الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتكون بمعنَى تَفَعَّلَ؛ كقولهِم: تعلَّم واستعلم، وتكبَّر واستكبر.
وتكون بمعنَى فَعَلَ؛ كقولك قَرَّ واستقَرَّ، ومرَّ واستمرَّ (1).
وينبغي أنْ تكونَ هاهنا بمعنَى: أخرج؛ كـ: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 195] بمعنَى: أجاب، {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر: 14]؛ أي: أجابوا.
[وقول الشاعر](2):
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (3)
أي: لمْ يجبه.
ولو حملناها علَى طلبِ الفعل، لقيلَ: إنَّهُ من باب التعبير عن الفعلِ بإرادته، وهو مجازٌ.
* * *
*
الوجه السادس: في شيء من العربية:
قد ورد في الحديث: "فغَسَلَ يدَيه مَرَّتَين مرتين"، فلا بدَّ من النظرِ في مُقتضَى هذا اللفظِ، وهل يقتضي غَسْلَ كلِّ واحد منهما مرتين بسبب تكريرِ اللفظ، أم يجوز أنْ يكونَ غَسَلَهُما معاً مرتين، فيكون
(1) جاء على هامش "ت" قوله: "بياض نحو سبعة أسطر من الأصل".
(2)
زيادة من "ت".
(3)
عجز بيت منسوب إلى كعب بن سعد الغنوي، كما تقدم، وصدره:
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى
تكرار (مرتين) تأكيداً لفظيًّا؟
فنقول: المنقولُ عن بعض أكابر الفضلاء من المتأخرينِ - وهو أبو محمد بن بري -: أنَّهُ إذا كُرِّرَت الأجناس، أو المصادر، أو أسماء العدد، كان المرادُ حصولَهَا مكررةً؛ نحو: جاء القوم رجلاً رجلاً، وجماعةً جماعةً، وزُمرةً زمرةً؛ أي: رجلاً بعد رجلٍ، وجماعةً بعد جماعةٍ.
وكذلك: ضربت زيداً ضرباً ضرباً، وضربتين، وجاؤوا رجلين رجلين، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة؛ أي: ضرباً بعد ضربٍ، واثنين بعد اثنين، ومنه قوله تعالَى:{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21 - 22]؛ أي: دكًّا بعد دكٍّ، وصفًّا بعد صفٍّ.
وعن الشيخ أبي محمد وابن الحاجب: ولا يحسنُ التوكيدُ اللفظيُّ إلا حيثُ لا يكونُ للكلام مَحْملٌ غيرُهُ.
ومن ثَمَّ لمْ يَحملْ أبو عليٍّ التكرير في المصادرِ والأعداد وأسماء الأجناس عليه في قولك: جاؤوا رجلاً رَجلاً، وحَسَبْتُهُ (1) باباً باباً، وضربته ضرباً ضرباً (2)، وأنفقت الدراهمَ ثلاثةً ثلاثةً؛ لأنَّ المقصودَ في هذه الأمثلة وشبهها حصولُ الفعل علَى هيئة التكرير الواقعِ بعضُهُ بعدَ بعض؛ لأنَّ المعنَى: رجلاً بعد رجلٍ، وباباً بعد باب، وضرباً بعد
(1)"ت": "ضرابَا ضراباً".
(2)
"ت": "خشبته".
ضرب، وثلاثةً بعد ثلاثةٍ، وهو معنى مُستقلّ (1).
والتأكيد اللفظي قليل الفائدة (2)؛ لأنَّ الغرضَ إبلاغُ المخاطَب ما لَعَّله لمْ يسمعْهُ، ومثلُ ذلك عندي قوله تعالَى:{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21 - 22]، لا يُحمل اللفظ المكرر فيها علَى التأكيدِ اللفظي؛ لأنَّ المقصودَ تكرير وقوع الدَّكِّ والصَّفِّ؛ أي: دكًّا بعد دكٍّ، وصفًّا بعد صفٍّ، وهو معنى مستقلٌّ ينافيه التأكيدُ اللفظي؛ لأنَّ حمله عليه يبطلُ قصدَ التكرير لفظاً، وإبطالُه مُبطلٌ قصدَ التكرير معنى، وهو المقصود من الأمثلةِ المذكورة.
وعن أبي عبد الله ابن مالك: يعدُّ ذكرُ المعطوفِ في حكم التكرير (3)، وقد يُغني في هذا النوع التكريرُ عن العطفِ، ومنه قوله تعالَى:{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21، 22]؛ أي: دكاً بعد دكٍّ، وصفاً بعد صفٍّ (4)، ويجري هذا المجرَى أسماءُ الأجناس، وأسماء العدد؛ نحو: جاء القوم رجلاً رجلاً، وجماعةً جماعةً، وأقبلوا اثنينِ اثنينِ، وثلاثةً ثلاثةً، ولا يُحمل الاسم الثاني في هذه الأمثلة علَى التأكيدِ اللفظي؛ لأنَّهُ لا معنى للتأكيد اللفظيِّ سوَى إبلاغ المخاطب ما لعله لمْ يسمعْه،
(1) وانظر: "الكتاب" لسيبويه (1/ 392).
(2)
في الأصل: "قليل والفائدة"، والتصويب من "ت".
(3)
قال ابن مالك في "ألفيته":
وما مِنَ التوكيدِ لفظي يجي
…
مكرراً كقولكَ: ادْرُجِي ادْرُجِي
(4)
"ت": "صفاً بعد صف ودكًّا بعد دكٍّ".