الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دليل القاعدة:
الإجماع المستند إلى الأدلة النقلية الكثيرة، وعلى هذا اتفقت كلمة الأئمة في كل زمان ومكان، يقول الشافعي رحمه الله:"على أن ليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء حلَّ أو حَرُمَ إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس"(1).
ويقول ابن حزم رحمه الله: "كل قول بمجرد الدعوى بلا برهان فهو مطروح ساقط"(2).
ويقول ابن تيمية رحمه الله: "فليس لأحد من خلق الله كائنًا من كان أن يبطل قولًا، أو يحرم فعلًا إلا بسلطان الحجة"(3).
والأدلة على وجوب اتباع الدليل أظهر وأشهر من أن يشار إليها، وقد قال تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقال سبحانه:{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء: 24].
والاستدلال هو منهج السلف الذي لم يحيدوا عنه، فلقد:"كان أئمة المسلمين لا يتكلمون في الدين بأن هذا واجب، أو مستحب، أو حرام، أو مباح إلا بدليل شرعي من الكتاب أو السنة وما دلَّا عليه"(4).
ومن هنا كان الفقه عند المحققين من العلماء وأئمة السلف مبناه على الاستدلال؛ ولذا ذكر ابن تيمية أن "الفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسنة والإجماع نصًّا واستنباطًا"، وقال عن الذين لم يحققوا الفهم للأدلة السمعية الثبوتية نصًّا واستنباطًا: "ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين؛ بل هم نقلة لكلام
(1) الرسالة، للشافعي، (ص 39).
(2)
الإحكام، لابن حزم، (1/ 106).
(3)
مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (3/ 245).
(4)
المرجع السابق، (27/ 373).
بعض العلماء ومذهبه" (1).
والأدلة الشرعية بالجملة تنقسم إلى قسمين: نقلية وعقلية؛ فأما النقلية: فالكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، وأما العقلية: فالقياس، والمصلحة المرسلة، والعرف، والاستصحاب.
كما أن الأدلة النقلية تحتوي الأدلة العقلية، وكذا الأدلة العقلية تستند إلى الأدلة النقلية؛ إذ العقل لا يستقل بإثبات الأحكام، ومرجع ذلك إلى الوحي المعصوم كتابًا وسنة، والسنة وحي بدلالة القرآن، قال تعالى:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]، وقد أمر الله في القرآن باتباع السنة وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعاد أمر السنة إلى القرآن.
وأما الإجماع فلا يتصور إلا بدليل يشهد له من القرآن أو السنة، وكذلك القياس لا يتم إلا بدليل من جهتهما.
وعلى ما سبق فإن مرجع الأدلة إلى القرآن، أو السنة، والسنة ترجع إلى القرآن، وعليه فإنه يصح القول بأن مرجع جميع أدلة الأحكام إلى القرآن.
وأما ما نقل فيه الحكم عن الجمهور أو أكثر أهل العلم أو الأئمة الأربعة وما أشبه؛ فهذا كله لا يُعَدُّ حجةً بذاته عند الأصوليين؛ إذ إن الكثرة لا تعتبر دليلًا؛ إذ ربما كان الحق بجانب الواحد مجانبًا للأكثر (2).
وقد رأى أبو بكر رضي الله عنه قتال مانعي الزكاة، ورفضه أكثر الصحابة، فلما ثبت على رأيه وأيده بأدلته رجعوا إلى قوله.
(1) الاستقامة، لابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة، ط 1403،1 هـ، (1/ 61).
(2)
إرشاد الفحول، للشوكاني، (1/ 389 - 397)، الفُتيا ومناهج الإفتاء، د. محمد الأشقر، (ص 51، 53)، الإفتاء عند الأصوليين، د. محمد أكرم، (ص 166 - 167).
وكم من قول انفرد به مجتهد، فَرُفض رأيه وعُودي من أجله، ورُمي بالعظائم، ثم تبين للناس بعد ذلك أنه الحق؛ فالترجيح بالمعنى والأدلة، لا بالكثرة، ولا أثر للمخالفة والموافقة في ذلك، وإنما ينبغي أن تذكر الموافقة والمخالفة لمجرد الاستئناس، لا للاحتجاج، ولا للترجيح.
ومثل ذلك أيضًا: ما لو اتفق الأئمة الأربعة على قول اجتهادي في المسألة، فلا يمنع ذلك أن يفتي المجتهد بخلافه مما يتبين له أنه الحق بالدليل؛ إذ لا دليل يدل على انحصار الحق في قولهم؛ لأن إجماعهم ليس بحجة، بل الحجة في إجماع الأمة، وقد قال ابن تيمية رحمه الله:"ولو قضى أو أفتى يقول سائغ يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة في مسائل الأيمان والطلاق وغيرهما، مما ثبت فيه النزاع بين علماء المسلمين، ولم يخالف كتابًا ولا سنة ولا معنى ذلك؛ بل كان القاضي به والمفتي به يستدل عليه بالأدلة الشرعية، كالاستدلال بالكتاب والسنة؛ فإن هذا يسوغ له أن يحكم به ويفتي به، ولا يجوز باتفاق الأئمة الأربعة نقض حكمه إذا حكم به، ولا منعه من الحكم به ولا من الفُتيا به، ولا منع أحد من تقليده"(1).
وإن كان ما سبق نقله لا يمنع من أن يقال: إن ترجيح مذهب الجمهور (2) واعتماده يعني في الأغلب موافقة الأكثر من المجتهدين من لدن الصحابة والتابعين، وهو يحمل في طياته موافقة الوحي والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، سواء في النقل أو الاستدلال.
والأصل هو كثرة الحقِّ والصواب في مسائل الجمهور من غير قطع بذلك في جميع المسائل.
وقد مال عدد من أهل العلم إلى جعل مذهب الجمهور أحد المرجحات عند الخلاف.
ومن هذا القبيل ترجيح المزني (3) قول الشافعي رحمه الله في القديم من مذهبه بجواز
(1) مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (33/ 133 - 134).
(2)
قد يطلق الجمهور على الأئمة الأربعة، وإن خالفهم غيرهم من المعتبرين، وقد يطلق على ثلاثة منهم إن اتفقوا وخالفهم الرابع، وقد يطلق على اثنين على قول واحد، واختلف الآخران كل منهما على قول.
(3)
أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني، المصري، تلميذ الشافعي. وكان إمامًا ورعًا مناظرًا، =
المسح على الجرموق خلافًا لقوله الجديد بالمنع من ذلك، تحرزًا من انفراد الشافعي عن سائر العلماء الذين وافقوه في مذهبه القديم. قال المزني رحمه الله: "قال الشافعي: ولا يمسح على جرموقين. قال (يعني الشافعي) في القديم يمسح عليهما.
قال المزني: قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافًا، وقوله (يعني قول الشافعي) معهم (يعني مع العلماء) أولى به من انفراده عنهم" (1).
ومن هذا القبيل: ترجيح الموفق ابن قدامة إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله باعتبارات عدة، منها: أنه قول أكثر أهل العلم، ومن أمثلة ذلك: اختلاف الروايتين عن أحمد في من جنى على سن فسودها هل فيها حكومة، أم ثلث الدية؟ (2)، ومن أمثلته: ما قاله الموفق في مسألة الموضحة في الوجه والرأس وأنها فيهما سواء، وقد روى عن أحمد ما يخالف ويوافق هذا، قال الموفق:"وحمل كلام أحمد على هذا (يعني التسوية فيهما) أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر وقول أكثر أهل العلم"(3).
ومن هذا القبيل: ترجيح الإمام ابن بطال المالكي لإحدى الروايتين عن مالك -رحمه الله تعالى- في مسألة التكبير بعد الفراغ من التشهد الأول من حين بدء قيامه إلى الركعة الثالثة أو بعد انتصابه قائمًا، "قال ابن بطال: وهذا الذي يوافق الجمهور أولى (يعني الرواية الأولى)، قال: وهو الذي تشهد له الآثار". نقله عنه النووي رحمه الله (4).
قال الحافظ ابن الصلاح -ذاكرًا بعض ما يترجح به أحد القولين للشافعي أو الوجهين
= مجابَ الدعوة متقلِّلًا من الدنيا، صنف كتبًا كثيرة، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمنثور وغيرها، توفي سنة 264 هـ. طبقات الفقهاء، للشيرازي، (ص 97)، سير أعلام النبلاء، (12/ 492).
(1)
مختصر المزني، في فروع الشافعية، لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، تحقيق: محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1419 هـ - 1998 م، (ص 19).
(2)
المغني، لابن قدامة، (12/ 156).
(3)
المرجع السابق، (12/ 160).
(4)
المجموع، للنووي، (3/ 462).
للأصحاب (يعني أصحاب الشافعي في المذهب) -: "ويترجح ما وافق منهما أكثر أئمة المذاهب المتبوعة أو أكثر العلماء"(1)، قال النووي:"وهذا الذي قاله فيه ظهور واحتمال"(2).
وبالجملة فإذا كان المجتهد مستقلًّا لم يجز له أن يفتي بمذهب أحدٍ من المجتهدين، بل يجب عليه أن يفتي بما هو حكم الله في نظره هو، ولا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين إلا عند الضرورة؛ لأن هذا النوع من المفتين هو الذي يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقيُّد بمذهب أحد (3).
فأما إن كان المفتي منتسبًا إلى مذهب إمام بعينه؛ فإن كان سالكًا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل -وهذا هو المتبع للإمام حقيقة- فله أن يفتي بما ترجح عنده من قول إمام آخر إن اجتهد فأداه اجتهاده إلى ذلك (4).
ولا يجوز له أن يفتي بما يعتقده مرجوحًا، للإجماع على ذلك؛ فإن أفتى به أثم؛ لأنه اتباع للهوى، وهو حرام؛ فإن تعارضت الأدلة عنده وعجز عن الترجيح، فيرى الإمام الشافعي أن له الحكم بأيهما شاء لتساويهما عنده، ولمقلده الحكم بأحد القولين إجماعًا (5).
ويرى الشاطبي أنه يجب عليه التوقف؛ وذلك لأن الجمع بين الدليلين في العمل جمع بين متنافيين، ورجوع إلى إثبات الاختلاف في الشريعة، وهو باطل (6).
قال ابن دقيق العيد: "هذه المسألة من مشكلات الأصول، والمختار عند المتأخرين الوقف"(7).
مما تقدم نجد أن أكثر فقهاء الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة أكدوا على أن
(1) أدب الفتوى، لابن الصلاح، (ص 89).
(2)
المجموع، للنووي، (1/ 68).
(3)
المجموع، للنووي، (1/ 42).
(4)
إعلام الموقعين، لابن القيم، (4/ 237)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان، (ص 39).
(5)
شرح عقود رسم المفتي، لابن عابدين، طبع ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، الآستانة، محمد هاشم القطبي 1321 هـ، (1/ 10 - 11).
(6)
الموافقات، للشاطبي، (4/ 155).
(7)
إرشاد الفحول، للشوكاني، (2/ 1140).