الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما مجالات التيسير فهي كل ما خرج عن دائرة الثوابت القطعيات والمحكمات، فأغلب مسائل الاعتقاد، وأصول الفرائض، وأصول المحرمات، وأصول الفضائل والأخلاق، وغير ذلك -يعد من الثوابت المجمع عليها، والتي لا يصح أن يطرأ عليها التغيير؛ لذلك لا يعتريها التيسير، إنما التيسير يكون في موارد الاجتهاد، وما يمكن أن يطلق عليه مصطلح "المتغيرات".
ومجال المتغيرات: الأمور الاجتهادية والأحكام التي ارتبط مناط الحكم فيها بالزمان والمكان والأحوال والعوائد، بما يحقق المصلحة الشرعية، والحِكَم المرعية، وكذا حال المستفتي قوةً وضعفًا، والقرائن المصاحبة للواقعة، قال ابن القيم:"الأحكام نوعان؛ نوع: لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة والأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المُقَدَّرة على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه، والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة"(1).
فما كان من الأحكام من النوع الأول -الذي لا يتغير- فهو خارج عن مجال التيسير قطعًا، وما كان من الأحكام من النوع الثاني -المتغير- فهو من مجالات التيسير إذا توافر الدليل.
رابعًا: التأصيل لفقه الجماعة في حياة الأقلية:
إن من أهم مقاصد فقه نوازل الأقليات المسلمة هو أنه يسعى لترسيخ معنى الجماعة في حياة الأقلية، سواء في ذلك ما يتعلق بعباداتهم أو معاملاتهم أو علاقاتهم الداخلية أو الخارجية مع مجتمع الاكثرية، فالقضية لا تقف عند حدِّ الإجابة على سؤال أو أسئلة لدى
(1) إغاثة اللهفان، من مصائد الشيطان، لمحمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، ط 2، 1395 هـ - 1975 م، (1/ 330، 331).
المسلم المغترب أو المقيم في بلاد غير المسلمين حولَ عبادة أو معاملة، وإنما هي محاولة لمعاونة هذه الأقلية على التحرك كمجموعة منظمة، تتسم بالمرونة والانفتاح المنضبط، دون عائق داخلي؛ وذلك ليتحقق حضورها وشهودها في الواقع الخارجي، وتعاملها مع الآخر بشكل إيجابي، يعطي إيجابية المحافظة وإيجابية الانفتاح بلا سلبيات، ويُحقق المعادلة الصعبة التي تقوم على الحفاظ على الهوية المسلمة للفرد والجماعة، مع الحرص على التواصل مع المجتمع والتأثير الإيجابي فيه.
ومما تجدر ملاحظته أنه قد تقع للجماعة المسلمة حاجات وضرورات كما تقع للأفراد.
"وأعتقد أن من المهم واللازم للفقيه لتكون فتواه عن بينة أن يهتم بالجماعة وضروراتها وحاجاتها المادية والمعنوية، الآنية والمستقبلية، وألا يغفل تأثير هذه الضرورات والحاجات في سير الجماعة وقوتها الاقتصادية، وتماسكها الاجتماعي، وسلوكها الأخلاقي، وتقدمها العلمي والثقافي، وقبل ذلك: هويتها الإيمانية"(1).
ولا شك أن الجماعة في تلك المجتمعات هي الرحمة لهذه الأقليات في هجير الحياة التي لا تحكم بالإسلام، فهي تحيط بأفرادها؛ تعين ضعيفهم، وتشد من أزرهم، وتحقق معاني التكافل والكفاية.
كما أن تقوية شأن الجماعة وتقوية شوكتها في بلاد الأقليات يعين على إبراز وإفراز أهل الحل والعقد لمجتمع الأقلية؛ وهم الذين تناط بهم واجبات الإمام عند فقده أو غيابه، ولا شك أن في نصوص الشرع المطهر ومقاصده ما يدل على أهمية هذا الفقه الجماعي بدءًا من الصلاة والصيام والحج، وانتهاءً بالجهاد، وإقامة الحدود وغير ذلك.
والعناية بهذا الفقه الجماعي يثمر قواعد ينشأ عنها فلاح الجماعة الإسلامية في واقع
(1) في فقه الأقليات الإسلامية، د. يوسف القرضاوي، (ص 47).