الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرابعة عشرة:
ذكر بعض الحنفية: أنه في حق المغازي في دار الحرب: أن توفيرَ (1) شاربِهِ مندوبٌ إليه؛ ليكونَ أهيبَ في عين العدو، فيحصل به الإرهاب والإرعاب، قال: ولهذا لا بأسَ بلبس ثوبٍ لُحمتُهُ حريرٌ، وسَداه غير حرير في الحرب؛ للحاجة إلى تهييب (2) العدو إلى دفع مَعرَّةِ السيف.
وقوله هذا في (3) الشارب ضعيف (4).
الخامسة عشرة:
لا أحفظُ عن أحد من العلماء أنه قال بوجوب قصِّ الشارب من حيثُ هو هو (5)، وقد ذكرنا عن صاحب "البحر" في تفسير (الفطرة؛ يعني: من السنَّة): يعني: من سنن الأنبياء الذين أُمرنا أن نقتديَ بهم في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
(1) في الأصل: "يوفر"، والمثبت من "ت".
(2)
في الأصل: "تهيب"، والمثبت من "ت".
(3)
"ت": "في هذا".
(4)
نقله عن المؤلف: الحافظ في "الفتح"(10/ 348).
(5)
قال ابن مفلح في "الفروع"(1/ 100)، ويحفُّ شاربه؛ خلافًا لمالك، أو يقص طرفه، وحفُّه أولى في المنصوص؛ وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، ولا يمنع منه مالك، وذكر ابن حزم الإجماع: أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، ثم قال: وأطبق أصحابنا وغيرهم الاستحباب، ثم ذكر حديث زيد بن أرقم:"من لم يأخذ شاربه، فليس منا"، ثم قال: وهذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم.
قلت: وقد نص ابن حزم في "المحلى"(2/ 218) على فرضية قص الشارب.
اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] وأول من أُمر بها إبراهيم - صلوات الله عليه -، وذلك قوله تعالى:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124].
فمقتضى (1) هذا الكلام [أن](2) نكونَ مأمورين باتّباعِ إبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء، والمراد بالابتلاء بالكلمات فعلُ مدلولها، وقوله:{فَأَتَمَّهُنَّ} مفسَّرٌ بأنه أدَّاهن تامَّاتٍ غيرَ ناقصات، فإذا كان إبراهيم عليه السلام قد فعلهن وأتمهن، وقد أُمرنا باتباعه كان ذلك مثلَ ما استدلَّ الشافعية - أو من استدل منهم - على وجوب الختان بقوله تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل: 123] وإبراهيم عليه السلام قد اختتن بالقَدُّوم (3)، والأمر للوجوب فيجب الختان، وسيأتي الكلام على هذا [فيما](4) بعد في هذا الباب [إن شاء الله تعالى](5).
وإذا كان هذا الاستدلال مُساويًا لذلك مع افتراقهما في الحكم؛ حيث وجب أحدهما وهو الختان؛ واستُحبَّ الآخرُ وهو قص الشارب وغيره، فأحد الأمرين لازم؛ إما بطلان هذا أو بطلان ذاك.
هذا بالنظر إلى الشيء من حيث هو هو، وأما مع النظر إلى
(1) في الأصل: "فبمقتضى" والمثبت من "ت".
(2)
زيادة من "ت".
(3)
سيأتي تخريجه في الحديث الأخير من هذا الباب.
(4)
سقط من "ت".
(5)
زيادة من "ت".
الموانع والشرائط الزائدة، والجدليات؛ فلا يمنع أن يفرَّقَ بينهما.
ويمكن أن يقال: إن الاستدلالَ في أمر الختان أقوى من هذا؛ لأن الاستدل الذي الأمرين ينبني على مقدمتين:
إحداهما: الأمر باتباع ملة (1) إبراهيم عليه السلام.
[و](2) الثانية (3): أنه عليه السلام فعل ذلك.
فأما الأمر بالاتباع فبالقرآن الكريم، وأما أنه فعلَهُ فبالحديث الصحيح.
وأما في هذه الخصال فإنه يُحتاج إلى مقدمتين أُخريين:
إحداهما: أن المرادَ بالكلمات: هذه الخصالُ، وهو يفتقر إلى دليل نقليٍّ يقوم عليه، فإنَّ الكتاب العزيز ليس بمصرِّح بها، وإنما ذكر الابتلاء بكلمات من غير بيانٍ لهنَّ.
والثانية (4): أن يكون المراد بـ (أتمهن): فعلهن.
وقد تشغب في المقدمتين مُشغِّب، إلا أن الواحديَّ رحمه الله ذكر أن [أكثر] (5) المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال من السنة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، والتي (6)
(1)"ت": "بالاتباع لملة".
(2)
زيادة من "ت".
(3)
في الأصل و "ت": "الثاني"، والصواب ما أثبت.
(4)
في الأصل: "والثاني"، والتصويب من "ت".
(5)
زيادة من "ت".
(6)
"ت": "والذي".
في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقف الإبطين (1).
[قال الواحدي](2): قال عطاء عن ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي! أن (3) تطهَّرْ، فتمضمضَ، فأوحى الله إليه أنْ تطهَّرْ، فاستنشق فأوحى الله إليه أن تطهر، ففرق شعره فأوحى الله إليه أن تطهر فاستاك، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فاستنجى، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فحلق عانته، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فأخذ من شاربه، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فنتف من إبطه، فأوحى الله إليه أن تطهر، فقلَّم أظفاره، فأوحى الله إليه أن تطهَّر، فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع؟ فاختتن بعد عشرين ومئة سنة (4)؛ أو كما قال.
فكونُ أكثر المفسرين على هذا يضعف التشغيب في المقدمة
(1) في الأصل: "الرفغين"، والمثبت من "ت"، وانظر:"الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" للواحدي (1/ 130)، وما ذكره الواحدي في تفسير الكلمات: رواه الطبري في "تفسيره"(1/ 524) بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
سقط من "ت".
(3)
كذا في الأصل وفي "ت"، ولو كانت: أن يا خليلي تطهر، لكان أحسن، والله أعلم.
(4)
وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز"(1/ 206)، وأبو حيان في "البحر المحيط"(1/ 546).