الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحْرَص وثنّوا بتنبيهه بحَرْف النداء وتعظيمه بصفته العُظمَي، وفي الثّانية بدَؤوا بتعظيمه والتضرّع إليه وثنّوا بمَقصودهم ومُعظم حَاجتهم، [ولعَلّ](1) ذلك [أنْ](2) يكُون من الأسباب المليّنة له في إجابتهم. واللَّه أعلم.
فقوله: "والمقَصِّرين" معْطُوفٌ على "المحَلّقين"، وإن فَصَل بين الكَلامَين كَلامهم وسُؤَالهم.
الحدِيث الثَّامِن:
[244]
: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ. [قَالَ] (3):"أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ:"اخْرُجُوا"(4).
وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "انْفِرِي"(5).
قال الشيخُ تقيّ الدِّين: ["عَقْرَى"](6) مفتُوحُ "العَين" سَاكنُ "القاف"، و"حَلْقى" مفتوح "الحاء" سَاكن "اللام".
وآخِر اللفظَين بـ "ألِف" التأنيث المقصُورة مِن غَير تنوين.
(1) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(2)
غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(3)
بالنسخ: "فقال". والمثبت من العُمدة، وعليه الشرح.
(4)
رواه البخاري (1733)(1757) في الحج، ومسلم (1211)(368) في الحج.
(5)
رواه البخاري (1771) في الحج.
(6)
بالنسخ: "عَقْرى حَلْقى". والمثبت من "إحكام الأحكام".
وقَالَ بعضُهم: "عَقْرَىً حَلْقَىً" بالتنوين؛ لأنه أشْعَر أنّ الموضِع مَوضِعُ دُعَاء، فأجراه مجرى كلام العَرَب في الدُّعَاء بالفَاظ المصَادر، فإنها مُنَوّنة، كقَولهم:"سَقْيًا" و"رَعْيًا" و"جَدْعًا" و"كيًّا".
وقيل: "عَقْرَى" بمَعنى "عَقَرَهَا اللَّه".
وقيل: أرَاد "عَقَرَ قَومَها".
وقيل: "جَعَلها عَاقرًا لا تَلِد".
وأمّا "حَلْقَى": فإمّا بمعنى "حَلَق شَعْرها"، أو بمعنى "أصابها وَجَع في حَلْقها"، أو بمَعنى "تحْلِقُ قَومَها بشُؤمِهَا".
وقيل: هَذا من الكَلام الذي كثر على ألسِنة العَرَب، حَتَّى لا يُرَاد به أصْل مَا وُضِع له، كقولهم:"تَرِبَت يَدَاك"، و"قَاتَلُه اللَّه"، و"أفْلَحَ وأبيه"، وغير ذلك من الألفاظ. (1)
قوله: "حَجَجْنَا مَع النبي صلى الله عليه وسلم فأفَضْنا": المعنى: "شَرَعْنا في أفعَال الحَجّ، فأفَضْنا"، فالفِعْل في الحقيقة على المقَدّر. و"يَوم" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه:"أفَضْنا". والضّميرُ في "أفَضْنا" ضَمير الفَاعِل، وهُو كِنَاية عَن "عَائشة وأزْوَاجه"؛ لأنّ النّاس كُلّهم لم يُفيضوا في ذلك اليوم.
وفيه: أنّ أزواجه إفاضتهن لم يكُن للنبي عِلْم بمَن تأخّر مِنْهُن عَن الإفَاضَة، حَتَّى قالت له عَائِشَة:"إنها أفاضَت".
وعليه مِن الإشْكَال: أنّه إِذَا شَكّ في إفاضة صَفية، كيف طَلبها لحاجَته قبل إفاضَتها؟ إلا أنْ يحمَل أنّه عَلم بإفاضَتهن من حيث الجُمْلَة، فلَمَّا أخبر بحيضتها خَشِي أن تكُون تأخّرَت عَنهُن بسبب حيضتها فلم تُفِض؛ فقَالَ ذَلك، فأخبرته أنّ
(1) انظر: إحكام الأحكام (2/ 96).
الحيضَة جَاءَت بعْد إفَاضَتها.
قوله: "فَأرَاد منها ما يُريد": "مَا" مَوصُولَة مفْعُولَة، والعَائِدُ عَليهَا ضَميرٌ منصُوب محذُوف، التقدير:"الذي يُريده الرّجُل". وتقَدّم أنّ ضَمير المفعُول يحذَف غَالبًا مَع "شَاء" و"أرَاد"(1). و"مِن أهْله" يتعلّق بـ "يريد".
قوله: "فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّه، إنّها حَائِض": الجملَة كُلّها معمُولة للقَول. وقَال: "حَائض"، ولم يقُل:"حَائِضَة"؛ لأنّها صِفَة لا يشركها فيها الذّكَر، كـ "طَامِث" و"مُرْضِع"(2).
قوله: " قَالَ: أحَابستنا هِي؟ ": "أحابستنا" مبتدأ معتَمد على "همزة" الاستفهام، ووَقَع هُنا صِفَة مُطَابقة لمفْرَد؛ فيجُوز فيها ما يَجوز في:"أقَائمٌ زَيدٌ؟ " من الرّفع على الابتداء، و"زَيدٌ" فَاعِل سَدّ مَسَد الخبر، أو الرّفْع على الخبر، و"زَيدٌ" مبتدأ. (3)
ونظيرُ هَذه المسألة: قولُه صلى الله عليه وسلم: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "(4). (5)
وَلَا يَجوز أن يكون "حابستنا" مبتدأ، و"هي" خبره؛ لأنّ "حابستنا" إضافته غير معرفة؛ لأنّ اسمَ الفَاعِل لا يتعرّف بالإضَافة إِذَا كان بمعنى الحال أو
(1) انظر: تفسير الزمخشري (1/ 87)، البحر المحيط (1/ 145).
(2)
انظر: الأصول في النحو لابن السّرّاج (3/ 84)، شرح الكافية الشافية (4/ 1737)، شرح المفصل (3/ 371 وما بعدها)، المقتضب (3/ 163)، البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث للأنباري (ص 85، 86)، لسان العرب (8/ 127).
(3)
انظر: البحر المحيط لأبي حيان (9/ 13)، مغني اللبيب لابن هشام (ص 723)، شرح الأشموني (1/ 182)، شرح الكافية الشافية (1/ 332)، شرح ابن عقيل (1/ 197، 198)، الهمع للسيوطي (1/ 363).
(4)
متفقٌ عليه: البخاري (3)، ومسلم (160/ 252)، من حديث عائشة.
(5)
انظر: شواهد التوضيح (ص 63 وما بعدها)، عقود الزبرجد (3/ 199 وما بعدها)، نتائج الفكر (ص 328)، الهمع (1/ 363).
الاستقبال (1)، والمعنى هُنا على الاستقبَال.
وإنَّما جاز أن يكُون مُبتدأ؛ لكونه اعتمَد على همزة الاستفهام.
وإنَّما منعناه من أن يكون خَبرًا عن ["هي"؛ لأنّه لا يَجوز أن يخبر عن](2) النّكرة بالمعرفة (3)؛ فلذلك قُلنا: يَجوز في "هِي" الوَجْهَان من الرفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الصّفة قد اعتَمَدت، أو الرّفع على الابتداء. وهَذان الوَجْهَان جائزان فيه، وفيما هو على المثال.
بخِلافِ قَولك: "أقَائمٌ الزّيْدَان؟ "، فإنّه لا يجوزُ في "أقائم" إلّا الرّفع على الابتداء، وفي "الزيدان" الرّفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الوَجْه الآخَر -وهو أن يكون "الزيدان" مُبتدأ، و"قَائِم" خبر مُقَدّم- مُتعَذّر؛ لأنّ المبتَدأ المثنّى لا يُخبر عنه بمُفْرَد؛ وإذا تعَذّرَت المطَابَقَة امتَنَع الابتدَاء في "الزّيدان". (4)
ويبقى هُنا [سُؤال](5)، وهو على "ابن الحاجب" في قَوله في كافيته:"أو الصِّفَة. . . رَافعَة لظَاهر"(6)، يعني: أنّ شرط الصّفة المعتَمدة على نفي أو استفهام أن
(1) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص 65)، عقود الزبرجد للسيوطي (3/ 201)، مغني اللبيب (ص 612، 613).
(2)
كتبت بالهامش، وبعدها:"صح أصل"، وهو دليل على أنّ النسخة قد قوبلت على الأصل. واللَّه أعلم.
(3)
انظر: البحر المحيط (3/ 268)، عقود الزبرجد (1/ 389)، مُغني اللبيب (ص 768)، شرح المفصّل (4/ 85)، شرح القطر (ص 124).
(4)
انظر: البحر المحيط (2/ 746)، (7/ 229)، عقود الزبرجد (3/ 202)، مغني اللبيب (ص 613)، شرح المفصل (1/ 241، 243)، اللمحة (1/ 298)، شرح ابن عقيل (1/ 189)، شرح الكافية الشافية (1/ 331، 332، 478)، شرح القطر (ص 44، 121)، الهمع للسيوطي (1/ 69، 395).
(5)
غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(6)
انظر: الكافية في علم النحو (ص 15).
تكون رِافعَة لاسم ظَاهر، لا رَافعة لاسم مُضمَر، وهذا هُنا اسمٌ مُضمَر، ويجوز فيه ما يَجوز في الاسم الظّاهر من جَواز [الوَجْهين](1) مع المطَابقة في رَفع المضمَر؟
قال النّيلي (2): الظّاهر أنّه أرَاد بـ "الظّاهر" المنفَصل؛ لأنّ الاتفاقَ على أنّ "أقائمٌ هُو؟ " جَائز على أنّ "هُو" مُرتفع بـ "قَائم". (3)
وقَالَ السّيد: الصّوابُ أنْ تقُول: "رافعة لغَير ضَمير مُستتر"؛ ليخرج منه مثل: "أقائمان الزيدان؟ "، ويدْخُل:"أقائم الزيدان؟ " و"أقائمٌ أنتم؟ ". (4)
ويُمكن أنْ يُجاب: بأنّ المرادَ بـ "الظاهر" الظّهور اللغوي، لا الاصطلاحي؛ وحينئذ لم يتوَجّه النقض بمثل:"أقائم أنتم؟ "؛ لأنّ "أنتم" ظَاهِرٌ في اللفظ.
قولُه: "قالوا: يا رَسُولَ اللَّه. . . أفَاضَت يَوم النّحر": هذا يدُلّ على أنّه كَان مع "عَائِشَة" غيرها من أزواجه. وذكر الضّمير، وكَان من حَقّه أنْ يُقَال فيه:"قُلن: يا رَسُولَ اللَّه"، لأنَّها أرَادَت ["الحبس"](5)، والمعنى:"فلا حَبْس بسَببها". وهذا يدُلّ على أنّه أمْر مَشْهور عندهم، مَعْلُوم من خَبره صلى الله عليه وسلم أنّ الحائضَ لا تطُوفُ بالبيت.
قوله: "قَالَ: اخرُجُوا": المعنى: "تجهّزوا للتوَجّه"، أو [تقول] (6):"اخرجوا [لتتجهوا] (7) "، أو يحمَل على ظَاهِره (8).
(1) بالنسخ: "الوجهان".
(2)
للنيلي شرح على الكافية، ويرجح أن يكون المنقول منه.
(3)
راجع: نتائج الفكر للسهيلي (ص 328).
(4)
راجع: شرح الكافية الشافية (1/ 331، 332)، شرح ابن عقيل (1/ 189، 198)، شرح الأشموني (1/ 182)، الهمع (1/ 361).
(5)
غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الجنس".
(6)
كذا بالنسخ.
(7)
بالأصل: "لنتجهو" أو "لنتجهر". وفي (ب): "لتتجهزوا".
(8)
راجع: عمدة القاري (10/ 70).