الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
395 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث
مسألة [1]: كيفية صلاة القادر على القيام خلف الإمام القاعد
.
• ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ائتمام المأموم خلف الإمام القاعد، وهو قول محمد بن الحسن، والحسن بن حي، ومالك في ظاهر مذهبه، والثوري في رواية عنه، وجاء في ذلك حديث مرسلٌ من مراسيل الشعبي:«لا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا» ، وفي إسناده: جابر الجعفي، وهو كذَّابٌ.
• وذهب عامة أهل العلم إلى جواز ائتمام المأموم وصلاته وراء الإمام الجالس، واختلفوا: هل يُصلي وراءه جالسًا، أم قائمًا على قولين:
القول الأول: أنَّ المأموم يُصلي قائمًا، وإنْ قعد إمامُه، وهذا قول المغيرة، وحماد، وأبي حنيفة، والثوري، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، واعتمدوا على أَقْيسة، أو عمومات مثل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:«صلِّ قائمًا؛ فإنْ لم تستطع فقاعدًا» ، وتبعهم على ذلك طائفة من المحدثين، كالحميدي، والبخاري، وادَّعَوا
(1)
أخرجه البخاري (713)، ومسلم (418)(95).
نسخ أحاديث الأمر بالجلوس بصلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرضِ موته قاعدًا، والناس خلفه قيامًا، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري، وحكاه عن الحميدي.
القول الثاني: يُصلِّي القادر على القيام خلف الإمام الجالس جالسًا، هذا هو المروي عن الصحابة، ولا يُعرف عنهم اختلاف في ذلك.
وممن رُوي عنه ذلك من الصحابة: أُسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر ابن عبدالله، وأبو هريرة، ومحمود بن لبيد، ولا يُعرف عن صحابي خلاف ذلك، بل كانوا يفعلون ذلك في مساجدهم ظاهرًا، ولم ينكر عليهم عملهم صحابيٌّ، ولا تابعي.
وهو قول الأوزاعي، وحماد بن زيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي خيثمة، وسليمان الهاشمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن خزيمة، وغيرهم.
واستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، في «الصحيحين»
(1)
مرفوعًا: «
…
، وإذا صلى قاعدًا؛ فَصَلُّوا قعودًا أجمعين».
وهذا القول هو الصواب.
وأما ادِّعاءُ النسخ؛ فليس بصحيح؛ لأنَّ النسخ لا يُرجع إليه إلا إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين.
قال ابن رجب رحمه الله: ويدل على أنَّ الأمر بالقعود غير منسوخ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّله بِعِللٍ لم تُنسخ، ولم تبطل منذ شُرعت، منها: أنه علَّله بأنَّ الإمام إنما جُعل
(1)
أخرجه البخاري برقم (722)، ومسلم برقم (417).
إمامًا؛ ليؤتم به، ويُقتدى به في أفعاله. وقال: «وإذا كبَّرَ؛ فكبروا
…
، وإذا صلَّى جالسًا، فَصَلُّوا جلوسًا أجمعون»، وما قبل الصلاة جالسًا لم يُنسخ منه شَيْئ، فكذلك القعود؛ لأنَّ الجميع مرتَّب على أنَّ الإمام يؤتم به، ويُقتدى به.
ومنها: أنه جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء، وهو من طاعته، كما في «مسند أحمد»
(1)
من حديث ابن عمر، وفيه قال:«فإنَّ من طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم، فإذا صلوا قعودًا، فصلوا قعودًا» .
وفي رواية: «ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم» ، ومنها: أنه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس، والروم بعظمائها، حيث يقومون، وملوكهم جلوس. اهـ
ثم ذكر حديث جابر في «صحيح مسلم»
(2)
بهذا المعنى.
وأما الجواب عن جلوس النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرض موته، وصلاة من خلفه قائمين، فمن وجهين:
أحدهما: أنَّ المؤتمين بأبي بكر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة، وهو قائم، فيقال: إنْ ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالسًا؛ صلوا وراءه جلوسًا، وإنْ ابتدأ بهم قائمًا، ثم اعتلَّ فجلس؛ أتموا خلفه قيامًا، وهذا جواب الإمام أحمد، وأصحابه.
الثاني: أن تُحمل أحاديث الأمر بالقعود على الاستحباب، ويُحمل القيام
(1)
أخرجه أحمد (2/ 93) بإسناد صحيح، وهو في «الصحيح المسند» للشيخ رحمه الله (749).
(2)
أخرجه مسلم برقم (413).
الذي في مرض موته على الجواز، وهذا الحمل وجهٌ للحنابلة.
قال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الوجه الثاني أقرب عندي، والله أعلم.
تنبيه: الآثار المتقدمة عن الصحابة: أُسيد بن حُضير، وجابر، وأبي هريرة، وقيس، كلها أخرجها ابن أبي شيبة (2/ 366)، وعبد الرزاق (2/ 461)، وابن المنذر في «الأوسط» (4/ 206) بأسانيد صحيحة.
تنبيه آخر: يظهر، والله أعلم: أن الخلاف السابق فيما إذا كان جلوس الإمام عارضًا لمرض طارئ، وأما إن كان الإمام مقعدًا، لا يستطيع القيام باستمرار، فيظهر وجوب القيام على المأمومين في هذه الصورة، وكثير من الفقهاء يرون أن الإمام المقعد باستمرار لا يصلح لإمامة الأصحاء، وهذا غير صحيح، بل تصح إمامته، ولكن يصلي المأمومون خلفه قيامًا، والله أعلم.
(1)
(1)
وانظر: «الفتح» لابن رجب (689)، «المغني» (3/ 60 - ).
396 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(1)
الحكم المستفاد من الحديث
يستفاد من هذا الحديث وجوب التخفيف في الصلاة على الناس.
وفي «الصحيحين» عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أنَّ رجلًا شكى تطويل إمامه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فغضب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقال:«يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز» أخرجه البخاري برقم (90)، ومسلم برقم (466).
وتقدم في شرح الحديث رقم (394) بيان التخفيف المأمور به، وبالله التوفيق.
(1)
أخرجه البخاري (703)، ومسلم (467).