو: بَطَل وأبطال، وقدم وأقدام، ورَسَن وأَرْسَان.
والجواب: أن فَعْلًا مما عينه واو، بابُهُ أيضًا أفعال، وذلك سوط وأسواط، وحوض وأحواض، وطوق وأطواق فـ (فوه) - لأن عينَه واوٌ - أشبهُ بهذا منه بـ (قدم) و (رسن)(2).
الخامسة:
قال ابن سيده في "المحكم": الفاه، والفُوه، والفِيه، والفم، سواء، والجمع: أفواه.
ثم قال: أما كونه جمعَ فُوه فبيِّنٌ.
وأما كونه جمع فاه؛ فلأن الاشتقاق يُؤْذِن أن فاهًا من الواو؛ لقولهم: مفوَّه.
وأما كونه جمع فم؛ فلأن أصل فم (فوه)، فحذفت الهاء؛ كما حذفت من (سنة) فيمن قال: عاملته مسانهة، وكما حذفت من سنة،
(1) في المطبوع من "المحكم": "وتجدهما" بدل "وتحذف الواحدة".
(2)
انظر: "المحكم" لابن سيده (4/ 432 - 434)، (مادة: فوه).
ومن شفة، ومن عضة، ومن است، وبقيت الواو طرفًا متحركة، فوجب إبدالها ألفًا لانفتاح ما قبلها، فبقي (فًا)، ولا يكون الاسم على حرفين أحدهما التنوين، فأبدل مكانها حرف حدر مشاكل لها، وهو الميم؛ لأنهما شفهيتان، وفي الميم هوي في الفم يضارع امتداد الواو، وأما ما حكي من قولهم: أَفْمامٌ، فليس بجمع فم، إنما هو من باب ملامح ومحاسن.
ويدل على أن (فًا) مفتوح الفاء، وجودك إياها مفتوحة في هذا اللفظ، وأما ما حكى فيها أبو زيد وغيره
…
وذكر ما قدمناه (1).
وذكر بعض الفضلاء في (فم): أن وزنه على مذهب سيبويه (فع)، والأصل فيه فَوْه على وزن سَوْط، فحُذِفت فيه الهاءُ التي هي لامُ الكلمة تخفيفًا؛ كما حُذِفت لامُ الكلمة في يد، ودم، وغدٍ، ونحوها، فبقي (فو) مثل (فع)، فلم يَرَوْا إيقاع الإعراب على الواو؛ لئلا تثقل الكلمة، ولم يَرَوْا حذفها؛ لئلا يبقى الاسم على حرف واحد، فيجحفوا به، فأبدلوا من الواو ميمًا؛ ليقع عليها الإعراب، فإذا تقدر (2) هذا، فالميم بدل من الواو التي هي عين الكلمة؛ هذا رأي سيبويه، وإنما أبدلوا من الواو الميم؛ لأنهما (3) من حروف الشفة، والحرفان إذا تقاربا جاز الإبدال.
(1) انظر: "المحكم" لابن سيده (4/ 432)، (مادة: فوه).
(2)
"ت": "تقرر".
(3)
"ت": "لأنها".
وأما الأخفش: فوزنه عنده (فُل)؛ لأن الميم عنده بدل من الهاء التي هي لام الكلمة، والأصل فيه أيضًا عنده فَوْه مثل سَوْط، ثم قلب، فقدمت لام الكلمة التي هي الهاء على عينها التي هي الواو، فبقي (فَهْو) على وزن (فَلْع)، ثم حذفت منه الواو التي هي عين الكلمة، فبقي (فَهْ)، ثم أبدلت الميم من الهاء فبقي (فم)، ومما يؤيد مذهب الأخفش أن مذهب من يقول في تثنيته: فموان، وعلى هذا قول الفرزدق [من الطويل]:
هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ من فَمَويهِما
…
على النَّابِحِ العَاوي أشَدُّ رِجَامِ
وأن الشاعر لما اضطر إلى ردِّ الذاهب ردَّ الواو في نحو قوله [من الرجز]:
لا تَقْلُوَاها وادْلُوَاها دَلوا
إنَّ معَ اليومِ أخَاهُ غَدْوا (1)
وكما قال سيبويه [من الطويل]:
وما النّاسُ إِلَّا كالدِّيارِ وأَهلها
…
بها يَوْمَ حَلُّوها وغَدْوًا بَلاقِعُ (2)
فردَّ الواو في (غدو)، فعلمنا أن الذاهب من (غد) واو (3).
(1) القلو: السير الحثيث، والدلو: السير الرفيق، يقول: ارفق بها ولا تقتلها، فإنك تحتاج إليها غدًا، وقال غدوًا، وأراد: غدًا، فأقام الفعل مقام الاسم. انظر:"جمهرة الأمثال" للعسكري (2/ 284).
(2)
البيت للبيد بن ربيعة، كما في "ديوانه" (ص: 169)، (ق 24/ 5).
(3)
انظر: "الكتاب" لسيبويه (3/ 358).
وكذلك الفرزدق لما ردَّ الواو في (فمويهما) علمنا أن الذي ذهب من (فم)(1) هو الواو، وأن الذي بقي، وهو الميم، إنما هو عوض من الهاء، ولو كان الذاهب هو الهاء؛ كما رأى سيبويه، لقيل في التثنية: فمهان؛ لأن التثنية ترد الأشياء إلى أصولها؛ كما تقول في دم (2): دموان، ودميان.
واعلم أن من قال في بيت الفرزدق: إنه جمعٌ بين العوض والمعوض، فوزن (فمويهما) عنده (فععيهما)؛ لأنه قد اجتمع فيه عينان، إحداهما (3) أصلية، وهي الواو، وبدل من الأصلية، وهي الميم؛ هذا رأي سيبويه ومن تابعه.
ومن رأى في بيت الفرزدق أنه لم يجمع بين العوض والمعوض، فوزن (فمويهما) عنده (فلعيهما)؛ لأن الميم عنده بدل [من](4) الهاء، والهاء لام الكلمة بالإجماع؛ هذا رأي أبي الحسن الأخفش ومن تابعه.
فإذا تقرَّر هذا الذي ذكرناه، فاعلم أن النحويين اختلفوا في وزن الكلمة بعد الإبدال، فمنهم من يُنزلُ البدلَ منزلَ (5) المبدل منه، فيصير
(1)"ت": "فمه".
(2)
في الأصل: "رد"، والمثبت من "ت".
(3)
في الأصل وفي "ت": "أحدهما"، وهو خطأ.
(4)
زيادة من "ت".
(5)
"ت": "منزلة".