الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على أنه تجدر العناية باختيار أهل الاستقامة والتدين من أولئك المبتعثين مع تحصينهم بما يحتاجون إليه، وتوعيتهم بما سيواجهون من إشكالات وتحديات، وإذا قضوا مدة من السنوات هناك فَلْتُقْضَ في كنف المراكز الإسلامية، حتى إذا انتهت أغراضهم العلمية، وقضوا مهمتهم عجَّلوا بعودتهم إلى بلادهم، من غير أن يطيلوا البقاء من غير حاجة معتبرة.
الضابط الخامس: ألا يترتب على ارتكاب المحظور وقوع مثله أو أكبر:
فينبغي أن يكون الضرر في المحظور الذي يحل الإقدام عليه أقلَّ من حالة الضرورة؛ إذ الضرر لا يزال بضرر مماثل له، ولا بضرر أكبر منه، وإنما يزال بضرر أدنى منه، وفي هذا نظر واعتبار للمآلات.
وهذا الضابط يتعلق بتعارض المفاسد، فبقاء المفسدة حال الاضطرار يعارض ارتكاب المحظور، فأيهما كان أكبر دُفع بالأصغر، وأيهما كان أعم دفع بالأخص، وأيهما كان أعلى دفع بالأدون.
وهذه كلية الشريعة العظمى وقاعدتها الكبرى، وعليها تدور السياسة الشرعية.
قال ابن رجب رحمه الله: "إذا اجتمع للمضطر محرَّمان كل منهما لا يباح بدون الضرورة وجب تقديم أخفهما مفسدة، وأقلهما ضررًا؛ لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا تباح"(1).
وبناءً على ما تقدم فإن قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" قد قيدت بقيدٍ مهم، وهو:"بشرط عدم نقصانها عنها"(2).
(1) تقرير القواعد وتحرير الفوائد، لأبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط 1، 1391 هـ - 1971 م، (ص 265).
(2)
الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 84)، الأشباه والنظائر، لابن نجيم، (ص 94)، شرح القواعد الفقهية، للزرقا، (ص 185).
فالحاصل أن هذه القاعدة مقيدة بقيدين:
أولهما: الإباحة المذكورة بمعنى رفع الإثم والحرج، لا بمعنى التخيير بين الفعل والترك.
ثانيهما: الضرورات لا تبيح جميع المحظورات، بل هناك محظورات لا تبيحها الضرورات البتة.
ويمكننا بعد مراعاة هذين القيدين صياغة معنى هذه القاعدة على هذا النحو:
"الضرورات ترفع الإثم والحرج عند ارتكاب المحظورات التي دونها في المفسدة"(1).
ومما يؤكد هذا التقييد من القواعد الفقهية:
"الضرر لا يزال بمثله"(2).
"يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"(3).
"يُرتكب أخف الضرر لن لدفع أعظمهما"(4).
ومن القواعد الفقهية المتعلقة بالتدافع بين المصالح والمفاسد وغيرها مما يتصل بهذا الضابط: أن يحفظ المضطر أصول الشريعة وثوابتها، فلا تلجئه ضرورة مهما بلغت لأن يكفر بالله -مثلًا- ولا تحمله نازلة لأن يطمئن قلبه بالكفر -عياذًا بالله-؛ وذلك لقوله تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].
فلا يتصور الإكراه على شيء من أعمال القلوب (5).
قال العز ابن عبد السلام رحمه الله: "ولا يتصور الإكراه بالجنان، ولا على جحد ما يجب
(1) حقيقة الضرورة الشرعية، د. محمد الجيزاني، (ص 112).
(2)
الأشباه والنظائر، لابن السبكي، (1/ 53)، الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 86).
(3)
الأشباه والنظائر، لابن نجيم، (ص 96)، شرح القواعد الفقهية، للزرقا، (ص 197).
(4)
الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 87)، الأشباه والنظائر، لابن نجيم، (ص 96).
(5)
الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 208).
الإيمان به؛ إذ لا اطلاع للمكرِه على ما يشتمل عليه الجنان من كفر وإيمان، وجحد وعرفان" (1).
كما لا يتصور اضطرار إلى قتل نفس معصومة؛ لأن النفوس من حيث هي نفوس في مرتبة واحدة في نظر الشرع (2).
قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33].
وكذا لا يتصور اضطرار إلى الزنا واللواط والفواحش الظاهرة والباطنة، قال سبحانه:{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151]، ولو كان يفعل هذا بغير المسلم، وبغير ديار الإسلام.
ومما له تعلق بحياة الأقليات من التطبيقات: حرمة تولي الكفار واتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، وإن أقام المسلم -لحاجته- بينهم، ولا يجري في ذلك اضطرار؛ لأن عقيدة الولاء والبراء موضعها القلب الذي لا سلطان لأحدٍ عليه، وليس لأحد أن يحتج على محبته القلبية لأعداء الله بما بينه وبينهم من تعامل ظاهر، وليس لأحد أن يدعي اضطرارًا في هذا الأمر، بل لا ينعقد الإيمان إلا ببغض أولياء الشيطان، وما هم عليه من باطل الأديان، قال تعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4].
كما أنه ليس لأهل فلسطين -وإن بلغ العنت منهم مبلغًا- أن يصالحوا أعداء الدين على التنازل عنها نهائيًّا ولا بيعها للكافرين، ولا عقد صلح دائمٍ ومطلق، فإن وقع شيء
(1) قواعد الأحكام، للعز ابن عبد السلام، (1/ 137).
(2)
شفاء الغليل، للغزالي، (ص 248).