الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَقُلنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بَل هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم.
رواه أحمد (1/ 313)، ومسلم (536)، وأبو داود (845)، والترمذي (283).
* * *
(45) باب نسخ الكلام في الصلاة
[429]
- عَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَينَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَومُ بِأَبصَارِهِم فَقُلتُ: وَاثُكلَ أُمَّياه! مَا شَأنُكُم تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟
ــ
من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. ومنع ذلك كافة الفقهاء، ولعلهم رأوه من الإقعاء المكروه، وحديث مالك بن الحويرث لعله لعذر أوجب ذلك، أو ليبيِّن: أنه ليس بحرام.
وقوله: إنا لنراه جفاء بالرَّجُل؛ كذا صحت الرواية منه - بفتح الراء، وضم الجيم -، وقيَّده أبو عمر بن عبد البر: بكسر الراء وسكون الجيم، وكان يقول: من قال: بالرَّجُل فقد صحَّف، ولا معنى له. قال القاضي: والأوجه عندي رواية الجماعة، ويدلّ عليه: إضافة الجفاء إليه في جلسته المكروهة عند العلماء، وأما الرِّجل فلا وجه له.
(45)
ومن باب: نسخ الكلام في الصلاة
قوله: واثكل أمياه! الثكل: الحُزن لفقد الولد. والمرأة الثكلى: الفاقدة لولدها، الحزينة عليه. وأمياه مضاف إلى ثكل، وكلاهما منادى مندوب؛ كما
فَجَعَلُوا يَضرِبُونَ بِأَيدِيهِم عَلَى أَفخَاذِهِم، فَلَمَّا رَأَيتُهُم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ. وَاللَّهِ ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
ــ
قالوا: واأمير المؤمنيناه! وأمياه أصله: أمي زيدت عليها الألف لمدّ الصوت، وأردفت بِهَاءِ السَّكت الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل.
وقوله: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ يعني: يُسَكِّتونه. يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التصفيق، والأمر بالتسبيح. قال المؤلف رحمه الله: ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهي عنه إنما هو ضرب الكَفّ على الكَفّ، أو الأصابع على الكف، ويبعد أن يُسَمّى من ضرب على فخذه وعليها ثوبه مُصَفِّقًا - والله أعلم -؛ ولذلك قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. ولو كان سمى هذا تصفيقا، لكان الأقرب في لفظه أن يقول: يصفِّقون لا غير.
وقوله: فما كَهَرَني؛ أي: فما انتهرني. والكَهرُ: الانتهار. قاله أبو عبيد. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: فأما اليتيم فلا تكهر (1)، وقيل: الكَهرُ: العبوس في وجه من تلقاه.
وقوله: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ يدل على منع الكلام في الصلاة، وعلى منع تشميت العاطس فيها، وهو مُتَمَسَّكٌ عند من (2)
(1) فتح القدير للشوكاني (5/ 559) طبعة دار ابن كثير ودار الكلم الطيب (1994 م).
(2)
في (ل) و (م): متمسّك لمن.
أو كمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَد جَاءَ اللَّهُ بِالإِسلامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالا يَأتُونَ الكُهَّانَ، قَالَ: فَلا
ــ
منع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن كما قدّمناه، ويعتضد بقوله: إنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن؛ لأن إنما للحصر، وينفصل عنه بما ثبت من تخصيص هذا الحديث بدعائه صلى الله عليه وسلم في الصلاة على أقوام بأعيانهم كما سيأتي، وقد كان الكلام مباحًا في الصلاة حتى تقرر نسخه كما جاء في حديث زيد بن أرقم. ولا يختلف في أن الكلام العمد الذي لا يقصد به إصلاح الصلاة، ولا صَدَرَ من جاهلٍ بمنعه يفسد الصلاة. واختُلف فيه سهوًا، وعمدًا للإصلاح، وجهلا؛ فقال الكوفيون: تفسد الصلاة بالكلام كيفما وقع، والجمهور على خلافهم. وسبب الخلاف: هل الامتناع من الكلام شرط مطلقًا، أو هو شرط في بعض الأحوال دون بعض؟ والصحيح مذهب الجمهور؛ بدليل ما روي في هذا الحديث: من أن معاوية تكلم في الصلاة جاهلا بحكم ذلك، ثم لما فرغ أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم الكلام، ولم يأمره بالإعادة. وإذا كان ذلك في الجاهل، فالناسي أولى بذلك؛ إذ هو غير مقصِّر ولا ملوم. وأما الكلام لإصلاح الصلاة، فقد صحَّت فيه الأحاديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأما تشميت العاطس، فهو كلام مع مخاطب عمدًا فيفسد الصلاة، وأما تحميده هو بنفسه، فروي عن ابن عمر والشعبي وأحمد أنه يحمد الله ويجهر به، ومذهب مالك والشافعي: أنه يحمد الله تعالى، ولكن سرًّا في نفسه.
وقوله: ومنا رجال يأتون الكُهَّان، الكُهَّان: جمع كاهن؛ ككاتب وكُتَّاب. والكاهن: الذي يتعاطى علم ما غاب عنه. وكانت الكهانة في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية، وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم، ويرجعون إلى أقوالهم، كما فعل عبد المطلب حيث أراد ذبح ابنه عبد الله في نذر كان نذره، فمنعته عشيرته من ذلك، وَسَرى أَمرُهُم حتى
تَأتِهِم قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ،
ــ
ترافعوا إلى كاهن معروف عندهم (1)، فحكم بينهم بأن يفدوه بمائة من الإبل، على ترتيبٍ ذُكِر في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تَابِعِه من الجن، وذلك أن الجني كان يسترق السمع، فيخطف الكلمة من الملائكة، فيخبر بها وليَّه، فيتحدث بها (2)، ويزيد معها مائة كذبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أُرسلت الشهب على الجن، فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك، فانقطعت الكهانة؛ لئلا يجرّ ذلك إلى تغيير الشرع ولبس (4) الحق بالباطل، لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتباعهم؛ لأنهم كَذَبة مُمَخرِقون (5) مبطلون ضالون مضلون، فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من (6) نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر الإتيان إليهم والسماع منهم.
وقوله: ومنّا رجال يتطيرون؛ الطيرة: مصدر طار يطير طِيَرَةً وطيرانًا، وأصلها: أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه، فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع من المُضِيّ في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمّن به ومضى في حاجته. وأصل هذا: أن الرامي للطير، إنما
(1) ساقط من (ع).
(2)
ساقط من (ع).
(3)
قال صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمةُ من الجِنِّ يَخطَفُها الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّها في أُذُنِ وَلِيِّه قَرَّ الدَّجاجة، فَيَخْلِطُون فيها أكثر مِن مئةِ كَذبَةٍ".
رواه البخاري (5762)، ومسلم (2228).
(4)
في (م): تلبيس.
(5)
"ممخرقون": مختلقون للكذب والإفك.
(6)
من (ل).
قَالَ: ذَلِكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِم فَلا يَصُدَّنَّهُم - وَقَالَ ابنُ الصَّبَّاحِ: فَلا يَصُدَّنَّكُم، قَالَ: قُلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ يَخُطُّ،
ــ
يصيب ما كان عن يساره، ويخيبه ما كان عن يمينه، فسُمِّي التشاؤم تطيرًا بذلك.
وقوله: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يَصُدّهم - وفي رواية: فلا يضرهم؛ ومعنى ذلك: أن الإنسان بحكم العادة يجد من نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به، فينبغي له: ألا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضر، وإذا لم تضر فلا تصدّ الإنسان عن حاجته. وأَشَاَر بِه إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى، فينبغي أن يُعوّلَ عليه، وتُفَوَّضَ جميع الحوائج إليه. ويفهم منه: أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلا تحت استطاعته.
وقوله: ومنا رجال يَخُطُّون: قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: هو الخط الذى يخطّه الحَازِي، فيعطيه حُلوانًا، فيقول: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي (1) غلام معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطًا بعجلة لِئَلَاّ يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطّان فهي علامة النَّجاحِ، وإن بقي خط فهي علامة الخيبة، والعرب تسميه: الأَسحَم (2)، وهو مشؤوم عندهم.
وقوله: كان نبي من الأنبياء يخط، حكى مَكِّي (3) في تفسيره: أنه روي أن
(1)"الحازي": الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهّن.
(2)
"الأسحم": في حاشية (ل): هو الأسود.
(3)
هو مكي بن أبي طالب الأندلسي القيرواني: عالم بالتفسير والقراءات والعربية. توفي سنة (437 هـ).
فَمَن وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ.
قَالَ: وَكَانَت لِي جَارِيَةٌ تَرعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعتُ ذَاتَ يَومٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَد ذَهَبَ بِشَاةٍ مِن غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِن بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأسَفُونَ. لَكِنِّي صَكَكتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلا أُعتِقُهَا؟ قَالَ: ائتِنِي بِهَا، فَأَتَيتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَينَ اللَّهُ؟ قَالَت: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَن أَنَا؟ قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،
ــ
هذا النبي كان يخط بأصبعيه السبابة والوسطى في الرمل، ثم (1) يزجر.
وقوله: فمن وافق خطَّه فذاك؛ قال الخطابي: هذا يحتمل الزجر؛ إِذ كان ذلك عَلَمًا لنبوّته، وقد انقطعت، فنهينا عن التعاطي؛ لذلك قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه، لكن من أين نعلم الموافقة؟ والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة، وإنما معناه: أن من (2) وافق خطه فذلك الذي تجدون إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله، على ما تأوّله بعضهم.
والجَوَّانِيَة: بفتح الجيم، وتشديد (3) الواو، وتخفيف الياء، وقُيِّد عن الخُشَني: بتشديد الياء، وكذا ذكرها أبو عبيد البكري، قال: كأنها نسبت إلى جوّان، والجوانية: أرض من عمل الفُرُع من جهة المدينة.
وقوله: آسف كما يأسفون؛ أي: أغضب كما يغضبون، ومنه قوله تعالى:{فَلَمَّا آسَفُونَا}
وصَكَكتُها: لَطَمتُها في وجهها.
وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ هذا السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم تَنَزُّلٌ مع الجارية
(1) ساقط من (ع).
(2)
في (ل): فمن.
(3)
في (ع) و (م): وتشديد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على قدر فهمها؛ إذ أراد أن يظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض.
وأين: ظرف يُسأل به عن المكان، كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان، وهو مبني لما تضمّنه من حرف الاستفهام، وحُرِّك لالتقاء الساكنين، وخُصَّ بالفتح تخفيفًا، وهو خبر المبتدأ الواقع بعده، وهو لا يصح (1) إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة؛ إذ الله تعالى منزّه عن المكان، كما هو منزّه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا، ولا زمانَ ولا مكانَ، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصِّص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتّصف بالحوادث حادث، على ما يبسط القول فيه في علم الكلام، ولما صَدَق قوله تعالى:{لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ} ؛ إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعرّف منها: هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام، أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها؛ إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك. وإذ نزَّهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم، ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك: أنها رأت المسلمين يرفعون أبصارهم (2) وأيديهم إلى السماء عند الدعاء، فتُركت على ذلك في تلك الحال لقصور فهمها، إلى أن يتمكن فهمها وينشرح صدرها؛ إذ لو قيل لها في تلك الحالة: الله تعالى يستحيل عليه المكان
(1) في (ل): لا يصلح.
(2)
في (ع): أصواتهم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والزمان، لخيف عليها أن تعتقد النفي المَحض والتعطيل؛ إذ ليس كل عقل يقبل هذا، ويعقله على وجهه، بل إنما يعقله العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ونوّر قلوبهم بنور معرفته، وأمدّهم بتوفيقه ومعونته، وأكثر الخلق تغلب عليهم الأوهام (1)، وتَكِلّ منهم الأفهام.
وقيل في تأويل هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها بَايَنَ كلّ من نُسبت إليه الإلهية، وهذا كما يقال: أين الثُّريّا من الثَّرَى؟ ! والبصرُ من العَمَى؟ ! أي: بَعُدَ ما بينهما، واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة. وعلى هذا يكون قولها: في السماء؛ أي: في غاية العلوّ والرفعة، وهذا كما يقال: فلان (2) في السماء ومناط الثريا، كما قال:
وإن بني عوف كما قد علمتم
…
مناط الثريا قد تعالت نجومُها
أقول هذا، والله ورسوله أعلم، والتسليم أسلم.
تنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبة، محدثهم، وفقيههم، ومتكلمهم، ومقلِّدهم، ونُظَّارهم: أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء (3)؛ كقوله: {أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ} ليست على ظاهرها، وأنها متأوَّلة عند جميعهم. أما من قال منهم بالجهة، فتلك الجهة عنده هي جهة الفوق التي عبر عنها بالعرش وهي فوق السماوات، كما جاء في الأحاديث فلا بدّ أن يُتَأَوَّل كونه في السماء، وقد تأَوّلوا تأويلات، وأشبه ما فيه: أن في بمعنى: على،
(1) ساقط من (م).
(2)
ساقط من (م).
(3)
ساقط من (ع).
قَالَ: أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ.
رواه أحمد (5/ 447 - 448)، ومسلم (537)، وأبو داود (930 و 931)، والنسائي (3/ 14 - 18).
ــ
كما قال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخلِ} ؛ أي: على جذوع النخل، ويكون العلوّ بمعنى الغلبة، وأما من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى، فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر، وإجلال الله تعالى عنه، وأَولى الفرق بالتأويل. وقد حصل من هذا الأصل المحقق أن قول الجارية: في السماء ليس على ظاهره باتفاق المسلمين، فيتعيّن أن يعتقد فيه أنه مُعَرَّض لتأويل المتأوِّلين، وأن مَن حمله على ظاهره فهو ضال من الضالين (1).
وقوله: أعتقها فإنها مؤمنة؛ فيه دليل على أن عتق المؤمن أفضل، ولا خلاف في جواز عتق الكافر في التطوع، وأنه لا يجزئ في كفارة القتل؛ لنص الله تعالى على المؤمنة. واختلف في كفارة اليمين والظهار وتعمد الوطء في رمضان، فمالك والشافعي وعامتهم: لا يجيزون في ذلك كله إلا مؤمنة؛ حملا لمطلق هذه الكفارات على مقيد كفارة القتل. وذهب الكوفيون إلى أن ذلك ليس شرطًا في هذه الكفارات، ومنعوا حمل المطلق على المقيد، وتحقيق ذلك في الأصول.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل فَطِن؛ ومن أهمها: أنه لا يشترط في الدخول في الإيمان التلفظ بألفاظ مخصوصة؛ كالشهادتين، بل يكفي كل لفظ يدل على صحة الدخول في الدين، وأنه يُكتفى بالاعتقاد الصحيح،
(1) مذهب السلف: إثباتُ علو الله تعالى يليق بجلاله، وهذا العلو ثابت بالسمع، وبالعقل والفطرة: مع التمسّك بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. فالفرق بين علو الله تعالى وعلو المخلوق كالفرق بين ذات الله وذات المخلوق، فلما تباينت الذاتان من كل وجه تباينت الصفتان من كل وجه أيضًا.
[430]
- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَينَا، فَلَمَّا رَجَعنَا مِن عِندِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمنَا عَلَيهِ فَلَم يَرُدَّ عَلَينَا، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيكَ فِي الصَّلاةِ فَتَرُدُّ عَلَينَا، قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغلا.
رواه أحمد (1/ 376)، والبخاري (1199)، ومسلم (538)، وأبو داود (923 و 924)، والنسائي (3/ 19).
ــ
ولا يشترط أن يكون عن برهان نظري، إذ لم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق علم ذلك، ولا كانت أيضًا ممن يصلح لفهم تلك البراهين والاستدلالات، كما بينّا في التأويل الأول.
وقول عبد الله بن مسعود: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيردّ علينا: هذا كان منه صلى الله عليه وسلم إِذ كان الكلام مباحًا في الصلاة في أول الأمر، كما قال زيد بن أرقم، ثم لما نُسخ ذلك امتنع رد السلام نطقًا من المصلي، وغير ذلك من أنواع الكلام مع الغير. وهذا الحديث حجة على من أجاز للمصلي أن يرد السلام نطقًا، وهم: أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق. ثم إذا قلنا: لا يرد نطقًا، فهل يرد إشارة، أم لا؟ وبالأول قال مالك وأصحابه، وهو مذهب ابن عمر وجماعة من العلماء. وبالثاني قال أبو حنيفة، فمنع الردّ إشارة ونطقًا، وبه قال الثوري وعطاء والنخعي. ثم اختلف من لم يردّه: هل يرد إذا سلم أم لا؟ وبالأول قال الثوري وعطاء والنخعي، وبالثاني قال أبو حنيفة. وقال بعض أهل العلم: يردّ المصلي في نفسه. هذا حكمه في الردّ. وأما ابتداء السلام على المصلي، فاختَلف فيه العلماء. فعن مالك فيه الجواز، وقد رويت عنه الكراهة.
وقوله: إن في الصلاة شغلا: اكتفى بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه
[431]
- وَعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنبِهِ فِي الصَّلاةِ حَتَّى نَزَلَت:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَأُمِرنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ.
رواه أحمد (1/ 463)، والبخاري (4535)، ومسلم (539)، وأبو داود (949)، والترمذي (455)، والنسائي (3/ 18).
* * *
ــ
قال: شغلا كافيًا، أو مانعًا من الكلام وغيره. ويفهم منه التفرغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوِّشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه.
وقوله: حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ؛ القنوت ينصرف في الشرع واللغة على أنحاء مختلفة، يأتي بمعنى الطاعة، وبمعنى السكوت، وبمعنى طول القيام، وبمعنى الخشوع، وبمعنى الدعاء، وبمعنى الإقرار بالمعبود، وبمعنى الإخلاص. وقيل: أصله الدوام على الشيء؛ ومنه الحديث: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على قبائل من العرب (1)؛ أي: أدام الدعاء والقيام له. واللائق بالآية من هذه المعاني: السكوت والخشوع.
وقوله: ونهينا عن الكلام: هذا هو الناسخ لإباحة الكلام في الصلاة، وقد قدّمنا في حديث معاوية القول على أنواع الكلام الواقع في الصلاة.
* * *
(1) رواه أحمد (3/ 115 و 261)، والبخاري (1002)، ومسلم (677)، وأبو داود (1444)، والنسائي (2/ 200) من حديث أنس رضي الله عنه.