الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
الأصل في الحوافز التجارية
[ن-25] الأصل في الحوافز التجارية الحل إذا روعي فيها الضوابط الشرعية وذلك بمراعاة ما يلي:
الأول: أن يكون ذلك عن رضا وطيب نفس من العاقدين، لقوله تعالى:{إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29].
الثاني: ألا توقع في الربا، وذلك بألا تكون المسألة من مسائل ما يعرف بمد عجوة ودرهم، فإن كانت من هذه المسائل وجب أن يراعى في ذلك شرط الجواز كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في كتاب الربا.
الثالث: أن تكون المعاملة خالية من القمار والمخاطرة، والغرر الفاحش، والخداع والتدليس.
الرابع: ألا يؤدي ذلك إلى التغرير بالمشترين كأن يرخص سلعة، ويزيد في أسعار السلع الأخرى عن سعر السوق.
الخامس: ألا يؤدي ذلك إلى الإضرار بالسوق وصغار المستثمرين.
السادس: أن تكون الحوافز مما أباح الله، فلا يضع حوافز تؤدي إلى الوقوع في الحرام، من ذلك صرف تذاكر للمراهقين والمراهقات للسفر إلى بلاد الكفار، أو توزيع أفلام ساقطة، أو مجلات خليعة، أو الدخول في الحفلات المختلطة، أو غيرها من المحرمات.
السابع: أن يكون التاجر ملتزمًا ببذل ما وعد؛ لأن هذه العدة جزء من المعاوضة لا يجوز الخروج منها، أو التحايل على إسقاطها، لأن التاجر عندما
وعد ببذل هذه الحوافز لا يبذلها هدية للمشتري أو إحسانًا عليه، وإنما كان الغاية منها والباعث عليها ترويج السلع، وإغراء الناس في الشراء، وهذا يلحقها بعقود المعاوضات لا عقود التبرعات؛ لأن التبرع والهبة إذا رتب على عمل خرج من كونه تبرعًا إلى كونه معاوضة.
قال ابن تيمية: «الواهب لا يهب إلا للأجر فتكون صدقة، أو لكرامة الموهوب له فتكون هدية، أو لمعنى آخر فيعتبر ذلك المعنى»
(1)
.
* * *
(1)
إقامة الدليل على إبطال التحليل (3/ 147).
المطلب الثالث
في حكم الحوافز إذا تضمنت إلحاق الضرر بصغار المستثمرين
[ن-26] بعض المحلات التجارية الكبرى ذات الفروع الكثيرة تستطيع أن تحصل على السلع بسعر أقل من سعر الجملة لقدرتها على الشراء بكميات كبيرة، ومن ثم بيعها بالتجزئة بأقل من سعر الجملة أيضًا بعد توزيعها على فروعها المنتشرة في المدن، وهذا التصرف لا يستطيع معه صغار المستثمرين الدخول في المنافسة؛ لأن ذلك يعني خسارتهم المؤكدة، وبعض التجار قد يكون محكومًا بسعر معين من قبل المنتج لا يستطيع البيع بأقل منه، فيعمد إلى وضع جوائز مع السلعة تكون محصلته أنه باع بأقل من سعر السوق، وبأقل من السعر المتفق عليه مع المنتج، والسؤال ما حكم هذه الحوافز في هذه الحالة؟
وللجواب على ذلك أن يقال: البيع بمثل هذه الحوافز إما أن يقلل أرباح بقية التجار أو يتسبب بالخسارة لهم.
فإن كان البيع بمثل هذه الحوافز يعني التقليل من أرباح التجار، ولو باعوا بمثل ما باع به هذا التاجر لم يلحق التجار خسارة في تجارتهم؛ فإن هذا التصرف جائز؛ لأن التعدي كان من التجار أنفسهم بسبب طمعهم وجشعهم ورفعهم الأرباح فوق المقدار المطلوب.
ولأن أسعار السلع حق لأربابها فلا يحجر عليهم فيها ما دام أن هذا التصرف لا يلحق الضرر بالآخرين.
وقد أجاز الفقهاء بيع الوضيعة، وهو بيع السلعة بنقيصة عن الثمن الأول.
ويعتبر هذا التاجر محسنًا في تصرفه هذا؛ لأن هذا التصرف يؤدي إلى مصلحتين:
الأولى: انتفاع الناس بالحصول على السلع في سعر أقل.
الثانية: الحد من طمع التاجر في سعيهم إلى رفع أسعار السلع على الناس.
وهاتان المصلحتان مقصودتان للشارع.
وإن كان البيع بمثل هذه الحوافز يعني أن هذا التاجر يبيع بسعر لا يمكن لبقية التجار أن يبيعوا بمثله، ولو باعوا بمثله لخسروا، فإن هذا الفعل لا يجوز، ويجب على وزارة التجارة أن تتدخل لوضع حد لمثل هذا السلوك، فإن حرية الإرادة ليست مطلقة، فحرية الإنسان يجب ألا تسبب في إلحاق الضرر بالسوق، ولا في كساد تجارة صغار المستثمرين، والتسابق في التنافس في جذب المستهلك والاستئثار به يجب أن يكون متوازنًا بين مصلحة المستهلك ومصلحة التاجر.
قال ابن القيم «أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين
(1)
،
وهما الرجلان يقصد
(1)
حديث النهي عن طعام المتباريين، روي عن ابن عباس من أكثر من طريق، والصواب فيه الإرسال، وممن رجح رواية الإرسال أبو داود، وابن عدي، والذهبي.
وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا بإسناد صحيح.
أما حديث ابن عباس الموصول فروي من أكثر من طريق، إليك بيانها:
الطريق الأول: عن الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس.
رواه جرير بن حازم، واختلف عليه في وصله وإرساله.
فقد رواه أبو داود (3754) من طريق زيد بن أبي الزرقاء، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت، قال: سمعت عكرمة يقول:
كان ابن عباس يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين. ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في السنن (7/ 274).
قال ابن مفلح كما في الفروع (3/ 410)، وفي الآداب الشرعية (1/ 312):«إسناده جيد» . =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ورواه ابن عدي في الكامل (2/ 77) والبيهقي في شعب الإيمان (6067) من طريق بقية، حدثني عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم به.
قال ابن عدي: هذا الحديث الأصل فيه مرسل، وما أقل من أوصله. وممن أوصله بقية، عن ابن مبارك، عن جرير بن حازم.
وقال الذهبي في سير إعلام النبلاء (16/ 55): «الصواب مرسل» ، وكذا قال في ميزان الاعتدال (1/ 334).
كما رواه أبو الفتح الأزدي في من وافق اسمه اسم أبيه (ص: 28 - 29) من طريق عباد ابن عباد، عن جرير بن حازم به. فهؤلاء ثلاثة (زيد بن أبي الزرقاء، وابن المبارك من رواية بقية، وعباد ابن عباد) يروونه عن جرير بن حازم موصولًا.
وخالفهم علي بن الجعد في مسنده (3136) عن جرير بن حازم، عن الزبير به مرسلًا.
ورجح أبو داود الرواية المرسلة. قال أبو داود: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس، وهارون النحوي ذكر فيه ابن عباس أيضًا. وحماد بن زيد لم يذكر ابن عباس. اهـ
ورواه هارون النحوي، عن الزبير موصولًا أيضًا.
رواه الطبراني في المعجم الكبير (11/ 340) رقم: 11942، والحاكم في المستدرك (4/ 143) والمقدسي في الأحاديث المختارة، عنه، عن الزبير بن الحارث، عن عكرمة به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وصححه الذهبي في التلخيص، وقد سبق أن ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال أن الصواب فيه أنه مرسل.
وهذه متابعة لرواية زيد بن أبي الزرقاء، عن جرير بن حازم.
وقال ابن مفلح في الفروع (3/ 410): «إسناد جيد» .
كما رواه عبد الله بن عبد الله الأموي عن الزبير موصولًا أيضًا.
رواه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (10/ 73) وفي تاريخ أصبهان (442) من طريق عبد الله بن عبد الله، عن الزبير بن الحارث به. وعبد الله بن عبد الله الأموي مجهول.
قال فيه يحيى بن معين: لا أعرفه.
وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه شيئًا.
وقال ابن عدي: مجهول.
وقال فيه ابن حبان: ذكره في الثقات، وقال: يخالف في حديثه. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به.
الطريق الثاني: أبو الزبير المكي، عن عكرمة، عن ابن عباس.
رواه أبو الشيخ الأصبهاني في جزء ما رواه أبو الزبير عن غير جابر (50) من طريق إسماعيل ابن عياش، حدثنا زمعة بن صالح، عن أبي الزبير، عن عكرمة به.
الطريق الثالث: رشدين بن سعد، عن عروة بن رويم، عن عكرمة عن ابن عباس.
ذكره في تحفة الأشراف (5/ 134): «قال أبو القاسم: رواه عبد الملك بن بديل، عن رشدين ابن سعد، عن عروة بن رويم، عن عكرمة، عن ابن عباس.
الطريق الرابع: عاصم بن هلال، عن أيوب، عن عكرمة به.
ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه (3/ 240) وابن عدي في الكامل (5/ 233) من طريق يزيد بن عمر هو ابن جنزة، حدثنا عاصم بن هلال، عن أيوب، عن عكرمة، به.
قال ابن عدي: وهذه الأحاديث عن أيوب بهذا الإسناد ليست هي محفوظة.
قلت: جاء في ترجمة عاصم بن هلال:
قال فيه يحيى بن معين: بصري ضعيف.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وسئل عنه أبو زرعة فقال: ما أدري ما أقول، حدث عن أيوب بأحاديث مناكير، وقد حدث الناس عنه.
وقال فيه ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات.
وقال فيه ابن حبان: يقلب الأسانيد توهمًا لا عمدًا حتى بطل الاحتجاج به.
وقال أبو داود السجستاني: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم الرازي: شيخ صالح محله الصدق.
وقال فيه الدارقطني: لا بأس به.
وقال فيه أبو بكر البزار: ليس به بأس.
الطريق الخامس: سليمان بن حجاج، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس.
ورواه الإمام البخاري في التاريخ الكبير (4/ 7)، والعقيلي في الضعفاء (2/ 4) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن سليمان بن حجاج، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس به.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال (2/ 198): سليمان بن حجاج شيخ للدراوردي لا يعرف =
كل منهما مباراة الآخر، ومباهاته: إما في التبرعات كالرجلين يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر، ويباريه بها، وإما في المعاوضات كالبائعين يرخص كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه، ونص الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء
…
»
(1)
.
(ث-32) وروى مالك، عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا
(2)
.
[رجاله ثقات، وعلى تقدير أن سعيدًا لم يسمع من عمر فمراسيله من أصح المراسيل]
(3)
.
= عداده في أهل الطائف. اهـ وفي إسناده ليث بن أبي سليم متفق على ضعفه.
وإذا رجحنا أن المحفوظ من حديث ابن عباس أنه مرسل، فهو شاهد جيد لحديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فقد روى البيهقي في شعب الإيمان (6068) والديلمي في مسنده (3/ 83)، وابن السماك في جزء من حديثه (ق 64/ 1) كما في السلسلة الصحيحية للشيخ الألباني (626) من طريق سعيد ابن عثمان الأهوازي، عن معاذ بن أسد، عن علي بن الحسن، عن أبي حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المتباريان لا يجابان، ولا يؤكل طعامهما. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات.
(1)
إعلام الموقعين (3/ 157).
(2)
الموطأ (2/ 651).
(3)
اختلف في سماع سعيد من عمر:
قال عبدالله بن وهب: سمعت مالكًا، وسئل عن سعيد بن المسيب، قيل: أدرك عمر؟ قال: لا، ولكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكب على المسألة عن شأنه، وأمره حتى كأنه رآه. قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. تهذيب الكمال (11/ 74).
وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: سعيد بن المسيب قد رأى عمر، =
وظاهر الأثر أن المقصود: يزيد في الثمن لأن قوله (إما أن تزيد في السعر) فالسعر يطلق على الثمن، ولذلك يقال: هذا له سعر، إذا زادت قيمته، وليس له سعر: إذا أفرط رخصه
(1)
.
ولأنه طلب خروجه من السوق، ولم يطلب منعه من البيع، وهذا دليل على أنه يضر بالسوق، وإنما يضر بالسوق إذا باع بأقل من سعر السوق. إلا أن أصحاب مالك اختلفوا في قوله: إما أن تزيد في السعر، هل المقصود: يزيد في الثمن، أو يزيد في المثمن على قولين، وعلى أي تقدير فإنه يقال: إذا منعتم النقص من المثمن، وهو أحد العوضين، فالنقص من الثمن مقيس عليه؛ فالنقص من المثمن يضر بالمشتري، والنقص في الثمن يضر بالسوق، وهو أكبر، والإضرار ممنوع منه الإنسان.
= وكان صغيرًا. قلت ليحيى: يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر؟ قال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئًا. المرجع السابق.
وقال إسحاق بن منصور: قلت ليحيى بن معين: يصح لسعيد بن المسيب سماع من عمر؟ قال: لا. المراسيل ـ ابن أبي حاتم (ص: 71).
وقال أبو حاتم الرزاي: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل، يدخل في المسند على المجاز.
وقال أيضًا: لا يصح سماع لسعيد بن المسيب عن عمر إلا رؤيته على المنبر ينعي النعمان ابن مقرن. المرجع السابق.
وقال أبو طالب: قلت لأحمد:
…
سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يقبل؟!. الجرح والتعديل (4/ 60) ونقله ابن حجر في تهذيب التهذيب (4/ 76).
وقال أحمد أيضًا: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته. المرجع السابق.
وقال الليث عن يحيى بن سعيد، كان ابن المسيب يسمى راوية عمر، كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته. المرجع السابق.
(1)
المصباح المنير (1/ 277).
وإذا كانت الشريعة قد سمحت بغبن البادي من أجل نفع السوق، فنهى أن يبيع الحاضر للباد، وعلل ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. فكيف يعتقد بأن الشريعة تسمح بالإضرار بالسوق.
وقد حرمت الشريعة الإضرار بالآخر، فمنعت بيع المسلم على بيع أخيه، والشراء على شرائه كل ذلك منعًا للضرر الواقع بين المسلمين، فإذا كان ذلك بين آحاد المسلمين، وضرره محدود، فكيف إذا كان الضرر يقع على عامة التجار، وصغار المستثمرين، فإذا رأى الباعة أن بعض التجار يبيع بسعر لا يمكن لهم أن يبيعوا به، ولو باعوا به لخسروا، فلا شك أن مثل ذلك سيكون سببًا للعداوة والبغضاء.
وإذا كانت الشريعة قامت بحماية المشتري، من تحريم النجش، وتحريم الاحتكار، وتحريم الغبن، فإن أهل السوق هم مشترون قبل أن يكونوا باعة، فإن السلع التي في محلاتهم ليست نتاجًا، وإنما اشتروها طلبًا للربح، فتعريضهم للخسارة ضرر كبير بهم يعود في نهايته على المستهلك، فإن هؤلاء الكبار إذا ألحقوا الضرر بصغار المستثمرين، وأخرجوهم من السوق، تحكم هؤلاء فيما بعد بالمستهلك، وصاروا هم وحدهم اللاعب بالسوق، فالشريعة قامت على العدل، فهي في الوقت التي تحمي المشتري من أن يتعرض للاستغلال، تحمي البائع كذلك من أن يتعرض للخسارة بفعل غيره، وكما هو مطلوب حماية المشتري من الغبن، مطلوب أيضًا حماية بقية أهل السوق من الخسائر، والله أعلم.
* * *