الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التقليد، وكذا إن كان مجتهدًا لم يؤده اجتهاده إلى الرخص.
على أن التفسيق منقول عن غير أحمد رحمه الله كيحيى القطان رحمه الله (1) حيث قال: "لو أن رجلًا عمل بكل رخصة: يقول أهل المدينة في السماع -يعني: في الغناء- وبقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة لكان فاسقًا"(2).
وأما الاحتجاج بقول متأخري الحنفية فلا شك أنهم محجوجون بالإجماع الذي حكاه ابن عبد البر وابن حزم (3).
وعليه: فإن الراجح المنع، إلا أن يؤدي إلى ذلك اجتهاد معتبر أو تقليد سائغ.
قال الشاطبي رحمه الله: "ومتى خيرنا المقلِّدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم، لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة"(4).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
يحتاج المفتون خارج ديار الإسلام إلى فقه قاعدة الترخيص، وتشتد حاجتهم إلى استعمالها فيما يعود على أهل الإسلام من الأقليات بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة.
ذلك أن التخفيف من أجل الترغيب في الإسلام والدخول فيه مقصد شرعي في ديار الإسلام وفي غيرها، وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل إسلام وفد ثقيف على شرط فاسد، وفي هذا إظهار وإبراز سماحة الإسلام ويسره وسعته، وحسن عاقبة السياسة النبوية التي ترعى المصالح الشرعية، فإن ثقيفًا حسن إسلامها وفاءت إلى الإسلام
(1) أبو سعيد، يحيى بين سعيد بن فروخ، القطان، مولاهم البصري، الإمام الكبير، أمير المؤمنين في الحديث، كان ثقة مأمونًا رفيعًا حجةً، سمع سليمان التيمي، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، وروى عنه سفيان، وشعبة، ومعتمر بن سليمان، توفي سنة 198 هـ. الطبقات الكبرى، لابن سعد، (7/ 293)، سير أعلام النبلاء، (9/ 175).
(2)
المسودة، لآل تيمية، (ص 518 - 519).
(3)
فتاوي الشيخ عليش، (1/ 79).
(4)
الموافقات، للشاطبي، (4/ 131).
ودخلت في شرائعه كافة لما خالط الإيمان القلوب، وتمكنت بشاشته من النفوس.
وقد نعى الشيخ محمد سعيد الحسيني (1) على أحد المفتين في قازان وقد أفتى لبعض أمراء روسيا الوثنيين أنه لا يصح إسلامه على شرط شرب الخمر وأكل الخنزير، فقال:"إن هذا المتفقه لو كان من أهل البصيرة في الدين، والفقه في شريعة خاتم المرسلين، والوقوف على تصرفاته صلى الله عليه وسلم لما اقترف هذا الخطأ المشين، ولعرف أنهم بعد إسلامهم يقلعون عن تعاطي شرب الخمر، وأكل لم الخنزير، متى تمكنت بشاشة الإيمان من قلوبهم؛ لأن أمة الإجابة لا يتفق جمهورها على الضلالة، لكن الذي أفضي بالأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه هو الجمود والوقوف عند ظواهر نصوص الفقهاء، وتعطيل قوى المدارك والمواهب، وإغلاق باب الاجتهاد بدون قيد"(2).
فلا شك أن التخفيف في زمن نفور الخلق، ووهن العزائم، ورقة الدين، أمر مطلوب ومرغوب، ومع هذا كله فلا بد من التحرك وفقًا لثوابت شرعية وأصول مرعية، وإلا ترتب على هذا التيسير تغييرٌ للأحكام بغير برهان، وتقوُّلٌ على الله بغير علم، وتعريض الشريعة للتبديل باسم التيسير!
والأصل أن التساهل في الفتيا مذموم وممنوع، قال تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس:59].
(1) محمد سعيد بن عبد الرحمن بن محمد الباني الحسني الدمشقي، فقيه فاضل، تولى منصب الإفتاء في بعض أقضية دمشق، وبها تفقَّه وتأدَّب، من مصنفاته: الفرقدان النيران في بعض المباحث المتعلقة بالقرآن، وعمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، والكوكب الدري المنير في أحكام الفضة والذهب والحرير، ولد سنة 1294 هـ، ومات سنة 1351 هـ. الأعلام، للزركلي، (6/ 143)، معجم المؤلفين، لعمر كحالة، (10/ 31).
(2)
عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، لمحمد سعيد الحسيني، (ص 221).
وقال النووي: "يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حرم استفتاؤه"(1)، وقال ابن مفلح (2):"يحرم تساهل المفتي، وتقليد معروف به"(3)، وقال القرافي:"أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع"(4).
وكما ظهر من يتشدد في غير موضع للتشديد، فقد ظهر جليًّا أن طائفة أخرى تبحث تحت ستار التخفيف عن التفلت من الأحكام الشرعية المستقرة، سواء أكانت في القضايا الكبرى والمهمات، أم كانت في القضايا الشخصية والجزئيات.
فقضية ربا البنوك والمصارف -مثلًا- قضية محسومة في دار الإفتاء المصرية من لدن أول من ولي منصب الإفتاء في الديار المصرية الشيخ محمد عبده رحمه الله (5)(6) وعلى حرمته انعقد اتفاق المجامع الفقهية المعاصرة (7). وسواء أكان هذا في ديار الإسلام، أم
(1) المجموع، للنووي، (1/ 46).
(2)
أبو عبد الله، شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، تفقه في مذهب الإمام أحمد، وبرع فيه إلى الغاية، وكان أعلم تلامذة ابن تيمية باختياراته، ولد سنة 710 هـ، وتوفي سنة 763 هـ. السحب الوابلة، لابن حميد، (3/ 1093).
(3)
أصول الفقه، لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، تحقيق: فهد بن محمد السدحان، مكتبة العبيكان، الرياض، ط 1، 1420 هـ - 1999 م، (4/ 1576).
(4)
الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام، للقرافي، (ص 93).
(5)
محمد عبده بن حسن خير الله، من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد، تولى منصب القضاء، ثم جعل مستثارًا في محكمة الاستئناف، فمفتيًا للديار المصرية سنة 1317 هـ، من مصنفاته: تفسير القرآن الكريم، ورسالة التوحيد، والإسلام والرد على منتقديه، ولد سنة 1266 هـ وتوفي سنة 1323 هـ. الأعلام، للزركلي، (6/ 252)، ومعجم المؤلفين، لعمر كحالة، (10/ 272 - 273).
(6)
تنظر: فتوى الشيخ محمد عبده رحمه الله في تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990 م، (3/ 91)، والشيخ بكري الصدفي رحمه الله، "فتاوى دار الإفتاء المصرية" فتوى (413)، والشيخ عبد المجيد سليم رحمه الله، "فتاوى دار الإفتاء المصرية" فتوى (617، 621، 3252)، والشيخ حسن مأمون رحمه الله "فتاوى دار الإفتاء المصرية" فتوى (3178)، والشيخ جاد الحق رحمه الله "فتاوى دار الإفتاء المصرية" فتوى (819)، والشيخ عبد اللطيف حمزة رحمه الله "فتاوى دار الإفتاء المصرية" فتوى (3346).
(7)
من ذلك: قرار المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في المحرم سنة 1385 هـ، وقد =
كان خارج دياره.
ثم إنه ظهر من يقول بحل هذه الفوائد الربوية، وامتد الأمر إلى توبيخ من يبحث الآن في: هل فوائد البنوك حلال أم حرام؟! بينما يتابع الأمريكيون رحلات الفضاء الهائلة التي تجاوزت كوكب نبتون!! (1).
وهذا أحد المعاصرين يقول: "ألا يمكن تحت شعار الفقه المعتدل والمرن أن يقال: إن فتاوي د. سيد طنطاوي في إباحة الربا أوفق من فتاوي المانعين، وأن يقول المبيحون لذلك: إن علينا مواجهة مشكلات العصر بفقه جديد للتكيف مع تطورات العصر"(2).
ومن قبلُ قال آخر: "إن الربا بفائدة ليس من أنواع الربا المحرم، وإن سبب تخلف مصر هو عدم فتح بنوك على الطريقة الغربية"(3).
ولا شك أن اتساع دائرة التغريب والعولمة الثقافية، والفكرية والاقتصادية له أثره البالغ على ما تعانيه الأمة اليوم عند معالجة نوازل الأقليات المسلمة في بلاد الغرب، لقد وُجد اتجاه يُعْنَى بتسويغ التبعية الفكرية والثقافية والاقتصادية للغرب.
ومن قبلُ وُجد في هذه الأمة من يقول: "إننا عزمنا أن نأخذ كلَّ ما عند الغربيين؛ حتى الالتهابات التي في رئتيهم، والنجاسات التي في أمعائهم"(4).
وآخر يقول: "إن الأمم الإسلامية لفي حاجة إلى تقليد الغربيين في كلِّ شيء حتى
= أعيد نشره بمجلة الأزهر في صفر 1410 هـ، وقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، "قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي"، للدورات (1 - 13)، القرارات (1 - 126)، لأعوام (1406 - 1423 هـ)، (ص 62)، وقرار مجمع رابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 12 رجب 1406 هـ إلى 19 رجب 1406 هـ.
(1)
أزمة الحوار الديني، لجمال سلطان، دار الصفا، القاهرة، ط 1، 1410 هـ - 1990 م، (ص 38).
(2)
مجلة المجتمع الكويتية، عدد (1321)، (ص 37).
(3)
نقلًا عن العلمانية، نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، د. سفر الحوالي، دار الهجرة، (ص 581).
(4)
والقائل هو أغا أوغلي، أحد دعاة التغريب في تركيا، وانظر: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، للشيخ مصطفى صبري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1401 هـ - 1981 م، (1/ 369).
في ملاهيهم ومراقصهم وإلحادهم، إن أرادت أن تبلغ شأوهم في حلبة الحياة" (1).
لقد صار هَمُّ هؤلاء: "أخذ مسلَّمات الفكر الغربي، ثم محاولة تبريرها إسلاميًّا، وتمريرها لدى الأمة، بالبحث عن فتاوي لتسويقها شرعًا"(2).
فخرجت الفتاوي التي تفصِّل -مثلًا- في موضوع الربا، وأن ما يحرم ما كان ربا استهلاك أخذًا من النظام الرأسمالي الغربي، أو أن ما يحرم هو الربا المضاعف فحسب!
"ومما يمزق الضمائر الحية، أن يجد عبيد الفكر الغربي من المتصدين للفتوى، والمتَّسمين بسمة أهل العلم الديني من يُزَوِّرُ لهم أقوالًا يتكئون عليها؛ لِيُنَفِّذوا مآربهم من تغيير صفة الأمة المسلمة، وتغيير وجهتها وقبلتها من حيث يشعرون أو لا يشعرون! "(3).
ولست بحاجة إلى أن أبين خطأ هذا الاتجاه، بل انحرافه، وأنه خيانة للشريعة؛ لأننا لسنا ملزمين أن نفتي بإباحة الفوائد الربوية -ولو للأقليات الإسلامية- أو جواز شرب الخمر، أو لعب الميسر، أو منع الطلاق، أو التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث، أو جواز نكاح الكتابي للمسلمة، أو إمامة المرأةِ الرجالَ في الصلاة؛ لأن هذا لا يتوافق مع تشريعات الغرب وتقنيناته.
(1) المرجع السابق، (1/ 369).
(2)
أمتنا بين قرنين، د. يوسف القرضاوي، دار الشروق، القاهرة، ط 2، 1423 هـ - 2002 م، (ص 92).
(3)
الفتوى بين الانضباط والتسيب، د. يوسف القرضاوي، (ص 86).