الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي عام 2009 م تجددت محنة مسلمي تركستان الشرقية، حيث تصدت لهم القوات الصينية بوحشية بالغة، فَأَرْدَتْ منهم قرابة ألف شخص بين قتيل وجريح في بضعة أيام (1).
المطلب الثاني: المشكلات الاجتماعية ومسائل الأحوال الشخصية:
يقصد بتعبير المشكلات الاجتماعية مجموعة المشكلات المعيشية التي تواجه المسلم حين يعيش في مجتمع غير مسلم، بخلاف المشكلات الدينية أو العقدية؛ حيث لا يعاني بالضرورة في جانب إظهار شعائر دينه وممارسة أنشطته الإسلامية.
الفرع الأول: المشكلات الاجتماعية:
1 -
حجاب المرأة:
حجاب المرأة هو عنوان عفتها وطهارتها، فهو جزء من دينها وحيائها، فرضه الله عز وجل على نساء الأمة بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]، وعليه: فليست المرأة المسلمة مخيرة في لبس الحجاب الشرعي أو عدم لبسه، والله تعالى يقول:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51].
ومن أغرب المشكلات التي ظهرت في بلاد الحرية المزعومة كفرنسا: منع الطالبات المسلمات من ارتداء غطاء الرأس في مقاعد الدراسة؛ حيث قامت إحدى المدارس بطرد ثلاث طالبات من المدرسة؛ لأن هذا الزي مخالف لمبدأ "العلمانية" المعمول به في فرنسا (2)!!.
وقد تكرر هذا الأمر من قبل عدد من الجامعات في فرنسا؛ الأمر الذي حمل
(1) جريدة الرياض 14 رجب 1430 هـ - 7 يوليو 2009 م. تركستان الشرقية تحت الاحتلال الصيني، لبولات تورفاني، ترجمة: د. إسلام صالح عبد الفتاح، دار اليسر، القاهرة، ط 1، 1431 هـ - 2010 م، (ص 76 - 78).
(2)
جريدة اللواء اللبنانية في (15/ 11/ 1989 م).
المسلمين إلى اللجوء إلى القضاء، حيث أصدرت أعلى هيئة قضائية في فرنسا بأن من حق الفتاة أن ترتدي الحجاب في أي مكان تشاء، فهو أمر متعلق بصاحبه، وهو أمر يدخل في إطار الطاعة الدينية، ولا يتعارض مع علمانية المجتمع (1).
وليس هذا التضييق خاصًّا بمسلمي فرنسا فحسب، بل في بريطانيا قامت مديرة إحدى المدارس الثانوية بالقرب من مانشستر بطرد طالبتين مسلمتين لارتدائهما الحجاب (2).
وأخيرًا فقد امتدت يد الإجرام في يوليو 2009 م وفي ألمانيا النازية! لتخلع حجاب امرأة من على رأسها، فلما قدم المجرم الأثيم إلى المحكمة تقدم إلى الضحية المسلمة ليقتلها بمرآى الجميع وفي ساحة القضاء (3)!
وكانت قاصمة الظهر أن تسارع فرنسا وتتبعها دول أخرى مؤخرًا إلى استصدار قانون يجرم نقاب المرأة المسلمة ويعاقبها بالغرامة المالية في لبسه في الطريق العام!! (4).
هذه النماذج من دول الديموقراطية المتحضرة! فكيف ستكون النماذج الأخرى للبلاد الإسلامية التي رزحت تحت نير الاستعمار الروسي الملحد! الذي سعى لطمس الهوية الإسلامية بكل معالمها وفي جميع صورها.
كانت تلك الضغوط ضغوطًا حكومية رسمية، ثم تبقى الضغوط المجتمعية الهائلة عبر وسائل الإعلام، وبرامج التعليم، وعجلة الحياة الجامحة عن منهج الله تعالى.
ولم يكن البوذيون في تايلاند أحسن موقفًا من غيرهم، حيث قام البوذيون في كلية
(1) جريدة الشرق القطرية، في (18/ 11/ 1992 م)، (ص 13).
(2)
جريدة الحياة ومجلة العالم اللبنانيتان، (شباط 1990 م).
(3)
جريدة الرياض، 14 رجب 1430 هـ - 7 يوليو 2009 م.
(4)
صدر القانون في شهر يوليو 2010 م بفرض غرامة تقدر بـ 185 دولارًا على من تغطي وجهها في
الأماكن العامة، صحيفة الاتحاد الإماراتية في 24/ 5/ 2010 م، وموقع الألوكة الإلكتروني في
18/ 7/ 2010 م www.alukah.net.
للبنات بتايلاند بطرد اثنتي عشرة طالبة لارتدائهن الحجاب (1).
وأخيرًا: فإن العجب لا ينقضي من تمسك هؤلاء المسلمات المغتربات عن أوطانهن أو المغتربات في أوطانهن بدينهن وأخلاقهن، ثم تبقى طائفة من المسلمات في ديار الإسلام ينزعن حجابهن طواعيةً واختيارًا، بل ويدعين غيرهن إلى هذه الشناعات بدعوى اللحاق بركب الدول المتقدمة، ولو كانت غير مسلمة!!
2 -
الاختلاط:
إن كل اختلاط بين الرجال والنساء لغير ضرورة أو حاجة، وبدون أخذ التدابير الاحترازية في اللباس والهيئة، أو الكلام والأسلوب، أو المجالس والتخاطب أمر يمنعه الشرع المطهر؛ ذلك لأنها وسائل تفضي إلى الحرام، وللوسائل أحكام المقاصد كما تقرر في الشريعة الغراء.
وهذا الموقف الشرعي قد تأصل في المجتمع المسلم حتى صار عنوانًا له وسمة مميزة له عن غيره من المجتمعات، وكان هذا السياج الإسلامي المحافظ يحيط بالمجتمع المسلم فيحمي رجاله ونساءه من الشرور والآثام.
ولا شك أن الأقليات المسلمة التي تعيش في مجتمعات متسيبة أخلاقيًّا وسلوكيًّا تعاني مشكلات ضخمة في التعليم بدرجاته المتعددة، وفي العمل بمختلف الوظائف والمهن.
وهذا أدى في كثير من الأحيان إلى تذويب الهوية المسلمة شيئًا فشيئًا من كثرة المخالطة والاعتياد، ولا يستطيع القلم أن يصف مظاهر الفساد التي تنشأ من جراء الاختلاط بين الرجال والنساء في مجتمع أخلاط من كفرة أهل الكتاب وملاحدتهم، وأقلية فقيرة مسلمة مستضعفة فيها الفتيان والفتيات، والجميع يعيش في بوتقة ملتهبة من جحيم الحياة المادية وسعار الشهوات، وبمنأى عن ديار الإسلام وقيمها الطاهرة.
(1) الأقليات الإسلامية في العالم، د. محمد علي ضناوي، (ص 106، 107).
ولذا فإن الحديث عن الزنا وممارسة الشذوذ، وزواج الكافر من المسلمة، وغير ذلك يبدو حديثًا عاديًّا في تلك البلاد، وبين أجيال أبناء المسلمين الذين هاجروا إلى تلك البلاد، فطحنتهم طاحونة الأكثرية غير المسلمة، وغلبتهم على تعاليم دينهم، وأصول أخلاقهم.
ولا شك أن الأكثرية غير المسلمة، قد وجَّهت كيدًا منظمًا بطرائق متعددة؛ مما يؤثر على الحياة الاجتماعية لمجتمع الأقلية المسلمة، ففي جمهورية البوسنة والهرسك مثلًا وقبل انفصالها عن الاتحاد اليوغسلافي سُنَّت القوانين المبيحة لزواج المسلمة من غير المسلم؛ الأمر الذي أخرج أطفالًا ممسوخي الهوية، وعديمي الثقافة الإسلامية (1).
3 -
طمس الهوية الإسلامية:
إن محاربة المسلمين والمسلمات في شأن الحجاب ما هو إلا مظهر من مظاهر طمس الهوية الإسلامية لمجتمع الأقلية المسلمة، وهنا عدة مظاهر يحسن التعريج عليها، ومنها ما يلي:
أ- تغيير الأسماء الإسلامية:
وذلك قطعًا للصلة بين الإسلام وبنيه، كان هذا بالترهيب والتعذيب والحرمان من الحقوق الأساسية للمواطن الذي يحتفظ باسمه الإسلامي ويسمي أبناءه بأسماء إسلامية، كما حصل هذا لمسلمي الجمهوريات الإسلامية إِبَّان ما يسمى بالاتحاد السوفيتي، وكذا الدول الشيوعية ذات الأقلية المسلمة كبلغاريا، حيث أرغمت السلطات على ذلك عام (1961 م)، ولا تقبل مراسلة باسم مسلم أصلًا (2)، وفي الهند
(1) وهناك تقرير بعدد الجزائريات المسلمات المتزوجات من غير مسلمين في فرنسا وحدها، يقدر عددهن بما يجاوز الخمسة آلاف مسلمة، يراجع: الأقليات المسلمة في العالم، محمد علي ضناوي، (ص 102)، الأحكام السياسية للأقليات في الففه الإسلامي، سليمان توبولياك، (ص 34)، واقع الجالية العربية الإسلامية في أوروبا والأخطار التي تهدد شخصيتها، عبد الكريم غريب، مجلة الأصالة، العدد (62 - 63)، (ص 159).
(2)
تأثير الثقافة السوفيتية على الأقلية المسلمة بالاتحاد السوفيتي، د. عبد الرحمن النقيب، ضمن بحوث مؤتمر الأقليات الإسلامية في العالم ظروفها المعاصرة، آلامها وآمالها، دار الندوة العالمية، 1420 هـ - 1999 م، (1/ 66 - 68)، مسئولية المسلمين المواطنين في دول غير إسلامية، م راشد دورياو، (1/ 233).
الهندوسية يفرضون تغيير أسماء الأطفال إلى أسماء هندية غير إسلامية ويعتبرون ذلك شرطًا لتسجيلهم في الدوائر الرسمية (1).
كما وقع هذا التغيير بالترغيب والإيحاء في الدول الغربية حتى لا يظهر المسلمون بصورة متخلفة أو رجعية، أو متميزة عن المجتمع بشكل منفر، حتى صار من المسلمين في أوروبا من يفضل الاندماج في المجتمع الغربي، والقبول بحسناته وسيئاته (2)!
وكانت مثل هذه الدعوة تلقى آذانًا مصغية لا سيما من المهاجرين المنهزمين حضاريًّا (3)، كما يقول ابن خلدون:"المغلوب مولع دائمًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده"(4).
ب- الزي واللباس:
لا تأمر الشريعة الإسلامية بلباس بع ي نه، وإنما تضع شروطًا للباس الشرعي، ثم
تدع كل إنسان لبيئته وثقافته، إلا أن الزي واللباس أصبح بفعل تباين الثقافات وتعدد
المجتمعات والحضارات أحد المظاهر الحضارية لكل شعب من الشعوب، ومن ثم
تمايزت الألبسة بتمايز الشعوب وتنوع الثقافات.
ولما دخل الإسلام إلى البلاد المفتوحة لم يفرض زيًّا ولم يطلب لبسة بعينها؛ بل أعان الناس على الدخول إلى الإسلام؛ لأنه لا يفرض على أحد هيئةً وهندامًا معينًا، في حين أن الاستعمار الأوروبي حين دخل بلاد المسلمين فرض لباسه وحمل عليه، وألزم به، وحاول فرض القبعة الأوروبية كما وقع في عدد من البلاد، فباءت محاولاتهم بالفشل.
(1) الأقليات المسلمة في العالم، د. محمد علي ضناوي، (ص 201، 202).
(2)
الوسطية بين واجب المواطنة في أوروبا وحفظ الهوية الإسلامية، د. صهيب حسن، بحث في المؤتمر الدولي للوسطية، ط 1، 1427 هـ - 2006 م، (ص 328).
(3)
الأحكام السياسية للأقليات، سليمان توبولياك، (ص 35).
(4)
المقدمة، لعبد الرحمن بن خلدون، دار القلم، لبنان، ط 5، 1984 م، (ص 147).
وفي بعض البلاد كالصين الشيوعية مُنع المسلمون من ارتداء ثيابهم القومية، فلبسوها ثم جعلوا فوقها شيئًا مما ألزموا به (1).
وأما ما يتعلق بلباس المرأة المسلمة فقد تقدم الحديث عنه عند الكلام على الحجاب، وكثير من النساء المسلمات في الغرب يحافظن على ما هو أقرب إلى الإسلام من الثياب، ومما تجدر الإشارة إليه أن الغربيات اللائي يسلمن يرتدين الحجاب ويلتزمن به (2).
جـ - التهجير الإجباري للسكان والتطهير العرقي:
لا ينسى المسلمون في الجمهوريات الإسلامية خطاب القادة البلاشفة الموجه إليهم في (7/ 12/ 1917 م)، والذي كان من بين من وقعه "لينين" و"ستالين"، والذي جاء فيه:"أيها المسلمون في روسيا، أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم، أيها الكرغيز، والسارتيون في سيبريا والتركستان، أيها التتر والأتراك في القوقاز، أيها الشيشيين، أيها الجبليون في أنحاء القوقاز. . . أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم وقبوركم، واعتدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم؛ ستكون حرية عقائدكم مكفولة، ومنظماتكم الثقافية مكفولة لكم منذ اليوم، لا يطغى عليها طاغٍ، ولا يعتدي عليها معتدٍ. . . هُبُّوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم فأنتم أحرار، لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل، إن ذلك من حقكم إن كنتم فاعلين، واعلموا أن حقوقكم شأنها شأن حقوق سائر أفراد الشعب الروسي؛ تحميها الثورة بكل ما أُوتِيَتْ من عزم وقوة، وبكل ما يتوفر لها من وسائل؛ جنود أشداء، ومجالس للعمال، ومندوبين عن الفلاحين، وإذن فشدوا أزر هذه الثورة وخذوا بساعد حكومتها الشرعية"(3).
(1) الإسلام في الصين، فهمي هويدي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، (ص 148).
(2)
مجلة النور، الكويت، عدد 71، (1989 م).
(3)
أثر الثقافة السوفيتية على الأقلية المسلمة بالاتحاد السوفيتي، د. عبد الرحمن النقيب، (1/ 65)، نقلًا عن: المسلمون في الاتحاد السوفيتي، شانتال لمربيه كلجكي، ألسكندر بينفسن، ترجمة: إحسان حقي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1977 م.
ولما كان المسلمون في ظل عهد القياصرة ذاقوا ألوانًا من الظلم والاستعباد، فقد تاقت نفوسهم وانعقدت آمالهم على إقامة دولة إسلامية ذات استقلال ذاتي في ظل الحكم الجديد، ودغدغ البلاشفة عواطفهم ليصلوا إلى مآربهم، وما أن استقرت الثورة وهدأت الأمور حتى أصدر لينين في إبريل (1918 م) أمره بالزحف على البلاد الإسلامية دون سابق إنذار، وجعلت الطائرات تقصف، والدبابات تحصد البلاد وتبيد العباد، ولم يكن بيد المسلمين من الأسلحة المتقدمة ما يعين على التصدي أمام الغزو الروسي الملحد، وكان أول ما بدءوا به قتل القيادات الإسلامية وتصفيتها، وإبادة الزعامات الوطنية بوصفهم جميعًا أعداء الثورة وجواسيس لليابان أو لألمانيا الهتلرية (1).
وكانت الخطوة التالية بفرض الهجرة الإجبارية على المسلمين إلى مجاهل سيبيريا، ونقل الروس إلى أراضيهم حتى يقللوا نسبة المسلمين في مناطقهم، ولا سيما إذا كانت مناطقهم غنية، ذات أهمية سياسية أو استراتيجية (2).
وفي بلغاريا قامت عمليات التهجير الإجباري جنبًا إلى جنب مع التطهير العرقي والتصفية الجسدية؛ الأمر الذي ذكَّر بإجرام الأسبان في حق المسلمين، والأثيوبيين في أريتريا، وأوجادين وشعب بورما في أراكان، وفعل مجرمي الحرب في البوسنة وبلاد البلقان، وما يفعله الصهاينة المعتدون على أرض فلسطين (3).
وإذا نسينا فلا ننسى هذه الهجرة الإجبارية التي فرضت على مسلمي فلسطين، والتي نسج خيوطها "تيودور هيرتزل" حين كتب: "سيكون علينا أن ندفع السكان المفلسين عبر الحدود؛ بتوفير العمالة لهم في البلاد المجاورة مع حرمانهم من أي عمل في
(1) المرجع السابق، (ص 65 - 66).
(2)
المسملون تحت السيطرة الشيوعية، محمود شاكر، (ص 7 - 9).
(3)
اللاجئون نظرة إسلامية، فضل الله ديلموت، مؤتمر الأقليات الإسلامية في العالم، (1/ 361 - 400).
بلادنا، ولكن يجب أن تتم عملية إخراج هؤلاء الفقراء بحيطة وحذر" (1)، ومن صور الإجبار على الهجرة: تحويل الديار العامرة إلى صحراء لا زرع بها ولا ماء!
ثم صرح "إسرائيل شاهاك" بأن ما يقرب من أربعمائة قرية تم تدميرها تدميرًا كاملًا بديارها وبساتينها وحتى مدافنها، بحيث أصبح عاليها سافلها، ويقال للسياح الذين يمرون بها: إنها كانت صحراء، وقد اتبعت سياسة التدمير هذه بعد احتلال الضفة الغربية والقدس وغزة في (1967 م)(2).
وعليه فلقد نتج عن إقامة الكيان اليهودي الغاشم على أرضنا في فلسطين خروج أكثر من مليوني لاجئ إضافة إلى 1.7 مليون داخل الأرض المحتلة -من بينهم نصف مليون كانوا موجودين قبل عام (1967 م) - ولا تزال حملات مصادرة الأراضي وهدم المنازل والملاحقات الأمنية والضرب بالرصاص الحي تجري على أشدها في بلاد الأقصى اليوم.
د - القضاء على القيادات في مجتمع الأقليات:
بطرد زعماء الأقليات الإسلامية ومثقفيهم، ونفيهم خارج البلاد، أو حبسهم ووضع أناس في مناصب الزعامة من الذين باعوا أنفسهم لأعداء هذه الأقلية بدراهم معدودة، وهذا يسهِّل اندماج الأقلية المسلمة في الأكثرية؛ لأن الأقلية عندما تصبح بغير مثقفيها وعلمائها تكون مجموعة مشتتة عديمة النفوذ، يسهل على الأكثرية امتصاصها والقضاء عليها إذا لم تساند من طرف الأمة الإسلامية (3).
فمثلًا في يوغسلافيا سابقًا وفي الاتحاد السوفيتي منذ تولى الشيوعيون الحكم قتلوا وسجنوا وطردوا مئاتٍ، بل آلافًا من علماء المسلمين، وبقي الشعب المسلم بغير أناس واعين
(1) يوميات هرتزل، تحرير رفائيل باتاني، ترجمة هاري زون، مطبعة هرتزل، نيويورك 1960 م، (1/ 88).
(2)
اللاجئون نظرة إسلامية، فضل الله ديلموت، (1/ 393).
(3)
الأقليات الإسلامية في العالم اليوم، د. علي الكتاني، (ص 20).
متعلمين يعرفون ماذا ينتظر شعبهم في المستقبل من الخطر الشيوعي ليعدوا لمواجهته.
هـ - إسقاط قوامة الزوج، وإضعاف سلطة الوالد:
وهذا الأمر من أكبر أبواب الفساد الاجتماعي، حيث تعطي قوانين وأعراف تلك البلاد الزوجة حقوقًا تستغني بها عن زوجها وأولادها وأسرتها، وكذا الأولاد يملكون أن يغادروا الأسرة وأن ينشئوا بعيدًا عنها، وأن يجلب الابن الشرطة لأبيه لأنه ضربه على ذنب اقترفه، أو هدده فقط بالضرب، وبمجرد أن يطالب الابن بحقه فإن الشرطة تتدخل لتستدعي الأب المذنب، وربما أودعته السجن لقيامة بواجب تأديب ولده!!
فالأولاد إذا ما كبروا وبلغوا فلا سلطان لأحد عليهم في الإقامة والمبيت والدراسة والعمل، فهم أحرار في تصرفاتهم، ولا سلطان للأب عليهم، ولا واجبات عليهم تجاهه.
ولقد خسر كثير من أولئك المهاجرين أبناءهم وأنكروا فضلهم، ومن قبل انسخلوا من دينهم.
ومن جهة أخرى فإن المرأة -إذ تتمتع بحرية كبيرة- تجعل الزوج مكبل اليدين أيضًا إزاء تصرفات زوجته: مما يضطره إلى أحد الاحتمالين: طلب الطلاق مع ما يستتبع ذلك من آثار قانونية واقتصادية فادحة، أو السكوت عن تصرفات الزوجة وانحرافاتها الشرعية، تلك التصرفات أو الانحرافات التي لا تعتبر في نظر القانون إلا تعبيرًا عن حرية مباحة لا يملك الزوج لها رفضًا، والمشكلة هنا أن يتأقلم الزوج أو الزوجة في أجواء البيئة القانونية مما يجعل حياة الأسرة المسلمة في خطر كبير (1).
ذلك أن المرأة مثل الرجل، تؤمِّن الدولة لها مأكلها ومشربها وملبسها ومسكنها، سواء كانت عزباء أو متزوجة، تعمل أو لا تعمل، وكذا الرعاية الصحية مكفولة للجميع بلا استثناء.
(1) الأسرة المسلمة في أوروبا بين تأثيرات البيئة الاجتماعية والعادات الموروثة، د. أحمد جاء بالله، بحث في المؤتمر الدولي للوسطية، ط 1، 1427 هـ - 2006 م، (ص 345).