الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل الثالث:
كل دليل استدللنا به على جواز بيع الغائب، وعلى جواز بيع الكامن في الأرض، يصح أن يكون دليلًا هنا، بجامع أن كلًا منهما مستتر.
دليل من قال: لا يجوز البيع
.
الدليل الأول:
(ح-203) استدلوا بما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر
(1)
.
وجه كونه من الغرر:
أن الحب في سنبله مجهول القدر والصفة، والمقصود في البيع هو الحب دون السنبل، ورؤية السنبل وحده لا تحصل به المعرفة التامة في مقدار الحب، وهو شرط من شروط صحة البيع.
الراجح:
بعد عرض الأدلة أجد القول بالجواز هو القول الراجح، ونظر الشافعية نظر في مقابل النص؛ لأن النهي عن بيع الحب في سنبله يمتد إلى أن يبيض ويأمن العاهة، فإذا اشتد جاز بيعه، ولم يشترط الحديث غير ذلك، فاشتراط أن ينفصل عن السنبل زيادة على الحديث المرفوع، والله أعلم.
* * *
(1)
صحيح مسلم (1513).
المسألة السابعة
في بيع أسهم الشركات المساهمة
[ن - 15] يدخل في بيع ما لم يره العاقدان، البائع والمشتري بيع أسهم ما يسمى بالشركات المساهمة. فقد انتشر في عصرنا هذا النوع من الشركات، وجرى بين الناس تداول أسهمها بالبيع، والهبة ونحوهما، وإذا كان الراجح في توصيف السهم: أنه حصة شائعة في الشركة وموجوداتها، وأموال الشركة بعضها نقود، وبعضها ديون لها وعليها، وبعضها عروض مما لا يمكن ضبطه بالرؤية أو بالصفة بين المتبايعين، وإذا كان من شروط المبيع أن يكون معلومًا برؤية أو صفة، فالسؤال كيف يتحقق هذا الشرط في بيع تلك الأسهم؟
وللجواب على هذا الإشكال يقول سماحة مفتي الديار السعودية في عصره الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى:
«ورد إلينا استفتاء عن هذه الشركات المساهمة، كشركة الكهرباء والأسمنت، والغاز، ونحوها مما يشترك فيه المساهمون، ثم يرغب بعضهم بيع شيء من سهامهم بمثل قيمتها، أو أقل، أو أكثر، حسب نجاح تلك الشركة وضده، وذكر المستفتي أن الشركة عبارة عن رؤوس أموال، بعضها نقد، وبعضها ديون لها وعليها، وبعضها قيم ممتلكات وأدوات مما لا يمكن ضبطه بالرؤية ولا بالوصف، واستشكل السائل القول بجواز بيع تلك السهام؛ لأن المنصوص: اشتراط معرفة المتبايعين للمبيع
…
وذكر أن هذا مما عمت به البلوى، وهذا حاصل السؤال منه ومن غيره عن حكم هذه المسألة.
والجواب: الحمد لله، لا يخفى أن الشريعة الإسلامية كفيلة ببيان كل ما يحتاج الناس إليه في معاشهم، ومعادهم، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89] والكلام على هذا مبني على معرفة حكم عقد هذه الشركة، ومساهمة الناس فيها، ولا ريب في جواز ذلك، ولا نعلم أصلًا من أصول الشريعة يمنعه وينافيه، ولا أحد من العلماء نازع فيه.
إذا عرف هذا فإنه إذا كان للإنسان أسهم في أية شركة، وأراد بيع أسهمه منها، فلا مانع من بيعها بشرط معرفة الثمن، وأن يكون أصل ما فيه الاشتراك معلومًا، وأن تكون أسهمه منها معلومة أيضًا.
فإن قيل: إن فيها جهالة؛ لعدم معرفة أعيان ممتلكات الشركة، وصفاتها، فيقال: إن العلم في كل شيء بحسبه، فلا بد أن يطلع المشتري على ما يمكن الاطلاع عليه بلا حرج ولا مشقة، ولا بد أن يكون هناك معرفة عن حال الشركة ونجاحها وأرباحها، وهذا مما لا يتعذر علمه في الغالب؛ لأن الشركة تصدر في كل سنة نشرات توضح فيها بيان أرباحها وخسائرها، كما تبين ممتلكاتها من عقارات ومكائن وأرصدة كما هو معلوم من الواقع، فالمعرفة الكلية ممكنة ولابد، وتتبع الجزئيات في مثل هذا فيه حرج ومشقة، ومن القواعد المقررة أن المشقة تجلب التيسير، وقد صرح الفقهاء رحمهم الله باغتفار الجهالة في مسائل معروفة، في أبواب متفرقة، مثل جهالة أساس الحيطان وغير ذلك
…
»
(1)
.
ويقول الدكتور عمر المترك رحمه الله: «إنه وإن كان يحصل في الشركات نوع من الجهالة، إلا أن مثل هذه الجهالة تغتفر، حيث إنها لا تفضي إلى النزاع. والجهالة التي تؤثر في صحة العقد هي الجهالة التي تؤدي إلى عدم إمكان تنفيذ العقد، أو إلى نزاع فيه، كبيع شاة من قطيع تتفاوت آحاده دون تعيين، فإن البائع يرغب عادة في إعطاء المشتري أدناه، والمشتري يرغب في أن يأخذ منه أحسنه
(1)
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (7/ 42، 43) ..
وأغلاه، فيتنازعان، ويؤدي ذلك إلى عدم التنفيذ، أما الجهالة في مثل هذه المسألة فلا تؤدي إلى نزاع؛ لأن البيع والشراء يجري في جزء معين، وهو معلوم للبائع والمشتري.
ولأن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والقول بعدم جوازها يؤدي إلى ضرر كبير، والشارع لا يحرم ما يحتاج إليه الناس لأجل نوع يسير من الغرر، ولذا أباح بيع الثمار بعد بدء صلاحها مبقاة إلى الجذاذ، وإن كان بعض المبيع لم يخلق بعد، وأجاز بعض العلماء بيع المغيبات في الأرض كالجزر وما أشبهه، وبيع ما يكون قشره صونًا له كالعنب والرمان والموز في قشره قولًا واحدًا، فإذا رئي من المبيع ما يدل على ما لم ير جاز البيع باتفاق، فكذلك الشركات يستدل على نجاحها وفشلها بما ظهر منها واشتهرت به، وبيع الغرر نهي عنه؛ لأنه يفضي إلى أكل المال بالباطل، فإذا عارض ذلك ضرر أعظم من ذلك أبيح دفعًا لأعظم الفسادين باحتمال أدناهما، وهذه قاعدة مستقرة في الشريعة الإسلامية»
(1)
.
وسوف أتناول بشيء من التفصيل الخلاف الفقهي في جواز إنشاء شركات المساهمة، والخلاف في حكم تداولها في بحوث مستقلة إن شاء الله تعالى في الكلام على سوق المال، وأسوق حجج المانعين وأدلة المجيزين بشيء من التوسع، وإنما اقتضى التذكير هنا لهذه المسألة لعلاقة بيع الأسهم هنا في بيع ما لم يره العاقد، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، وأعاننا على فهمه ومعرفة الحق فيه.
* * *
(1)
الربا والمعاملات المصرفية (ص: 372). وانظر أحكام التعامل في الأسواق المالية المعاصرة للدكتور: مبارك بن سليمان آل سليمان (1/ 196).