الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد صدَّر أصحاب هذا الاتجاه تعريفهم بكلمة "مَلَكَة" على معنى الصفة المكتسبة بالممارسة كالعلم، واستخدام الأصوليين لها من هذا الباب.
والقاسم المشترك بين الاتجاه الأول (فعل المجتهد) بفرعيه: (بذل) و (استفراغ)، والاتجاه الثاني (صفة المجتهد)، هو أن الاجتهاد لا يتأتى إلا ببذل الجهد، سواء من البداية (الاتجاه الأول)، أو بعد عدة محاولات وممارسات لهذا البذل والجهد لتصبح صفة ملازمة للمجتهد (الاتجاه الثاني).
وذلك لأن الاجتهاد باعتباره صفة لفعل المجتهد لا يتحقق ولا يوجد إلا بالملكة المشار إليها في الاعتبار الثاني، وإذا كان لا بد من حمله على أحد الاعتبارين فحمل الاجتهاد على فعل المجتهد هو الأولى؛ لأن الاجتهاد بهذا المعنى هو الفعل الذي تتطلبه الأمة لاستنباط الأحكام الشرعية، أما وصف الاجتهاد باعتباره (ملكة محضة) فلن ينتقل إلى حيز الفعلية في استنباط الأحكام الشرعية، وسيكون مجرد وصف للقابلية الذهنية المجردة، وليس لها أي آثار شرعية تتجاوز صاحبها.
المسلك الثاني: وفيه بني التعريف على قيود مذكورة:
القيد الأول: كون الذي يقوم بالاجتهاد مجتهدًا أم فقيهًا:
الغزالي يقيد الاجتهاد بصدوره من المجتهد، أما ابن الحاجب وابن الهمام فيقيدانه بالفقيه، ومن الأصوليين من لا يقيده لا بالمجتهد ولا بالفقيه كالشافعي رحمه الله، والبيضاوي رحمه الله؛ إذ يعرف الاجتهاد بقوله:"استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية"(1)، وكذلك الآمدي (2)، واعتبر هؤلاء قيد المجتهد أو الفقيه لا قيمة له؛ إذ لا يمكن لمن ليس بمدرك لعلوم الشريعة أن يجتهد، سواء أسُمي فقيهًا أم لم يسمَّ.
(1) نهاية السول، للإسنوي، (4/ 524).
(2)
الإحكام، للآمدي، (4/ 169).
القيد الثاني: الحكم الشرعي، وهو القيد المذكور في جُلِّ تعريفات الأصوليين للاجتهاد، فالاجتهاد بمعناه الاصطلاحي لا يكون إلا لتحصيل الحكم الشرعي، وهذا القيد ليس محل خلف عند الأصوليين القدماء لإدراكهم حقيقة الاجتهاد الذي يقصدون، أما عند المحدثين ففيه خلط منشؤه عدم قصر الاجتهاد على إدراك أو استنباط الأحكام الشرعية.
القيد الثالث: القطع أو الظن: أي: هل الحكم الثابت بالاجتهاد قطعي أم ظني؟
فقد اختلف العلماء في هذا، وجاء تبعًا لذلك اختلافهم في تعريف الاجتهاد.
ويمكن تقسيمهم فيما اختلفوا فيه إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: عرَّفت الاجتهاد وقيدته بما يفيد العلم بمعناه العام، والذي هو: مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن؛ باعتبار أن الأحكام الثابتة بالاجتهاد منها: ما هو قطعي، ومنها: ما هو ظني، ومن هذه التعريفات: تعريف الغزالي؛ حيث يقول: "بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة"(1). وعرفه ابن قدامة بأنه: "بذل الجهد في العلم بأحكام الشرع"(2).
المجموعة الثانية: لم تقيد الاجتهاد بأي من القطع أو الظن، وجاءت تعريفاتها خالية من هذا القيد. ومن ذلك: تعريف البيضاوي، حيث يقول:"هو استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية"(3). وتعريف الرازي، حيث يقول:"استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه"(4).
المجموعة الثالثة: قيدت تعريفها للاجتهاد بما يفيد الظن، حيث تكون الأحكام
(1) المستصفى، للغزالي، (ص 342).
(2)
روضة الناظر، لابن قدامة، (ص 352).
(3)
نهاية السول، للإسنوي، (4/ 524).
(4)
المحصول، للرازي، (6/ 7).
الثابتة بالاجتهاد ظنية غالبًا، ومن ذلك: تعريف ابن الحاجب؛ حيث يقول: "استفراغ الوسع لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعي"(1).
وتعريف التفتازاني؛ حيث يقول: "استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم"(2).
وتعريفات المجموعة الأولى والمجموعة الثانية تلتقي في كون تعريفها للاجتهاد يشمل القطعي والظني؛ حيث إن المجموعة الأولى قد قيدت الاجتهاد بها يفيد ذلك، أما المجموعة الثانية فلم تقيده، ولكن جاءت بصفة التعميم، مما يجعله يشمل القطع والظن.
وكثير من العلماء لا يرتضون التعريفات التي تفيد شمول الاجتهاد للقطعي والظني، ويعتبرون أن الاجتهاد الفقهي محله الأدلة الظنية لا القطعية؛ ولذلك ارتضوا تعريفات المجموعة الثالثة باعتبارها قيدت الاجتهاد بالظن.
ويلاحظ أيضًا أن بعض الأصوليين عرف الاجتهاد بذكر أنواعه دون بيان لحقيقته، كما فعل الشاطبي (3) رحمه الله، وهو مسلك يتحاشى الدخول في إشكالات مصطلحية كثيرة، وهو جدير بالاعتبار.
ومن المعاصرين كذلك من ذهب إلى عدم اعتبار تعريفات الأصوليين للاجتهاد تعريفات محددة بقدر تسميتها بمفهوم الاجتهاد، إدراكًا منه بأن تلك المحاولات نابعة عن مفاهيم معينة تكونت لدى واضعيها حول العملية الاجتهادية (4)، وقد ناقش هذه المفاهيم التي قسَّمها إلى ثلاث مراحل بدءًا بالشافعي، ثم مفهوم الاجتهاد بعد الشافعي
(1) مختصر المنتهى، لابن الحاجب، (2/ 1204).
(2)
شرح التلويح على التوضيح، للتفتازاني، (2/ 245).
(3)
الموافقات، للشاطبي، (4/ 89).
(4)
الاجتهاد في فهم النص معالم وضوابط، د. قطب سانو، رسالة دكتوراه غير مطبوعة، قدمت إلى كلية القانون في الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، 1996 م، (ص 25)، نقلًا عن معالم وضوابط الاجتهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمية، د. علاء الدين حسين رحال، دار النفائس، الأردن، ط 1، 1422 هـ - 2002 م، (ص 60).