الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اعتباره إلى سهولة ويسر، فكان أصلًا لعقود منصوصة حادت عن قياس، أو خرجت عن قاعدة كلية، أو أدى إليها اجتهاد مجتهد استصلاحًا أو استحسانًا.
والحاجة في معناها الفقهي: تلحق بالضرورة في معناها الفقهي في إباحة منهي ضعف دليله، وتدنت مرتبته في سُلَّمِ المنهيات (1).
ويُمَثَّلُ للحاجة في المعنى الأصولي: ببيع العرايا والسَّلَمِ، والجمع بين المغرب والعشاء للمطر، وجمع المسافر، وصلاة الخوف، وتضمين الأجير المشترك، وجواز تلاوة الحائض للقرآن إذا خشيت النسيان (2).
ويُمَثَّلُ للحاجة في المعنى الفقهي: بصحة بيع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط قطعه، فهذه حاجة فقهية، والأصل عدم الجواز قبل بدو الصلاح، فلما احتيج وشرط القطع جاز، وهذا بخلاف السَّلَمِ فإنه جائز مطلقًا ولكل أحد، أما بيع الثمر قبل بدو الصلاح فأمر خاص بمن احتاج إليه، وهو توسع في معنى الضرورة الفقهية (3).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
جمهور الفقهاء يرون أن يهجر المسلم دار الكفر، وألَّا يقيم إقامة دائمة إلا بين المسلمين الذين يتحاكمون إلى الإِسلام ويحكمون به؛ وذلك لأن الإقامة بغير دار المسلمين تنشأ عنها نوازل متعددة، منها: ما يمس المعاملات، ومنها: ما يمس المناكحات، ومنها: ما يمس الولايات، وهكذا الأمر حين يغيب سلطان الشريعة عن البلاد والعباد.
(1) صناعة الفتوى، لابن بيه، (ص 228).
(2)
الموافقات، للشاطبي، (4/ 206 - 207).
(3)
صناعة الفتوى، لابن بيه، (ص 214 - 215).
وإذا كان من الفقهاء من أباح الإقامة بدار كفر إذا قدر المسلم على إظهار دينه (1)، مستدلين ببقاء النجاشي المسلم في قومه (2)، وبأدلة أخرى سوف تأتي في موضعها بمشيئة الله، إلَّا أن هذا الخلاف إنما يتأتى إذا كان قادرًا على إظهار دينه وممارسة عبادته، أمَّا إذا كان مدعوًّا للانسلاخ من دينه بالكلية والفتنة في عقيدته، والصد عن عبادته، فتحرم عندئذٍ الإقامة، وتجب الهجرة إلى مكان خير من مكانه.
ويتأكد طلب الخروج من ديار الكفار إذا كان المسلم المقيم لا يستطيع تربية أبنائه تربية إسلامية، أو كان بيته مهددًا بالتحلل الخلقي، ووجد سبيلًا إلى الإقامة في بلد إسلامي فيه بقية من أخلاقه؛ فالعبرة في الموازنة بين البلدان من حيث الصلاح والفساد (3).
وقد توجد حاجات شديدة تدعو إلى الإقامة في بلاد القوم، لمن لم يجد سبيلًا إلى الإقامة في بلد إسلامي فيه بقية من أخلاق أو أمان بالنسبة له.
أو تلجئ حاجة طبية أو غيرها إلى إقامة ولو مؤقتة، فتباح عندئذٍ الإقامة، وربما جازت الجنسية في أحوال معينة أخرى، بناءً على تنزيل الحاجة الشديدة والمشقة الكبيرة منزله الضرورة.
ولتحقيق هذا القدر من إقامة الدين والأمن على الأنفس والأموال في غير بلاد المسلمين تمس حاجة إلى مشاركة سياسية، وأخرى اجتماعية، وثالثة اقتصادية.
ومن أجل رفع تلك المشقات، وتلبية تلك الاحتياجات وُجِدَ من يبيح تلك المشاركات السياسية بضوابط شرعية وواقعية (4).
(1) فتح الباري، لابن حجر، (7/ 229 - 230)، الفتاوي الحديثية، لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي، دار الفكر، (ص 204).
(2)
أخرجه: البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب: موت النجاشي (3877) من حديث جابر رضي الله عنه.
(3)
صناعة الفتوى وفقه الأقليات، لابن بيه، (ص 284).
(4)
ينظر: قرار المجلس الأوروبي للإفتاء رقم (5/ 16) بتاريخ 1427 هـ - 2006 م.
كما وُجِدَ من يتعامل مع مبدأ المواطنة؛ ليقرر أن الولاء للوطن ليس منافيًا للولاء للدين في حدود الضوابط الشرعية الممكنة (1).
كما وُجدت فتاوي تعطي المراكز الإسلامية في غير بلاد المسلمين ولاية شرعية جزئية في قضايا الأقليات، بناءً على القول بقيام جماعة المسلمين مقام القاضي، وهي قاعدة معروفة عند المالكية (2).
وهي تقابل نظرية ولاية أهل الحل والعقد عند علماء السياسة الشرعية.
كما أبيحت أنواع من الأعمال في قطاعات متعددة؛ كالقطاع التجاري الخاص، أو القطاعات الرسمية الحكومية، وذلك كله بالنظر إلى قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة، ورعاية هذه المشقات الكبيرة التي يتعرض لها أهلُ الإسلامِ المقيمون في غير بلاده.
(1) صناعة الفتوى وفقه الأقليات، لابن بيه، (ص 306).
(2)
مواهب الجليل، للحطاب، (5/ 495)، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء، العدد 10 - 11، الجزء الثاني، (ص 305).