الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول تعريف فقه النوازل
المطلب الأول: تعريف مفرداته ولقبه العلمي والألفاظ ذات الصلة:
الفرع الأول: تعريف الفقه لغة واصطلاحًا:
الفقه لغةً:
هو مصدر فَقِهَ أو فَقَهَ أو فَقُهَ، ومادته أصل واحد صحيح يدل على إدراك الشيء والعلم به، وكل علم بشيء فهو فقه، وقد جاء لفظ الفقه بمعنى العلم في قوله تعالى:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، أي: ليكونوا علماء به (1).
والفقه: الفهم، فيقال: فَقِه بكسر القاف إذا فهم، وبفتحها إذا سبق غيره للفهم، وبضمها إذا صار الفقه له سجيَّة (2).
وقد ذهب طائفة من الأصوليين (3) مع عامة اللغويين إلى أن الفقه: الفهم مطلقًا؛ لأن
(1) لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور، تحقيق: أمين عبد الوهاب، ومحمد العبيدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3، 1419 هـ - 1999 م، (10/ 305).
(2)
معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1399 هـ - 1979 م، (4/ 442)، لسان العرب، لابن منظور (10/ 305 - 306)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأحمد محمد الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت، (2/ 479).
(3)
الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين علي بن محمد الآمدي، تحقيق: د. سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1404 هـ (1/ 22)، روضة الناظر وجنة المناظر، لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق: =
العلم إنما يكون عن الفهم، وقد جاء "الفقه" بمعنى الفهم كما جاء بمعنى العلم في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فمما ورد الفقه فيه بمعنى الفهم قوله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، أي: يفهمونه، وقال تعالى:{لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف: 93]، وقال تعالى:{وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27 - 28]، كما سبق مجيء "الفقه" بمعنى العلم في قوله تعالى:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
وفي الحديث: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"(1). قال ابن حجر رحمه الله (2): يفقهه، أي: يفهمه (3).
= د. عبد العزيز عبد الرحمن، نشر جامعة الملك عبد العزيز، الرياض، ط 4، 1408 هـ - 1987 م، (ص 7)، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: أبي حفص سامي ابن العربي، دار الفضيلة، الرياض، ط 1، 1421 هـ - 2000 م، (1/ 58).
(1)
أخرجه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة - مصر، ط 1، 1400 هـ كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، (71)، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري في كتابه "الجامع الصحيح"، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب الزكاة، باب: النهي عن المسألة، (1037)، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
(2)
أبو الفضل، شهاب الدين، أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، أمير المؤمنين في علم الحديث، حافظ عصره، وفريد دهره، رئيس الجرح والتعديل في زمانه، صاحب المصنفات الكثيرة النافعة ومنها: تهذيب التهذيب، والتقريب، وتغليق التعليق، وإتحاف المهرة بأطراف العشرة، وفتح الباري، ولد سنة 773 هـ، وتوفي سنة 852 هـ. حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار إحياء التراث العربي، عيسى الحلبي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، ط 1، 1387 هـ، (1/ 363)، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار الجيل، ط 1، 1412 هـ، (2/ 36).
(3)
فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ، (1/ 164).
وذهب طائفة من الأصوليين منهم: الفخر الرازي (1)، وأبو الحسين البصري (2)، إلى أن الفقه هو فهم غرض المتكلم من كلامه (3).
وذهبت طائفة أخرى منهم: أبو إسحاق الشيرازي (4) إلى أنه: فهم الأشياء الدقيقة، سواء أكانت غرض المتكلم أم لا (5).
والراجح أنه الفهم مطلقًا؛ لأن قوله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، يدل على أن فهمهم أي حديث ولو كان واضحًا يسمى فقهًا، وقول شعيب عليه السلام كان واضحًا، ومع هذا قالوا:{مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود: 91]، وأما قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، فهي ظاهرة في
(1) فخر الدين، محمد بن عمر بن الحسين القرشي، الأصولي المفسر، ولد سنة 544 هـ، اشتغل على أبيه الإمام ضياء الدين خطيب الري، وانتشرت تواليفه في البلاد شرقًا وغربًا، منها: مفاتيح الغيب، ومعالم أصول الدين، مات سنة 606 هـ.
سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2، (1402 هـ - 1982 م)، (21/ 500)، طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين ابن علي بن عبد الكافي السبكي، دار هجر، ط 2، 1413 هـ، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو، (8/ 80).
(2)
أبو الحسين البصري، محمد بن علي بن الطيب، شيخ المعتزلة وصاحب التصانيف الكلامية، ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي بها سنة 436 هـ وقد شاخ، له تصانيف كثيرة منها: المعتمد في أصول الفقه، وغرر الأدلة، وشرح الأصول الخمسة. سير أعلام النبلاء، للذهبي، (17/ 587)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لشهاب الدين عبد الحي بن أحمد بن العماد، العكري، دار ابن كثير، ط 1، 1406 هـ، (3/ 258).
(3)
المحصول في علم الأصول، لأبي عبد الله محمد بن عمر، فخر الدين الرازي، تحقيق: د. طه جابر فياض العلواني، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط 1، 1400 هـ، (1/ 92)، المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، تحقيق: مجموعة من الباحثين، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، 1384 هـ - 1964، (1/ 8).
(4)
أبو إسحاق، جمال الإسلام، إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، من كبار الأصوليين، ولد بفيروز آباد سنة 393 هـ وقيل غير ذلك، من تصانيفه التنبيه، واللمع وشرحها، والتبصرة، والمهذب، توفي سنة 476 هـ. سير أعلام النبلاء، للذهبي، (18/ 453)، طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي، (4/ 215).
(5)
شرح اللمع، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، تحقيق: عبد المجيد التركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1408 هـ - 1988 م، (1/ 157).
تسمية فهم ما ليس غرضًا للمتكلم فقهًا، فالفقه في الآيات الثلاث معناه: مطلق الفهم، بقرينة مقام الذم في الآية الأولى.
والفهم: إدراك معنى الكلام لجودة الذهن من جهة تهيئه لاقتباس ما يرد عليه من المطالب (1).
الفقه اصطلاحًا:
كان الفقه في الصدر الأول من الصحابة والتابعين يطلق ويراد به ما هو أعم من الأحكام العملية أو الاعتقادية، دون تفريق بينهما؛ ولذا عرَّفه الإمام أبو حنيفة رحمه الله (2) بأنه:"معرفة النفس ما لها وما عليها"(3)، ثم تميز الفقه بمعنى اصطلاحي جديد بعد الصدر الأول، حيث اختص علم الفقه باستنباط الأحكام العملية من الأدلة التفصيلية، وعرَّف الإمام الشافعي رحمه الله (4) وأصحابه الفقه بتعريف اشتهر وذاع، وهو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (5)، وموضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين من حيث الحكم عليها، سواء أكانت الأحكام قطعية أم ظنية (6).
(1) شرح الكوكب المنير، لمحمد بن النجار الفتوحي الحنبلي، تحقيق: د. محمد الزحيلي، ود. نزيه حماد، مكتبة العبيكان، الرياض، ط 2، 1418 هـ -1997 م، (1/ 40).
(2)
الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي، أحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، ولد في حياة صغار الصحابة سنة 80 هـ، ورأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة، وإليه كان المنتهى في الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه. توفي سنة 150 هـ رحمه الله. طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان، ط 1، 1990 م، (ص 86)، سير أعلام النبلاء، للذهبي، (11/ 474).
(3)
المنثور في القواعد الفقهية، لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، تحقيق: د. تيسير فائق أحمد محمود، طبعة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، ط 2، 1405 هـ، (1/ 68).
(4)
أبو عبد الله، الشافعي، محمد بن إدريس بن شافع، القرشي المطلبي المكي، صاحب المذهب الفقهي المتبع، الإمام العلم حبر الأمة، من مصنفاته: كتاب الأم، والرسالة، ولد سنة 150 هـ، وتوفي أول شعبان سنة 204 هـ بمصر. طبقات الفقهاء، للشيرازي، (ص 71)، سير أعلام النبلاء، للذهبي، (10/ 5).
(5)
نهاية السول شرح منهاج الأصول، لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي، مصورة عالم الكتب عن جمعية نشر الكتب العربية، القاهرة، 1343 هـ (1/ 22)، شرح جمع الجوامع، لجلال الدين محمد بن أحمد المحلي، ومعه حاشية العطار، دار الكتب العلمية، بيروت، (1/ 57 - 59).
(6)
مفهوم الفقه الإسلامي، لنظام الدين عبد الحميد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1404 هـ -1984 م، (ص 13 - 15).
وللأصوليين تعريفات كثيرة متقاربة في معناها، ومن ذلك: ما ذكره الزركشي (1) في قواعده بقوله هو: "معرفة أحكام الحوادث نصًّا واستنباطًا"(2).
وقد يطلق الفقه اصطلاحًا على ثلاثة معانٍ مرتبطة ببعضها:
المعنى الأول: الفقه بمعنى: أهلية الاجتهاد والنظر في النصوص الشرعية، والقدرة على استخراج الأحكام منها، وهذا ما يعرف باسم الملكة الفقهية (3).
المعنى الثاني: معرفة الأحكام الشرعية العملية مع أدلتها (4).
المعنى الثالث: مجموعة الأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين، بغض النظر عن سبيل إدراكها اجتهادًا كان أو تقليدًا (5).
والفقه بهذا الاعتبار يطلق عليه اسم الفروع، إما في مقابلة علم العقائد وأصول الدين؛ لأن التصديق بالأحكام الشرعية العملية تابع للتصديق بالأحكام الاعتقادية، وإما في مقابلة علم أصول الفقه لتفرع أحكامه عن أحكام هذا العلم وبناء مسائله عليه (6).
والفقيه هو من عرف جملة غالبة من الأحكام الشرعية، أو من له أهلية تامة يعرف الحكم بها إذا شاء، مع معرفته جملًا كثيرة من الأحكام الفرعية، وحضورها عنده بأدلتها الخاصة والعامة (7).
(1) أبو عبد الله، محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي، الإمام العلامة الفقيه الأصولي، التركي الأصل، المصري مولدًا ووفاة، له تصانيف كثيرة منها: لقطة العجلان، والبحر المحيط، والمنثور، والديباج على المنهاج، ولد سنة 745 هـ، وتوفي سنة 794 هـ طبقات الشافعية، لأبي بكر بن محمد بن أحمد بن عمر ابن قاضي شهبة، طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، ط 1، 1399، (3/ 227)، شذرات الذهب، لابن العماد، (6/ 334).
(2)
المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي، (1/ 69).
(3)
حاشية العطار على جمع الجوامع، (2/ 420).
(4)
المدخل الفقهي العام، للشيخ مصطفى أحمد الزرقا، دار القلم، دمشق، ط 1، 1418 هـ - 1998 م، (1/ 65).
(5)
نفس المصدر (1/ 66).
(6)
الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، طبعت تباعًا في مطابع عدة، على سنوات متفرقة، (1/ 12).
(7)
شرح الكوكب المنير، لابن النجار الحنبلي (1/ 42)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لأحمد بن حمدان الحنبلي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 3، 1397 هـ (ص 14).