الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يتضمن إقرار غير المسلمين على ديار الإسلام ومقدساته، أو كان هذا الصلح دائمًا ومطلقًا فقد صار فاسداً وباطلًا.
جاء في قرار لمجمع الفقه الإسلامي بالسودان: "إن المسجد الأقصى وما بارك الله حوله من فلسطين أرض إسلامية، لا يجوز التفريط في شبر منها، وإنه ليس لليهود أي حق تاريخي يبيح لهم الاستيطان فيها"(1).
وبشكل عام فإن العمل بحكم الضرورة إنما هو حالة مؤقتة، ومسألة استثنائية، والواجب حيالها على أنواع ثلاثة:
1 -
ما يجب قبل العمل بحكم الضرورة: وهو الأخذ بالبدائل المباحة والمتاحة.
2 -
ما يجب أثناء الضرورة: وهو الاقتصار على القدر والوقت الذي به يرتفع الضرر فحسب.
3 -
ما يجب بعد نزولها: وهو السعي إلى رفعها، وبذل الجهد في التخلص منها، وهو واجب مفروض.
القاعدة الثانية: الإباحة المنسوبة للضرورة، الأصل في معناها: رفع الحرج، لا التخيير:
المعنى العام للقاعدة:
لا يصح اعتبار الإباحة المنسوبة إلى الضرورة بمعنى التخيير بين الفعل والترك مطلقًا؛ وذلك لأن ظاهر النصوص الشرعية يفيد رفع الحرج والجناح والإثم في الفعل فحسب، وذلك دون التخيير بين الفعل وتركه، وهو أحد فردي المباح (2).
ذلك أن المباح عند الأصوليين يطلق بإطلاقين:
(1) قرار رقم (3)، في الاجتماع الحادي والعشرين، سنة 1421 هـ.
(2)
الموافقات، للشاطبي، (1/ 140 - 141).
أولهما: ما استوى طرفاه، وهو ما خير فيه بين الفعل والترك، وهذا الإطلاق هو الأصل، والمباح بهذا الإطلاق قسيم للواجب، والمندوب، والمكروه، والحرام.
والإطلاق الثاني: ما رفع فيه الحرج، وهو بهذا الإطلاق يعم الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح، ويسمى بالحلال، فهو قسيم للحرام، كما قال تعالى:{فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس: 59](1).
فحكم العمل بالضرورة التي تبيح المحظور هو الإباحة على معنى رفع الحرج والإثم، فلا إثم على مضطر باتفاق إذا اتقى الله تعالى في تقدير الضرورة بقدرها وزمنها.
وقد قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
وإذا كان الأمر كذلك فإن الإباحة بمعنى رفع الحرج قد يكون معها من الضرورات ما يقتضي إيجاب الفعل أو إيجاب الترك أو الإباحة على معنى رفع الإثم مع بقاء المحظور المرتَكَبِ على حكمه الأصلي، وهو الحرمة المؤبدة.
فمثال الضرورة التي يجب فعلها: أكل الميتة لمن أشرف على الموت، ولا يجد ما يدفع به عن نفسه.
فهو رخصة من جهة رفع الحرج، عزيمة من جهة الإبقاء على حياته التي أُمر بحفظها وعدم إتلافها.
قال ابن قدامة: "يسمى رخصة من حيث إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله تعالى إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو خبث المحل ونجاسته، ويجوز أن يسمى عزيمة من حيث وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين"(2).
فلو امتنع عن الأخذ بحكم الضرورة كان آثمًا.
(1) شرح الكوكب المنير، لابن النجار، (1/ 427).
(2)
روضة الناظر، لابن قدامة، (ص 60 - 61).
والحكم بالوجوب تدل عليه قاعدة: "الواجب لا يترك إلا لواجب"(1).
أو "ما كان ممنوعًا إذا جاز وجب"(2)، كما تدل عليه قاعدة:"للوسائل حكم المقاصد"(3)، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(4).
وذلك لأن أكل الميتة قد تعين وسيلة لحفظ النفس المأمور بحفظها (5).
ومثال الثاني -وهو الضرورة التي يجب تركها ويحرم فعلها-: قتل المسلم بغير حق، وفي هذه الحالة يترتب على ارتكاب هذا المحرم ارتكاب مثله أو أشد، وهو ما يتعارض مع ما سبق تقريره في الضابط الخامس من ضوابط الضرورة، وعلى الراجح فلا يدخل هذا تحت حقيقة الضرورة الشرعية التي تبيح ارتكاب النهي، بل يصير من قبيل جلب المفاسد لا درئها (6).
قال ابن القيم رحمه الله: "كل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث- فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل"(7).
وعليه: فإن هذا النوع من الضرورات لا تبيح المحظورات، بل هناك محظورات لا تباح البتة، وإنما تبيح الضرورات من المحظورات ما كانت رتبته وخطورته دون رتبة الضرورة، وهذا معنى قولهم -في تتمة هذه القاعدة-: بشرط عدم نقصانها عنها (8).
وعليه فلا يكون العمل بالضرورة محرمًا بحال؛ حيث إن الضرورة الشرعية
(1) الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 148).
(2)
المنثور في القواعد، للزركشي، (3/ 146)، الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 148).
(3)
قواعد الأحكام، للعز ابن عبد السلام، (1/ 74)، إعلام الموقعين، لابن القيم، (3/ 135).
(4)
الأشباه والنظائر، لابن السبكي، (2/ 90)، شرح الكوكب المنير، لابن النجار، (1/ 357 - 358).
(5)
إعلام الموقعين، لابن القيم، (3/ 135).
(6)
الأشباه والنظائر، للسيوطي، (ص 86)، مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (25/ 272 - 273).
(7)
إعلام الموقعين، لابن القيم، (3/ 3).
(8)
حقيقة الضرورة الشرعية، د. محمد الجيزاني، (ص 111).