الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا بد أن أعرِّفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه.
فسألت -أي: ابن القيم- شيخنا؟ -يعني: ابن تيمية- قدَّس الله روحه عن ذلك، فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي سأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه" (1).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
تقرر بوضوح مما سبق عرضه أنه إذا كان المجتهد مستقلًّا أو غير مستقل بالنظر في المسائل والأحكام الفقهية فإنه مطالب بأن ينتهي إلى ترجيح ما غلب على ظنه أنه الصواب سواء أكان مقيدًا بمذهب من المذاهب الأربعة المتبوعة أم لا.
ولا شك أن المجتهد والمفتي في نوازل الأقليات المسلمة يحتاج إلى هذه السعة في مجال البحث والموازنة والترجيح، فله أن يأخذ بمذهب فقهي يخالف مذهبه، وله أن يميل إلى آراء بعض المجتهدين الذين تحرروا من ربقة التقليد، وله أن يأخذ بمذاهب الصحابة المنقولة نقلًا صحيحًا، وقد ذهب ابن السبكي من الشافعية إلى جواز تقليد الصحابة رضي الله عنه خلافًا للمعتمد في المذهب، وقال:"وهو الصحيح عندي"(2).
وانتصر ابن القيم لهذا المنهج فقال: "لا يسع المفتي أو الحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه، ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه (3)، وعلي بن المديني (4)، بل
(1) إعلام الموقعين، لابن القيم، (4/ 238).
(2)
فتاوي ابن حجر، (4/ 307).
(3)
أبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المعروف بابن راهويه، هو الإمام الكبير، شيخ المشرق، سيد الحفاظ، سمع من الفضيل بن عياض، ومعتمر بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، وسمع منه بقية بن الوليد، ويحيى بن آدم، وهما من شيوخه، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وهما من أقرانه، ولد سنة 161، وتوفي سنة 243 هـ. سير أعلام النبلاء، للذهبي، (11/ 358)، المقصد الأرشد، لابن مفلح، (1/ 242).
(4)
أبو الحسن، علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد السعدي، مولاهم البصري، المعروف =
يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود رضي الله عنهم. فلا يُدرى ما عذره غدًا عند الله إذا سوَّى بين أقوال أولئك وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها؟! فكيف إذا عيَّن الأخذ بها حكمًا وإفتاءً، ومنع الأخذ بأقوال الصحابة؟!! " (1).
ولأهمية هذا المسلك يخاطب ابن القيم المفتين بقوله: "أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلدتموه بغيرها؟ ولا سيما من قال من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا، ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ونعوذ بك أن نطيب به نفسًا"(2).
وهو في هذا المسلك يتبع شيخه ابن تيمية رحمه الله، الذي قال: "وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، واعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذر والعتق والطلاق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك.
وقد بينت فيما كتبته أن المنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال قضاءً وقياسًا، وعليه يدل الكتاب والسنة، وعليه يدل القياس الجلي، وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص، وكذلك في مسائل غير هذه مثل: مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا
= بابن المديني، الشيخ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث، سمع أباه، وحماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وحدث عنه أحمد بن حنبل، وأبو يحيى صاعقة، والزعفراني، ولد سنة 261 هـ، وتوفي سنة 234 هـ. الطبقات الكبرى، لابن سعد، (7/ 308)، سير أعلام النبلاء، للذهبي، (11/ 41).
(1)
إعلام الموقعين، لابن القيم، (4/ 118 - 119) بتصرف.
(2)
المرجع السابق، (4/ 145).
وكان القياس معه" (1).
وقد تقرر أن للمجتهد غير المستقل أن ينتقل عن مذهبه إلى غيره إذا لحق الناس بسببه عنت وشدة، أو كان مأخذه ضعيفًا ودليله غير ناهض.
ولقد خالف أبا حنيفة رحمه الله صاحباه وتلاميذُه النجباء، ورأينا هذا في بقية تلاميذ الأئمة الثلاثة.
وفي حق السائل قال النووي رحمه الله: "الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم المقلد التمذهب، بل يستفتي من شاء أو من اتفق"(2)، وقال ابن حجر رحمه الله:"وظاهره جواز الانتقال وجواز تقليد إمام في مسألة، وآخر في أخرى وهكذا من غير التزام مذهب معين، أفتى به العز ابن عبد السلام"(3).
وقد مال التقنين في بلاد كثيرة إلى الأخذ بمذاهب غير الأئمة الأربعة، كاعتبار أغلب الدول بترجيح اعتبار الطلاق الثلاث دفعة في مجلس واحد طلقة واحدة.
إننا قد نرى بعض المذاهب تشدد في مسألة، على حين يخفف فيها مذهب آخر أو مذاهب أخرى، وبعضها يضيق في قضية غاية التضييق، وغيره يوسع فيها غاية التوسعة، وهذا يعطينا فرصة للموازنة والترجيح، واختيار ما هو أهدى سبيلًا، وأرجح دليلًا، ومن هذه الأدلة المعتبرة: أن يكون الرأي أو المذهب أدنى إلى تحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، فما قامت الشريعة إلا لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد (4).
ولذا لا يصح الإنكار على المجلس الأوروبي للإفتاء في فتياه بجواز ميراث المسلم
(1) مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (20/ 582 - 583).
(2)
روضة الطالبين، للنووي، (11/ 117).
(3)
الفتاوي الفقهية، لابن حجر الهيتمي، (4/ 305) باختصار.
(4)
في فقه الأقليات، د. يوسف القرضاوي، (ص 57).
من غير المسلم، مع موافقة ذلك لرأي معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، ومحمد بن الحسن، وسعيد بن المسيب، ومسروق (1) ويحيى بن نعيم (2)، وإسحاق بن راهويه وابن تيمية وابن القيم، وإن كان مخالفًا لما استقرَّ في مذاهب الأئمة الأربعة (3).
ومن التطبيقات المتعلقة بهذه القاعدة في مجتمع الأقليات المسلمة وفقهها أهمية دور وأعمال المجامع الفقهية المعاصرة وهيئات الفُتْيَا العامة، ولا شك أن هذا من حسنات هذه الأمة المحمدية المرحومة في هذا الزمان؛ فإن هذه الفتاوي تشبه إلى حد بعيد ما كان يقع في الصدر الأول حين تنزل نازلة فيجمع لها الصِّدِّيق رءوس الناس وخيارهم فيستشيرهم ويأخذ برأيهم إذا اجتمع، وكذا كان الفاروق يفعل (4)، وهذا ما يمكن تسميته بالإفتاء الجماعي، أو الاجتهاد الجماعي.
وكثيرًا ما تصدر الفتوى بالأغلبية داخل هذه المواقع، وهذا يدل بدوره أيضًا على أنها لا تمثل في أقصى تقدير إلا موقف الجمهور من النوازل المعاصرة.
وقد قال الشاعر:
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَاسَرَاةَ لَهُمْ
…
وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
وما من شك في أهمية هذه المجامع لا سيما في الاجتهاد في حكم تلك المسائل التي يتغير الحكم فيها تبعًا للمصلحة، كما فعل عمر رضي الله عنه بإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم من
(1) أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مر بن سلمان بن معمر، الإمام، القدوة، العلم، حدث عن أبي بن كعب، وعمر، وحدث عنه الشعبي، وإبراهيم النخعي، ويحيى بن وثاب، توفي سنة 63 هـ. الطبقات الكبرى، لابن سعد، (6/ 76)، سير أعلام النبلاء، للذهبي، (4/ 63).
(2)
يحيى بن نعيم، من أصحاب الإمام أحمد وروى عنه أشياء. طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى، (2/ 541)، المقصد الأرشد، لابن مفلح، (3/ 111).
(3)
الضوابط المنهجية لفقه الأقليات المسلمة، د. صلاح سلطان، (ص 39).
(4)
إعلام الموقعين، لابن القيم، (1/ 62).
الزكاة؛ لعدم توافر سببه، فلو عاد دور المؤلفة قلوبهم في إعزاز الدين فإنه ينبغي أن يعود لهم سهمهم، غير أن الأحكام التي تتغير لتغير مصلحتها لا يجوز أن يقوم بالنظر والاجتهاد فيها إلا من بلغ درجة الاجتهاد. . . وضمانة لعدم استغلال هذه القاعدة في تعطيل شرع الله بذريعة تغير المصلحة، يجب أن يكون الاجتهاد في هذا النوع من الأحكام اجتهاداً جماعيًّا؛ لكونه أكثر ضمانة في التحري عن المصلحة وتغيرها، وأكثر دقة في الابتعاد عن الهوى، وأكثر إصابة للحق وعدم الأخذ بمجرد توهم التغير، بينما في الاجتهاد الفردي قد يستغله من يريد تعطيل شرع الله، أو من يسيطر عليه هواه في التخلص والتمرد على أحكام الشريعة بذريعة تغيرها لتغير المصلحة التي جاءت لعلاجها (1).
كذا يطلب الاجتهاد الجماعي فيما يتغير الحكم فيه لتغير حال محكومه زمانًا أو مكانًا.
فالأحكام الشرعية جاءت لمعالجة أوضاع الأمة بما يحقق مصالحها الدنيوية والأخروية، وهذه الأحكام تنزل على محلاتها طالما توفر في ذلك المحل أركانه وشرائطه وأسبابه؛ فإن تغير شيء منها نتيجة تغيرات زمنية أو مكانية، توقف إجراء ذلك الحكم لتغير محله، فإذا ما عاد لذلك المحل كامل صفاته الموجبة لإنزال الحكم عاد الحكم وأنزل على محله (2).
والتغير هنا ليس تغيرًا في الحكم، وإنما هو تغير في مناط الحكم، ومثل هذا لا يعد تغييرًا ولا تبديلًا إذا ما روعي في كل حادثة الظروف والملابسات التي لها صلة بالحكم، فإذا تغيرت الظروف والملابسات المحيطة بالواقعة تغيرت بذلك المسألة وتبدل وجهها، وكانت مسألة أخرى اقتضت حكمًا آخر لها (3).
وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قطع الأيدي في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو
(1) الاجتهاد الجماعي، د. عبد المجيد محمد السوسوه، (ص 117 - 118).
(2)
المرجع السابق، (ص 119).
(3)
شريعة الاسلام، د. يوسف القرضاوي، (ص 133).