الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في دخول الجنة، وأما التحسيني فيترتب على فقده تأخر الإنسان عن عالي رتب ودرج الجنان (1).
ضوابط الضرورة الشرعية وتطبيقات في حياة الأقليات:
ينشأ الاضطرار عند التعارض بين تطبيق الأحكام الشرعية والمحافظة على أحد الضرورات الخمسة من الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض، أو المال، فتنشأ مفسدتان متعارضتان إحداهما أكبر من الأخرى؛ فأمَّا الكبرى فحصول ضرر محقق لا يحتمل في إحد الضرورات الخمس، وأما الصغرى فهي فعل محظور شرعي، ولا مناص من ارتكاب أحد الأمرين وانتهاك إحدى الحرمتين فيترتب على تلك الحالة درء الكبرى بركوب الصغرى.
إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْأَسِنَّةُ مَرْكَبٌ
…
فَمَا حِيْلَةُ الْمُضْطَّرِ إِلَّا رُكُوْبُهَا
وعند الاضطرار لا يرتكب إلا القدر الذي يكفي لرفع الضرر وإزالة الخطر.
وغير خافٍ أن العمل بالضرورة حالة استثنائية مؤقتة، ولا بد من أن تضبط هذه الضرورة بضوابط معتبرة حتى تعتبر ضرورة شرعية تنتهك لأجلها المحرمات وترتكب معها المخالفات.
وغني عن البيان أيضًا أن أكثر الساحات اكتظاظًا بالاستثناءات وتعرضًا للضرورات وتنوعًا في الحاجات هي ساحة الأقليات، تلك التي تعيش بعيدًا عن ديار الإسلام شرقاً وغربًا.
وفيما يلي ضوابط الضرورة الشرعية التي تبيح -مجتمعة- ارتكاب المحظور، والجرأة على غير المشروع:
الضابط الأول: رجحان وقوع الضرر الفادح حالًا أو مآلًا:
فمتى قطع المكلف، أو غلب على ظنه حصول مفسدة كبرى بإحدى الضرورات
(1) تأصيل فقه الأولويات، د. محمد همام، (ص 239 - 244).
الخمس فقد جاز ارتكاب المحرم، فإن لم يغلب على الظن، وإنما كان احتمالًا مرجوحاً لم يجز انتهاك المحرم؛ إذ الأحكام لا تناط بالأوهام، ولا تتعلق بالاحتمالات المستبعدة (1).
ويدل على هذا الضابط حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ قال:"إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها"(2).
ويشهد لذلك من القواعد الفقهية: "لا عبرة بالظن البين خطؤه"(3)، و"الرخص لا تناط بالشك"(4).
وعليه: فلا بد من كون الضرورة أو الضرر حقيقيًّا حالًّا ومعتبرا، ولا يصلح أن يكون متوهمًا لا واقعًا ولا متوقعًا بظن غالب.
وعلى هذا فإن العمل بالبنوك والمصارف والمؤسسات الاقتصادية الربوية بالبلاد غير المسلمة وفي ديار الأقليات لا يجوز أن يستباح، ولا عبرة بقول من يعتبر هذا من ضرورة العيش، أو الحاجة التي تُنَزَّلُ عند الفقهاء منزلةَ الضرورة، تلك التي تفرض على الشخص قبول هذا العمل كوسيلة للعيش والارتزاق (5)، فإباحة هذا العمل على أنه ضرورة لا يسلم في بلاد الغرب فضلًا عن بلاد المسلمين.
فليست الضرورة حاصلة مع وجود أعمال أخرى، ومؤسسات لا تتعامل بالربا أصلًا، والصحيح أنه لا يجوز العمل بالبنوك الربوية مطلقًا، سواء أكان يتصل بعقد الربا، أم لا يتصل به؛ لنص الحديث الوارد فيما يتصل بالربا، وأما ما لا يتصل بالربا فيقاس على
(1) إعلام الموقعين (3/ 279)، نظرية الضرورة الشرعية، د. وهبة الزحيلي، (ص 65 - 66).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 157)، والأشباه والنظائر، لابن نجيم، (ص 188).
(4)
الأشباه والنظائر، لابن السبكي، (1/ 135)، الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 141).
(5)
يراجع: فتاوي معاصرة، د. يوسف القرضاوي، (ص 529 - 531).
ما يتصل به بجامع الإعانة على الربا.
وأما القول بأن فقه الموازنات يقتصي العمل في هذه البنوك؛ لدفع مفسدة أعظم من مفسدة عمل غير المسلمين في هذه البنوك فلا يصح؛ لأن مفسدة الربا أعظم من مفسدة عمل غير المسلم في هذه البنوك، فلا تصح هذه الموازنة.
ولو سلم جدلاً اضطرار فرد في بلاد غير المسلمين اضطرارًا حقيقيًّا لم يكن هنا سبيل لإباحة العمل بهذه البنوك مطلقًا لكل أحد؛ إذ الضرورة تقدر بقدرها (1).
وهكذا لا يجوز الاقتراض من البنوك الربوية مطلقًا لبناء المساكن، أو شرائها مع وجود شركات إسلامية تبيع العقار بالتقسيط (2).
وبناء على ما سبق فما يدعيه كثيرون في هذه الأيام من ضرورة التختم بالذهب، أو ضرورة التعامل الربوي، أو الضرورة الاقتصادية التي تسمح ببيع الخمور، وفتح الملاهي للسياح. . . ونحو ذلك، كل هذا لا يعتبر من الضرورات الحقيقية، ولا يباح من أجله الحرام، سواء أكان ذلك في بلاد الإسلام، أم في غيرها.
ومما ينبغي التنبه إليه أن ارتكاب المحظور عند الاضطرار إنما هو رخصة منَّ الله بها على عباده، والرخص لا تناط بالمعاصي (3).
فلو أن سائق شاحنة ببلاد غير المسلمين استؤجر لينقل خمرًا من بلد إلى بلد فسافر بشاحنته كان سفره هذا سفر معصية، وكان به عاصيًا، فلا تحل له رخص السفر في قول
(1) الأعمال والوظائف، وأثر الظروف المعيشية في الغرب في حلها وحرمتها، بحث للدكتور، محمد عثمان شبير، مقدم إلى الدورة الرابعة لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا بالقاهرة 2006 م، (2/ 162 - 163).
(2)
فقه الموازنات والترجيح، عموم البلوى، بحث للدكتور وهبة الزحيلي، مقدم إلى الدورة الرابعة لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، القاهرة 2006 م، (2/ 206).
(3)
الأشباه والنظائر، لابن السبكي، (1/ 135)، والمنثور في القواعد، للزركشي، (2/ 167)، والأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 138).