الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-رضي الله عنه: "خذي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروف"(1).
وقوله صلى الله عليه وسلم -في حجة الوداع عن نفقة الزوجات-: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"(2).
وجه الدلالة:
ظاهر من الحديثين اعتبار العرف في التشريع فيما جاء من الأحكام مطلقًا ولم يُفَصَّلْ.
وقال النووي رحمه الله ضمن فوائد الحديث: "اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي"(3).
والسنة التقريرية تؤكد القولية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ أمورًا كثيرة من أعراف الجاهلية التي لا تُعارِضُ الشرع المطهر؛ بل وشارك فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم.
فأقرَّ عقودًا كثيرة كانوا يتعاملون بها؛ كالبيع، والإيجار، والسَّلَم، والمضاربة، وأبطل ما كان محرمًا في الشرع، وأقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (4).
كما أقرَّ على أمور كثيرة من المباحات، وأقرَّ نكاحًا وأبطل نكاحًا، إلى آخر ما يعرف في هذا الشأن من السنة التقريرية.
ثالثًا: الإجماع:
قال القرافي رحمه الله "وأما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها"(5).
(1) أخرجه: البخاري، كتاب النفقات، باب: إذا لم ينفق الرجل. . .، (5364)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب: قضية هند، (1714) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
أخرجه: مسلم، كتاب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، (1218) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم، (12/ 8).
(4)
أخرجه: مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: القسامة، (1670)، من حديث أبي سلمة ابن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرَّ القسامة. . . فذكره.
(5)
شرح تنقيح الفصول، للقرافي، (ص 353).
وقد استند القرافي في مشروعيته إلى إجماع لا يستند إلى نصٍّ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وإنما إلى ما جرى به العرف في زمنه صلى الله عليه وسلم، وبين الصحابة من العمل بالقِرَاض أو المضاربة، وهذا الإجماع السكوتي المستَنِدُ إلى العرف الجاري أو السنة التقريرية حجة عند الأكثر.
وقد قال الشوكاني رحمه الله: "وهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير؛ فكان ذلك إجماعًا منهم على الجواز"(1).
وقال ابن حزم رحمه الله: "كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في القرآن والسنة نعلمه -ولله الحمد- حاشا القِراض؛ فما وجدنا له أصلًا فيهما ألبتة؛ ولكنه إجماع صحيح مجرد"(2).
وقد استدل بعض العلماء على حجية العرف بالأدلة العامة القاطعة النافية للحرج؛ فقد قال الشيخ محمد مصطفى المراغي في سياق حجية العرف: "وأرى أن العمل به عملٌ بالأدلة الشرعية، وعملٌ بما يستفاد من مدارك التشريع في مواطنَ كثيرةٍ، وإن شئت فقل: إنه الكتاب؛ ففي الكتاب الكريم: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وهذان النصان يجب أن تبقى سيطرتهما تامة على جميع التشريع الإسلامي، فإذا وجدنا أن العمل بالنصوص الخاصة يوقع في الحرج لحدوث ضرورة ما، أو لحدوث عرف عام يوجب تركه الحرج- وجب أن تقف النصوص الخاصة عن عملها في تلك المواطن، وأن يُعْمَلَ بالنص العام القاطع الموجب لنفي الحرج.
من ذلك نعلم أن العرف ليس دليلًا، وأنه لم يُعْمَلْ به لاعتباره دليلًا، وإنما يُعْمَلُ به امتثالًا للدليل العام القاطع الموجب لنفي الحرج (3).
(1) نيل الأوطار، للشوكاني، (5/ 318 - 319).
(2)
مراتب الإجماع، لابن حزم، عناية: حسن إسبر، دار ابن حزم، ط 1، 1998 م، (ص 162).
(3)
الاجتهاد في الإسلام، لمحمد مصطفى المراغي، دار الاجتهاد، القاهرة، 1379 هـ - 1919 م، (ص 51).