الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-رضي الله عنه فقال عمر: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لمحتجرٍ حقٌ بعد ثلاث سنين"(1).
وورد عن ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله (2)، أنه سئل: لماذا اتخذت كلبًا، حين سقط حائط دارك، مع أن مالكًا رحمه الله نهى عن اتخاذ الكلاب في غير المواضع الثلاثة وهي: حفظ الماشية، أو الزرع في الصحراء، أو للصيد الضروري، لا للهو. فقال:"لو أدرك مالك زمننا لاتخذ أسدًا ضاريًا! "(3). أي: للحراسة.
وفي تحريم عمر بن عبد العزيز رحمه الله الهدية للولاة فهمٌ ظاهرٌ لهذه المسألة فقال: "كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية واليوم رشوة"(4). وفي الواقع كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؛ ولكنه رفضها وعدَّ أخذها مذمومًا باعتباره رشوة بعد فساد الأخلاق (5).
النوع السادس: ترجيح واعتماد آراء بعض المذاهب:
وذلك مثل ما فعله الحنفية في تضمين المستغلين لأموال الوقف أو اليتيم، فإنهم كانوا لا يقولون بأن المنافع مال، ثم أخذوا برأي الشافعية والحنابلة (6)؛ لأن الغاصب كان لا
(1) أخرجه: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم في كتاب "الخراج"، دار المعرفة، بيروت، 1399 هـ - 1979 م، (ص 65).
(2)
أبو محمد، عبد الله بن أبي زيد، القيرواني المالكي، ويقال له: مالك الصغير، وكان أحد من برز في العلم والعمل، وكان رحمه الله على طريقة السلف في الأصول، من مصنفاته: الرسالة، والنهي عن الجدل، وتوفي 386 هـ. الديباج المذهب، لابن فرحون، (1/ 427)، سير أعلام النبلاء، للذهبي، (17/ 10).
(3)
مقاصد الشريعة، لابن عاشور، (ص 87)، الرف والعمل في المذهب المالكي، للجيدي، (ص 145) ، التطور روح الشريعة الإسلامية، لمحمد الشرقاوي، المكتبة العصرية، صيدا، 1960 م، (ص 194).
(4)
علَّقه البخاري جازمًا به في "صحيحه"(5/ 220)؛ فقال: "باب من لم يقبل الهدية لعلة، وقال عمر. . . " فذكره. ووصله: الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل في زوائده على "الزهد" لأبيه، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1403 هـ - 1983 م، (ص 358)، من حديث عبد الله بن عون القارئ -وفيه قصة-، ومحمد بن سعد في "الطبقات الكبرى"، دار صادر، بيروت، (5/ 377)، من حديث فرات بن مسلم قال:"اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح. . . " فذكر قصةً نحوها، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"، دار الكتاب العربي، بيروت، (5/ 294)، من حديث ميمون بن مهران ومن حديث عمرو بن مهاجر بنحوه.
(5)
فلسفة التشريع الإسلامي، صبحي المحمصاني، دار العلم للملايين، بيروت، 1380 هـ - 1961 م، ط 3، (ص 211).
(6)
تعليل الأحكام، د. مصطفى شلبي، (313).
يضمن قيمة المغصوب عن مدة الغصب؛ بل يضمن العين فقط إذا تلفت أو أصابها عيب؛ وذلك لأن المنافع -عندهم- غير متقومة في ذاتها وإنما تُقَوَّم بعقد الإجارة، بينما لا عقد في الغصب، بينما ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اعتبار المنافع متقومة في ذاتها كالأعيان فأوجبوا تضمين الغاصب أجرة المثل من المال المغصوب مدة غصبه سواء استفاد منه أو لا، لكن المتأخرين من الحنفية لاحظوا تجرؤ الناس على الغصب والعدوان وسعيهم إلى الاستفادة من منافع الأموال المغصوبة فأفتوا بتضمين الغاصب أجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان مالَ وقفٍ أو ملكًا ليتيم أو معدًّا للاستغلال، وهذا رأي خالفوا فيه الأصل القياسي في المذهب زجرًا للناس عن الاعتداء (1).
ومن الأمثلة أيضًا: أن المالكية والشافعية لا يعتبرون ذوي الأرحام من الورثة، فكانت أموالهم تذهب إلى بيت المال، فلما رأى المالكية والشافعية فساد الزمان وجور السلطان وعدم انتظام بيت المال أخذوا برأي الحنابلة فورَّثوهم (2).
ومن ذلك أيضًا: ما أفتى به متأخرو الحنفية من جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ نظرًا لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في العهد الأول؛ لأنهم لو انشغلوا بتعليم القرآن دون أخذ أجرة للزم عنه ضياعهم وضياع عيالهم، ولو انشغلوا بالتكسب للزم عنه ضياع القرآن بين الناس، ولقلَّ فيهم القرَّاء والمعلمون، وهذه الفتيا مخالفة لما أفتى به المتقدمون من أئمة المذهب؛ فقد اتفق أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله على عدم جواز أخذ الأجرة على ذلك؛ شأنه شأن بقية الطاعات من الصلاة والصوم والحج ونحوها؛ بينما علَّل المتأخرون ما ذهبوا إليه بأنه حاصل عن
(1) المبسوط، للسرخسي (11/ 78 - 79)، المدخل الفقهي العام، لمصطفى الزرقا، (945 - 946).
(2)
نهاية المحتاج، للرملي، (6/ 11 - 13)، حاشية الدسوقي، (4/ 468).