الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأن يكون المتبايعان قد عرفا قدر حلابها حين التبايع، فهذه الشروط لاشك أنها تضبط إلى حد كبير جدًا مقدار المبيع وصفته، فينتفي عنه الغرر الكثير، ويبقى الغرر اليسير مما يغتفر مثله إن شاء الله تعالى.
وأما إن اشتراه كيلًا فلا يدخله غرر حينئذ من جهة المقدار، وإذا لم يوف اللبن بالقدر المطلوب، أو جاء على صفة غير مرغوبة انفسخ المبيع كالسلم تمامًا.
فلا أرى مع هذه الضوابط التي وضعها المالكية أي محذور شرعي من جواز بيع اللبن في الضرع، وليس في جوازه ظلم لأحد المتبايعين، وقدر المبيع يعرف بالعادة، وإنما المحذور، والظلم، أن يحصل لأحد المتعاوضين مال، والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل، وما يقال من أن اللبن وقت الحلب يختلط بلبن حادث، لم يقع عليه البيع، فيجاب عنه، بأن هذا المقدار يسير جدًا في وقت يسير جدًا، وهو وقت الحلب، والذي لا يستغرق دقائق معدودة، وقد طابت به نفس البائع، فيكون من الغرر اليسير الذي لا يؤثر في البيع، والله أعلم.
قال الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير «فهذه الضمانات - يعني شروط المالكية في جواز بيع اللبن في الضرع - كافية لتصحيح بيع اللبن في الضرع في الشاة الواحدة، وفي الغنم الكثير، وإن كان الغرر في بيع الغنم الكثير أبعد منه في بيع لبن الشاة الواحدة»
(1)
.
القول الرابع: رأي ابن تيمية وابن القيم
.
قال ابن القيم: «وأما بيع اللبن في الضرع .... يجب فيه التفصيل:
(1)
الغرر وأثره في العقود (ص: 254).
فإن باع الموجود المشاهد في الضرع، فهذا لا يجوز مفردًا، ويجوز تبعًا للحيوان؛ لأنه إذا بيع مفردًا تعذر تسليم المبيع بعينه؛ لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع، فإنه وإن كان مشاهدًا، كاللبن في الظرف، لكنه إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع، فاختلط المبيع بغيره على وجه لا يتميز، وإن صح الحديث الذي رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» فهذا إن شاء الله محمله.
وأما إن باعه آصعًا معلومة من اللبن، يأخذه من هذه الشاة، أو باعه لبنها أيامًا معلومة، فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لا يجوز
(1)
.
وأما إن باعه لبنًا مطلقًا موصوفًا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة، أو البقرة، فقال شيخنا: هذا جائز.
واحتج بما في المسند من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسلم في حائط بعينه، إلا أن يكون قد بدا صلاحه
(2)
.
ثم قال ابن القيم: «وأما إن أجره الشاة، أو البقرة، مدة معلومة، لأخذ لبنها في تلك المدة، فهذا لا يجوزه الجمهور، واختار شيخنا جوازه، وحكاه قولًا لبعض أهل العلم، وله فيها مصنف مفرد»
(3)
.
(1)
قلت: بيع الثمار قبل بدو صلاحها إذا اشترط قطعه في الحال جاز على الصحيح، وهذا مثله.
(2)
لم أقف عليه في المسند المطبوع بهذا اللفظ، وإنما روى أحمد (2/ 51) من طريق أبي إسحاق، سمعت رجلًا من أهل نجران، قال: سألت ابن عمر عن السلم في النخل، وفيه مرفوعًا:(نهى عن السلم في النخل حتى يبدو صلاحه). وهذا إسناد ضعيف لجهالة النجراني.
(3)
زاد المعاد (5/ 822) وما بعدها.
واستئجار الشاة للبنها سيأتي إن شاء الله بحثه في كتاب الإجارة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
وأرى أن أرجح الأقوال قول المالكية، والله أعلم.
* * *