الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) كتاب الصلاة
(1) باب ما جاء في الأذان والإقامة
(377)
[296]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ المُسلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَومًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعضُهُمِ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ
ــ
(3)
كتاب الصلاة
(1)
ومن باب: ما جاء في الأذان والإقامة
الأذان: هو الإعلام، ومنه قوله تعالى:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}
وقوله يتحيَّنون يعني: يقدِّرون أحيانها ليأتوا إليها فيها، والحين: الوقت والزمان. وتشاورهم في هذا دليل على مراعاتهم المصالح والعمل بها، وذلك أنهم لما شقّ عليهم التحين بالتبكير فيفوتهم عملهم، أو بالتأخير فتفوتهم
بَعضُهُم: قَرنًا مِثلَ قَرنِ اليَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبعَثُونَ رَجُلا يُنَادِي بِالصَّلاةِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا بِلالُ، قُم فَنَادِ بِالصَّلاةِ.
رواه البخاري (604)، ومسلم (377)، والترمذي (190)، والنسائي (2/ 2).
ــ
الصلاة - نظروا في ذلك، فقال كل واحد منهم ما تيسّر له من القول، فقال عُمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة! يعني يعرِّف بها، فإن كيفية الأذان لم تكن معروفة عنده قبل، وعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا بلال فناد بالصلاة؛ أي أذِّن. وهنا أحاديث يتوهم في الجمع بينها إشكال؛ منها: أن أول من أري الأذان في النوم عبد الله بن زيد، فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بالأذان، فذكر عمر أنه رأى مثل ذلك (1). وقد ذكر أصحاب المسندات أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء (2)، وهذا كله لا إشكال فيه إذا تُؤمِّل، فإن الجمع ممكن، وبيانه أنهم تفاوضوا في الأذان، ويحتمل أن يكون عبد الله وعمر غائبين، ثم إنهما قدما فوجدا المفاوضة، فقال عبد الله ما قال، وتلاه عمر. ولما رأى عمر قبول الرؤيا وصحتها قال: ألا تنادون للصلاة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: قم. وأما ما وقع في المسندات فلا يلزم من سماعه له أن يكون مشروعا في حقه، والأقرب أن الرواة لا يستوفون (3) القصص كما وقعت، فروى بعضٌ ما لم يروه غيره، وبمجموع الأحاديث يتمّ الغرض.
وقوله قم يا بلال فناد بالصلاة حجة الأذان والقيام فيه،
(1) رواه أبو داود (499)، والترمذي (189).
(2)
رواه البزار كما في كشف الأستار (352)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 329): رواه البزار، وفيه زياد بن المنذر، وهو مجمع على ضعفه. وانظر: فتح الباري (2/ 78).
(3)
في (م): لا يسوقون.
[297]
- وَعَن أَنَسٍ بن مالك قَالَ: ذَكَرُوا أَن يُعلِمُوا وَقتَ الصَّلاةِ بِشَيءٍ يَعرِفُونَهُ؛ فَذَكَرُوا أَن يُنَوِّرُوا نَارًا أَو يَضرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلالٌ أَن يَشفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.
قَالَ ابنِ عُلَيَّةَ: فَحَدَّثتُ بِهِ أَيُّوبَ فَقَالَ: إِلا الإِقَامَةَ.
رواه البخاري (603)، ومسلم (378)(2 و 3)، وأبو داود (508)، والترمذي (193)، والنسائي (2/ 3).
ــ
وأنه لا يجوز أذان القاعد عند العلماء إلا أبا ثور، وبه قال أبو الفرج من أصحابنا، وأجازه مالك وغيره لِعِلَّة به إذا أذن لنفسه.
ويحصل من الأذان إعلام بثلاثة أشياء: بدخول الوقت، وبالدعاء إلى الجماعة ومكان صلاتها، وبإظهار شعار الإسلام.
وقد اختُلف في حكمه؛ فقال داود والأوزاعي - وهو ظاهر قول مالك في الموطأ - بوجوبه في المساجد والجماعات، وقيل: إنه فرض على الكفاية. وبه قال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة في مساجد الجماعات والعشائر، وهو المشهور من مذهب مالك وغيره، وسبب الاختلاف اختلافهم في قوله عليه الصلاة والسلام لبلال: قم يا بلال فناد بالصلاة؛ هل هو محمول على ظاهره من الوجوب؟ أم هو مصروف عن ذلك بالقرائن؟ أعني قرائن التعليم. وأما من صار إلى أنه على الكفاية فيراعي ما يحصل منه من الفوائد الثلاثة المتقدمة الذكر.
وقوله أُمر بلال أن يشفع الأذان؛ أي: يثنِّيه، وعلى هذا جمهور أئمة الفتوى، وقد روي فيه عن بعض السلف خلاف شاذ - في إفراده وتثنيته - يأتي إن شاء الله.
وقوله ويوتر الإقامة؛ أي: يفردها، وهو مذهب مالك والشافعي، لم
[298]
وَعَن أَبِي مَحذُورَةَ أَنَّ النَبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ
ــ
يختلفوا إلا في قوله قد قامت الصلاة؛ فمالك يفردها في المشهور عنه، وهو عمل أهل المدينة. والشافعي يثنيها، وهو عمل أهل مكة. وقد روي مثل ذلك عن مالك، وهو الذي أراد أيوب بقوله إلا الإقامة؛ أي: إن قوله قد قامت الصلاة مثنى، فاستثناه من كلمات الإقامة. وذهب الكوفيون والثوري إلى أن يشفعوا الإقامة كلها، وهو قول بعض السلف، وقد ورد تشفيع الإقامة من حديث أبي محذورة، والصحيح من حديثه هو الإفراد.
واختلف الفقهاء في حكم الإقامة؛ فعند مالك والشافعي وجمهور الفقهاء أنها سنة مؤكدة وأنه لا إعادة على تاركها، وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى أنها واجبة وعلى من تركها الإعادة، وبه قال أهل الظاهر. ورُوي عندنا أيضًا أن من تركها عمدًا أعاد الصلاة، وليس ذلك لوجوبها؛ إذ لو كان ذلك (1) لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن.
وذكر مسلم في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الأذان لأبي محذورة التكبير أولا مرتين، كذا في أكثر الأصول وروايات جماعات الشيوخ، ووقع في بعض طرق الفارسي التكبير أربع مرات، ومذهب مالك رحمه الله تثنية الأذان كله غير أنه يرجِّع، وهو نقل أهل المدينة المتواتر عن أذان بلال وهو آخر أذانه والذي توفي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومذهب الشافعي الترجيع وهو عمل أهل مكة.
وقوله ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله فهذا هو الترجيع (2)
(1) ساقط من (ع).
(2)
السنة عند المالكية والشافعية أن يزيد المؤذن النطق بالشهادتين بصوت منخفض مسموع للناس قبل الإتيان بهما بصوت مرتفع؛ إلا أن المالكية: يسمون النطق بهما بصوت مرتفع: ترجيعًا، والشافعية: يسمون النطق بهما بصوت منخفض: ترجيعًا.
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ (مَرَّتَين)، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ (مَرَّتَين)، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ (مَرَّتَين)، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ (مَرَّتَين)، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ.
رواه أحمد (6/ 401)، ومسلم (379)، وأبو داود (501 - 505)، والترمذي (191)، والنسائي (2/ 4).
* * *
ــ
الذي قال به مالك والشافعي، وجمهور العلماء على مقتضى حديث أبي محذورة واستمرار عمل أهل المدينة وتواتر نقلهم عن أذان بلال، وذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع على ما جاء في حديث عبد الله بن زيد أول الأذان وما استقر عليه العمل (1)، وهو آخر الفعلين أولى. وذهب أهل الحديث أحمد وإسحاق والطبري وداود إلى التخيير في الأحاديث على أصلهم إذا صحت ولم يُعرف (2) المتقدم من المتأخر أنها للتوسعة والتخيير، وقد ذكر نحو هذا عن مالك.
* * *
(1) ساقط من (ع).
(2)
في (ع): يعلم.