المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(45) باب نسخ الكلام في الصلاة - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٢

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(3) كتاب الصلاة

- ‌(1) باب ما جاء في الأذان والإقامة

- ‌(2) باب الأذان أمان من الغارة، وما جاء في اتخاذ مُؤذِّنَينِ

- ‌(3) باب إذا سَمِعَ المؤذن قال مثل ما قال، وفضل ذلك، وما يقول بعد الأذان

- ‌(4) باب فضل الأذان وما يُصيب الشيطان عنده

- ‌(5) باب رفع اليدين في الصلاة، ومتى يرفعهما؟ وإلى أين

- ‌(6) باب التكبير في الصلاة

- ‌(7) باب ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها

- ‌(8) باب ترك قراءة بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة

- ‌(9) باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة

- ‌(10) باب التَّشَهُّد في الصلاة

- ‌(11) باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(12) باب التَّحمِيد والتَّأمِين

- ‌(13) باب إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ به

- ‌(14) باب استخلاف الإمام إذا مرض، وجواز ائتمام القائم بالقاعد

- ‌(15) باب العمل القليل في الصلاة لا يضرها

- ‌(16) باب إذا نَابَ الإمامَ شيءٌ فَليُسَبِّح الرجالُ وَليُصَفِّق النساءُ

- ‌(17) باب الأمر بتحسين الصلاة، والنهي عن مسابقة الإمام

- ‌(18) باب النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، وعن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، والأمر بالسكون فيها

- ‌(19) باب الأمر بتسوية الصفوف، ومن يلي الإمام

- ‌(20) باب في صفوف النساء وخروجهن إلى المساجد

- ‌(21) باب في قوله تعالى: {وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا}

- ‌(22) باب القراءة في الظهر والعصر

- ‌(23) باب القراءة في الصبح

- ‌(24) باب القراءة في المغرب والعشاء

- ‌(25) باب أمر الأئمة بالتخفيف في تمام

- ‌(26) باب في اعتدال الصلاة وتقارب أركانها

- ‌(27) باب اتباع الإمام والعمل بعده

- ‌(28) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع

- ‌(29) باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود

- ‌(30) باب ما يقال في الركوع والسجود

- ‌(31) باب الترغيب في كثرة السجود، وعلى كم يسجد؟ وفيمن صلى معقوص الشعر

- ‌(32) باب كيفية السجود

- ‌(33) باب تحريمُ الصلاةِ التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ

- ‌(34) باب في سترة المصلي وأحكامها

- ‌(35) باب مَنع المصلي مَن مَرَّ بين يديه، والتَّغليِظ في المرور بين يدي المصلي

- ‌(36) باب دنو المصلي من سترته وما جاء فيما يقطع الصلاة

- ‌(37) باب اعتراض المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة

- ‌(38) باب الصلاة بالثوب الواحد على الحصير

- ‌(39) باب أول مسجد وضع في الأرض، وما جاء أن الأرض كلها مسجد

- ‌(40) باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(41) باب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة، والنهي عن بناء المساجد على القبور وعن التصاوير فيها

- ‌(42) باب ثواب من بَنَى للهِ مسجدًا

- ‌(43) باب التطبيق في الركوع وما ثبت من نسخه

- ‌(44) باب [جواز الإقعاء على العقبين]

- ‌(45) باب نسخ الكلام في الصلاة

- ‌(46) باب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة، ولعن الشيطان

- ‌(47) باب جواز حمل الصغير في الصلاة، وجواز التقدم والتأخر، ومن صلى على موضع أرفع من موضع المأموم

- ‌(48) باب النهي عن الاختصار في الصلاة، وما يجوز من مس الحصى فيها، وما جاء في البصاق في المسجد

- ‌(49) باب الصلاة في النعلين والثوب المعلم وبحضرة الطعام

- ‌(50) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل، وإخراج من وُجد منه ريحها من المسجد

- ‌(51) باب النهي عن أن تنشد الضالَّة في المسجد

- ‌(52) باب الأمر بسجود السهو، وما جاء فيمن سها عن الجلسة الوسطى

- ‌(53) باب فيمن لم يّدرِ كم صلى

- ‌(54) باب فيمن سلَّم من اثنتين أو ثلاث

- ‌(55) باب ما جاء في سجود القرآن

- ‌(56) باب كيفية الجلوس للتشهد

- ‌(57) باب كم يسلم من الصلاة، وبأي شيء كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(58) باب الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره

- ‌(59) باب قدر ما يقعد الإمام بعد السلام وما يقال بعده

- ‌(60) باب السكوت بين التكبير والقراءة في الركعة الأولى وما يقال فيه

- ‌(61) باب فضل التحميد في الصلاة

- ‌(62) باب إتيان الصلاة بالسكينة، ومتى تقام؟ ومتى يقام لها؟ وإتمام المسبوق

- ‌(63) باب من أدرك ركعة من فعل الصلاة أو وقتها فقد أدركها

- ‌(64) باب إذا ذكر الإمام أنه مُحدِث خرج فأمرهم بانتظاره

- ‌(65) باب أَوقَات الصَّلَوَاتِ

- ‌(66) باب الإبراد بالظهر في شدة الحر

- ‌(67) باب تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد

- ‌(68) باب تعجيل صلاة العصر

- ‌(69) باب ما جاء في الصلاة الوسطى

- ‌(70) باب من فاتته صلوات كيف يقضيها

- ‌(71) باب المحافظة على الصبح والعصر

- ‌(72) باب تعجيل صلاة المغرب

- ‌(73) باب تأخير العشاء الآخرة

- ‌(74) باب التغليس بصلاة الصبح

- ‌(75) باب المنع من إخراج الصلاة عن وقتها

- ‌(76) باب صلاة الفذ جائزة، والجماعة أفضل

- ‌(77) باب التغليظ في التخلف عن الجماعة والجمعة

- ‌(78) باب النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، وفضل العشاء والصبح في جماعة

- ‌(79) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر

- ‌(80) باب صلاة النفل في جماعة، والصلاة على البسط وإن عتقت وامتهنت

- ‌(81) باب فضل انتظار الصلاة في المسجد

- ‌(82) باب من كانت داره عن المسجد أبعد كان ثوابه في إتيانه أكثر

- ‌(83) باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات

- ‌(84) باب الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح

- ‌(85) باب في الإمامة، ومن أحق بها

- ‌(86) باب ما جاء في القنوت والدعاء للمُعَيَّنِ وعليه في الصلاة

- ‌(87) باب من نام عن صلاة أو نسيها

- ‌(88) باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فله أن يؤذن إذا كان في جماعة، ويصلي ركعتي الفجر

- ‌(89) باب ما جاء في حكم قَصرِ الصلاة في السفر

- ‌(90) باب من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه، واستمراره على القصر ما لم ينو إقامة

- ‌(91) باب قَصر الصلاة بِمنىً

- ‌(92) باب جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر

- ‌(93) باب التنفل والوتر على الراحلة في السفر

- ‌(94) باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر

- ‌(95) باب الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال

- ‌(96) باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة

- ‌(97) باب ما يقول عند دخول المسجد، والأمر بِتحيَّتِهِ

- ‌(98) باب في صلاة الضحى

- ‌(99) باب الوصية بالضحى وأقله ركعتان

- ‌(100) باب ما جاء في ركعتي الفجر

- ‌(101) باب رواتب الفرائض وفضلها

- ‌(102) باب في صلاة النفل قائمًا وقاعدًا

- ‌(103) باب كيف صلاة الليل وكم عددها

- ‌(104) باب في صلاة الوتر

- ‌(105) باب فيمن غلب عن حزبه، وفيمن خاف أن يغلب عن وتره، وفضل طول القنوت وآخر الليل

- ‌(106) باب الترغيب في قيام رمضان وليلة القدر وكيفية القيام

- ‌(107) باب في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، وتَبَتُّلِه ودُعَائِهِ

- ‌(108) باب ترتيل القراءة والجهر بها في صلاة الليل وتطويلها

- ‌(109) باب استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان

- ‌(110) باب أفضل النوافل ما صُلِّي في البيت

- ‌(111) باب أَحَبُّ العمل إلى الله أَدوَمُهُ وإن قَلَّ، وكراهية التَّعَمُّقِ والتشديد

- ‌أبواب فضائل القرآن وما يتعلق بها

- ‌(112) باب الأمر بِتَعاهُدِ القرآن، وذَمِّ من فرط فيه حتى نسي

- ‌(113) باب تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها

- ‌(114) باب إقراء النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وتعليمه كيفية الأداء

- ‌(115) باب فضل تعلُّم القرآن وقراءته وفضل سورة البقرة وآل عمران

- ‌(116) باب فضل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة

- ‌(117) باب فضل سورة الكهف، وتنزل السكينة عند قراءتها

- ‌(118) باب فضل قراءة {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

- ‌(119) باب فضل قراءة المعوذتين

- ‌(120) باب لا حسد إلا في اثنتين، ومن يرفع بالقرآن

- ‌(121) باب إنزال القرآن على سبعة أحرف

- ‌(122) باب قراءة سورتين في ركعة من النوافل

- ‌(123) باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها

- ‌(124) باب في الركعتين بعد العصر

- ‌(125) باب الركوع بعد الغروب وقبل المغرب

- ‌(126) باب صلاة الخوف

- ‌(4) كتاب الجمعة

- ‌(1) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده، ومن اقتصر على الوضوء أجزأه

- ‌(2) باب فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه

- ‌(3) باب فضل التهجير للجمعة ووقتها

- ‌(4) باب الإنصات للخطبة وفضله

- ‌(5) باب الخطبة، والقيام لها، والجلوس بين الخطبتين، والإشارة باليد

- ‌(6) باب ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها

- ‌(7) باب ركوع من دخل والإمام يخطب، والتعليم في حالة الخطبة

- ‌(8) باب ما يُقرَأُ به في صلاة الجمعة، وفي صبح يومها

- ‌(9) باب ما جاء في التنفل بعد الجمعة

- ‌(10) باب التغليظ في ترك الجمعة

- ‌(5) أبواب صلاة العيدين

- ‌(1) باب الخروج إلى المصلى في العيدين، وخروج النساء

- ‌(2) باب لا صلاة قبل صلاة العيدين في المصلى، ولا أذان ولا إقامة

- ‌(3) باب الصلاة فيهما قبل الخطبة

- ‌(4) باب ما يقال في الخطبة

- ‌(5) باب ما يقرأ في صلاة العيدين

- ‌(6) باب الفرح واللعب في أيام الأعياد

- ‌(6) أبواب الاستسقاء

- ‌(1) باب الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء، وكيفية العمل فيها

- ‌(2) باب الدعاء في السُّقيَا في المسجد وبغير صلاة

- ‌(3) باب التبرك بالمطر، والفرح به، والتعوُّذ عند الريح والغيم

- ‌(7) أبواب كسوف الشمس والقمر

- ‌(1) باب الأمر بالصلاة والذكر والصدقة عند الكسوف

- ‌(2) باب كيفية العمل فيها، وأنها ركوعان في كل ركعة

- ‌(3) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات

- ‌(4) باب ما جاء أن في كل ركعة أربع ركعات

- ‌(5) باب يطول سجودها كما يطول ركوعها

- ‌(6) باب ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل

- ‌(7) باب شهود النساء صلاة الكسوف

- ‌(8) كتاب الجنائز

- ‌(1) باب تلقين الموتى، وما يقال عند المصيبة، وعند حضور المرضى والموتى

- ‌(2) باب في إغماض الميت، والدعاء له

- ‌(3) باب ما جاء في البكاء على الميت، وعنده

- ‌(4) باب في عيادة المريض، والصبر عند الصدمة الأولى

- ‌(5) باب ما جاء أن الميت ليعذبُ ببكاءِ الحَيِّ عليه

- ‌(6) باب التشديد في النياحة، وما جاء في اتباع الجنائز

- ‌(7) باب الأمر بغسل الميت وكيفيته

- ‌(8) باب في تكفين الميت وتسجيته، والأمر بتحسين الكفن

- ‌(9) باب الإسراع بالجنازة، وفضل الصلاة عليها، واتباعها

- ‌(10) باب الاستشفاع للميت، وأن الثناء عليه شهادة له، وأنه مستريح ومستراح منه

- ‌(11) باب الأمر بالصلاة على الميت، وكيفية الصلاة عليه، وكم التكبيرات

- ‌(12) باب الدعاء للميت، وأين يقوم الإمام من المرأة

- ‌(13) باب ما جاء في الصلاة على القبر

- ‌(14) باب الأمر بالقيام للجنازة ونسخه

- ‌(15) باب ركوب المتبع للجنازة إذا انصرف منها

- ‌(16) باب في كيفية القبور وكراهية تجصيصها والبناء عليها، وهل يجعل في القبر شيء

- ‌(17) باب النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها

- ‌(18) باب الصلاة على الميت في المسجد

- ‌(19) باب زيارة القبور والتسليم عليها، والدعاء والاستغفار للموتى

- ‌(20) باب من لا يصلى عليه

- ‌(21) باب النهي عن تمني الموت لضر نزل به

- ‌(22) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

الفصل: ‌(45) باب نسخ الكلام في الصلاة

فَقُلنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بَل هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم.

رواه أحمد (1/ 313)، ومسلم (536)، وأبو داود (845)، والترمذي (283).

* * *

(45) باب نسخ الكلام في الصلاة

[429]

- عَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَينَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَومُ بِأَبصَارِهِم فَقُلتُ: وَاثُكلَ أُمَّياه! مَا شَأنُكُم تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟

ــ

من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. ومنع ذلك كافة الفقهاء، ولعلهم رأوه من الإقعاء المكروه، وحديث مالك بن الحويرث لعله لعذر أوجب ذلك، أو ليبيِّن: أنه ليس بحرام.

وقوله: إنا لنراه جفاء بالرَّجُل؛ كذا صحت الرواية منه - بفتح الراء، وضم الجيم -، وقيَّده أبو عمر بن عبد البر: بكسر الراء وسكون الجيم، وكان يقول: من قال: بالرَّجُل فقد صحَّف، ولا معنى له. قال القاضي: والأوجه عندي رواية الجماعة، ويدلّ عليه: إضافة الجفاء إليه في جلسته المكروهة عند العلماء، وأما الرِّجل فلا وجه له.

(45)

ومن باب: نسخ الكلام في الصلاة

قوله: واثكل أمياه! الثكل: الحُزن لفقد الولد. والمرأة الثكلى: الفاقدة لولدها، الحزينة عليه. وأمياه مضاف إلى ثكل، وكلاهما منادى مندوب؛ كما

ص: 137

فَجَعَلُوا يَضرِبُونَ بِأَيدِيهِم عَلَى أَفخَاذِهِم، فَلَمَّا رَأَيتُهُم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ. وَاللَّهِ ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.

ــ

قالوا: واأمير المؤمنيناه! وأمياه أصله: أمي زيدت عليها الألف لمدّ الصوت، وأردفت بِهَاءِ السَّكت الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل.

وقوله: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ يعني: يُسَكِّتونه. يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التصفيق، والأمر بالتسبيح. قال المؤلف رحمه الله: ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهي عنه إنما هو ضرب الكَفّ على الكَفّ، أو الأصابع على الكف، ويبعد أن يُسَمّى من ضرب على فخذه وعليها ثوبه مُصَفِّقًا - والله أعلم -؛ ولذلك قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. ولو كان سمى هذا تصفيقا، لكان الأقرب في لفظه أن يقول: يصفِّقون لا غير.

وقوله: فما كَهَرَني؛ أي: فما انتهرني. والكَهرُ: الانتهار. قاله أبو عبيد. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: فأما اليتيم فلا تكهر (1)، وقيل: الكَهرُ: العبوس في وجه من تلقاه.

وقوله: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ يدل على منع الكلام في الصلاة، وعلى منع تشميت العاطس فيها، وهو مُتَمَسَّكٌ عند من (2)

(1) فتح القدير للشوكاني (5/ 559) طبعة دار ابن كثير ودار الكلم الطيب (1994 م).

(2)

في (ل) و (م): متمسّك لمن.

ص: 138

أو كمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَد جَاءَ اللَّهُ بِالإِسلامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالا يَأتُونَ الكُهَّانَ، قَالَ: فَلا

ــ

منع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن كما قدّمناه، ويعتضد بقوله: إنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن؛ لأن إنما للحصر، وينفصل عنه بما ثبت من تخصيص هذا الحديث بدعائه صلى الله عليه وسلم في الصلاة على أقوام بأعيانهم كما سيأتي، وقد كان الكلام مباحًا في الصلاة حتى تقرر نسخه كما جاء في حديث زيد بن أرقم. ولا يختلف في أن الكلام العمد الذي لا يقصد به إصلاح الصلاة، ولا صَدَرَ من جاهلٍ بمنعه يفسد الصلاة. واختُلف فيه سهوًا، وعمدًا للإصلاح، وجهلا؛ فقال الكوفيون: تفسد الصلاة بالكلام كيفما وقع، والجمهور على خلافهم. وسبب الخلاف: هل الامتناع من الكلام شرط مطلقًا، أو هو شرط في بعض الأحوال دون بعض؟ والصحيح مذهب الجمهور؛ بدليل ما روي في هذا الحديث: من أن معاوية تكلم في الصلاة جاهلا بحكم ذلك، ثم لما فرغ أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم الكلام، ولم يأمره بالإعادة. وإذا كان ذلك في الجاهل، فالناسي أولى بذلك؛ إذ هو غير مقصِّر ولا ملوم. وأما الكلام لإصلاح الصلاة، فقد صحَّت فيه الأحاديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

وأما تشميت العاطس، فهو كلام مع مخاطب عمدًا فيفسد الصلاة، وأما تحميده هو بنفسه، فروي عن ابن عمر والشعبي وأحمد أنه يحمد الله ويجهر به، ومذهب مالك والشافعي: أنه يحمد الله تعالى، ولكن سرًّا في نفسه.

وقوله: ومنا رجال يأتون الكُهَّان، الكُهَّان: جمع كاهن؛ ككاتب وكُتَّاب. والكاهن: الذي يتعاطى علم ما غاب عنه. وكانت الكهانة في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية، وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم، ويرجعون إلى أقوالهم، كما فعل عبد المطلب حيث أراد ذبح ابنه عبد الله في نذر كان نذره، فمنعته عشيرته من ذلك، وَسَرى أَمرُهُم حتى

ص: 139

تَأتِهِم قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ،

ــ

ترافعوا إلى كاهن معروف عندهم (1)، فحكم بينهم بأن يفدوه بمائة من الإبل، على ترتيبٍ ذُكِر في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تَابِعِه من الجن، وذلك أن الجني كان يسترق السمع، فيخطف الكلمة من الملائكة، فيخبر بها وليَّه، فيتحدث بها (2)، ويزيد معها مائة كذبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أُرسلت الشهب على الجن، فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك، فانقطعت الكهانة؛ لئلا يجرّ ذلك إلى تغيير الشرع ولبس (4) الحق بالباطل، لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتباعهم؛ لأنهم كَذَبة مُمَخرِقون (5) مبطلون ضالون مضلون، فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من (6) نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر الإتيان إليهم والسماع منهم.

وقوله: ومنّا رجال يتطيرون؛ الطيرة: مصدر طار يطير طِيَرَةً وطيرانًا، وأصلها: أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه، فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع من المُضِيّ في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمّن به ومضى في حاجته. وأصل هذا: أن الرامي للطير، إنما

(1) ساقط من (ع).

(2)

ساقط من (ع).

(3)

قال صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمةُ من الجِنِّ يَخطَفُها الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّها في أُذُنِ وَلِيِّه قَرَّ الدَّجاجة، فَيَخْلِطُون فيها أكثر مِن مئةِ كَذبَةٍ".

رواه البخاري (5762)، ومسلم (2228).

(4)

في (م): تلبيس.

(5)

"ممخرقون": مختلقون للكذب والإفك.

(6)

من (ل).

ص: 140

قَالَ: ذَلِكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِم فَلا يَصُدَّنَّهُم - وَقَالَ ابنُ الصَّبَّاحِ: فَلا يَصُدَّنَّكُم، قَالَ: قُلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ يَخُطُّ،

ــ

يصيب ما كان عن يساره، ويخيبه ما كان عن يمينه، فسُمِّي التشاؤم تطيرًا بذلك.

وقوله: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يَصُدّهم - وفي رواية: فلا يضرهم؛ ومعنى ذلك: أن الإنسان بحكم العادة يجد من نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به، فينبغي له: ألا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضر، وإذا لم تضر فلا تصدّ الإنسان عن حاجته. وأَشَاَر بِه إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى، فينبغي أن يُعوّلَ عليه، وتُفَوَّضَ جميع الحوائج إليه. ويفهم منه: أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلا تحت استطاعته.

وقوله: ومنا رجال يَخُطُّون: قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: هو الخط الذى يخطّه الحَازِي، فيعطيه حُلوانًا، فيقول: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي (1) غلام معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطًا بعجلة لِئَلَاّ يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطّان فهي علامة النَّجاحِ، وإن بقي خط فهي علامة الخيبة، والعرب تسميه: الأَسحَم (2)، وهو مشؤوم عندهم.

وقوله: كان نبي من الأنبياء يخط، حكى مَكِّي (3) في تفسيره: أنه روي أن

(1)"الحازي": الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهّن.

(2)

"الأسحم": في حاشية (ل): هو الأسود.

(3)

هو مكي بن أبي طالب الأندلسي القيرواني: عالم بالتفسير والقراءات والعربية. توفي سنة (437 هـ).

ص: 141

فَمَن وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ.

قَالَ: وَكَانَت لِي جَارِيَةٌ تَرعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعتُ ذَاتَ يَومٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَد ذَهَبَ بِشَاةٍ مِن غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِن بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأسَفُونَ. لَكِنِّي صَكَكتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلا أُعتِقُهَا؟ قَالَ: ائتِنِي بِهَا، فَأَتَيتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَينَ اللَّهُ؟ قَالَت: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَن أَنَا؟ قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،

ــ

هذا النبي كان يخط بأصبعيه السبابة والوسطى في الرمل، ثم (1) يزجر.

وقوله: فمن وافق خطَّه فذاك؛ قال الخطابي: هذا يحتمل الزجر؛ إِذ كان ذلك عَلَمًا لنبوّته، وقد انقطعت، فنهينا عن التعاطي؛ لذلك قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه، لكن من أين نعلم الموافقة؟ والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة، وإنما معناه: أن من (2) وافق خطه فذلك الذي تجدون إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله، على ما تأوّله بعضهم.

والجَوَّانِيَة: بفتح الجيم، وتشديد (3) الواو، وتخفيف الياء، وقُيِّد عن الخُشَني: بتشديد الياء، وكذا ذكرها أبو عبيد البكري، قال: كأنها نسبت إلى جوّان، والجوانية: أرض من عمل الفُرُع من جهة المدينة.

وقوله: آسف كما يأسفون؛ أي: أغضب كما يغضبون، ومنه قوله تعالى:{فَلَمَّا آسَفُونَا}

وصَكَكتُها: لَطَمتُها في وجهها.

وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ هذا السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم تَنَزُّلٌ مع الجارية

(1) ساقط من (ع).

(2)

في (ل): فمن.

(3)

في (ع) و (م): وتشديد.

ص: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

على قدر فهمها؛ إذ أراد أن يظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض.

وأين: ظرف يُسأل به عن المكان، كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان، وهو مبني لما تضمّنه من حرف الاستفهام، وحُرِّك لالتقاء الساكنين، وخُصَّ بالفتح تخفيفًا، وهو خبر المبتدأ الواقع بعده، وهو لا يصح (1) إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة؛ إذ الله تعالى منزّه عن المكان، كما هو منزّه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا، ولا زمانَ ولا مكانَ، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصِّص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتّصف بالحوادث حادث، على ما يبسط القول فيه في علم الكلام، ولما صَدَق قوله تعالى:{لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ} ؛ إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعرّف منها: هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام، أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها؛ إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك. وإذ نزَّهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم، ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك: أنها رأت المسلمين يرفعون أبصارهم (2) وأيديهم إلى السماء عند الدعاء، فتُركت على ذلك في تلك الحال لقصور فهمها، إلى أن يتمكن فهمها وينشرح صدرها؛ إذ لو قيل لها في تلك الحالة: الله تعالى يستحيل عليه المكان

(1) في (ل): لا يصلح.

(2)

في (ع): أصواتهم.

ص: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

والزمان، لخيف عليها أن تعتقد النفي المَحض والتعطيل؛ إذ ليس كل عقل يقبل هذا، ويعقله على وجهه، بل إنما يعقله العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ونوّر قلوبهم بنور معرفته، وأمدّهم بتوفيقه ومعونته، وأكثر الخلق تغلب عليهم الأوهام (1)، وتَكِلّ منهم الأفهام.

وقيل في تأويل هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها بَايَنَ كلّ من نُسبت إليه الإلهية، وهذا كما يقال: أين الثُّريّا من الثَّرَى؟ ! والبصرُ من العَمَى؟ ! أي: بَعُدَ ما بينهما، واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة. وعلى هذا يكون قولها: في السماء؛ أي: في غاية العلوّ والرفعة، وهذا كما يقال: فلان (2) في السماء ومناط الثريا، كما قال:

وإن بني عوف كما قد علمتم

مناط الثريا قد تعالت نجومُها

أقول هذا، والله ورسوله أعلم، والتسليم أسلم.

تنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبة، محدثهم، وفقيههم، ومتكلمهم، ومقلِّدهم، ونُظَّارهم: أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء (3)؛ كقوله: {أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ} ليست على ظاهرها، وأنها متأوَّلة عند جميعهم. أما من قال منهم بالجهة، فتلك الجهة عنده هي جهة الفوق التي عبر عنها بالعرش وهي فوق السماوات، كما جاء في الأحاديث فلا بدّ أن يُتَأَوَّل كونه في السماء، وقد تأَوّلوا تأويلات، وأشبه ما فيه: أن في بمعنى: على،

(1) ساقط من (م).

(2)

ساقط من (م).

(3)

ساقط من (ع).

ص: 144

قَالَ: أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ.

رواه أحمد (5/ 447 - 448)، ومسلم (537)، وأبو داود (930 و 931)، والنسائي (3/ 14 - 18).

ــ

كما قال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخلِ} ؛ أي: على جذوع النخل، ويكون العلوّ بمعنى الغلبة، وأما من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى، فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر، وإجلال الله تعالى عنه، وأَولى الفرق بالتأويل. وقد حصل من هذا الأصل المحقق أن قول الجارية: في السماء ليس على ظاهره باتفاق المسلمين، فيتعيّن أن يعتقد فيه أنه مُعَرَّض لتأويل المتأوِّلين، وأن مَن حمله على ظاهره فهو ضال من الضالين (1).

وقوله: أعتقها فإنها مؤمنة؛ فيه دليل على أن عتق المؤمن أفضل، ولا خلاف في جواز عتق الكافر في التطوع، وأنه لا يجزئ في كفارة القتل؛ لنص الله تعالى على المؤمنة. واختلف في كفارة اليمين والظهار وتعمد الوطء في رمضان، فمالك والشافعي وعامتهم: لا يجيزون في ذلك كله إلا مؤمنة؛ حملا لمطلق هذه الكفارات على مقيد كفارة القتل. وذهب الكوفيون إلى أن ذلك ليس شرطًا في هذه الكفارات، ومنعوا حمل المطلق على المقيد، وتحقيق ذلك في الأصول.

وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل فَطِن؛ ومن أهمها: أنه لا يشترط في الدخول في الإيمان التلفظ بألفاظ مخصوصة؛ كالشهادتين، بل يكفي كل لفظ يدل على صحة الدخول في الدين، وأنه يُكتفى بالاعتقاد الصحيح،

(1) مذهب السلف: إثباتُ علو الله تعالى يليق بجلاله، وهذا العلو ثابت بالسمع، وبالعقل والفطرة: مع التمسّك بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. فالفرق بين علو الله تعالى وعلو المخلوق كالفرق بين ذات الله وذات المخلوق، فلما تباينت الذاتان من كل وجه تباينت الصفتان من كل وجه أيضًا.

ص: 145

[430]

- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَينَا، فَلَمَّا رَجَعنَا مِن عِندِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمنَا عَلَيهِ فَلَم يَرُدَّ عَلَينَا، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيكَ فِي الصَّلاةِ فَتَرُدُّ عَلَينَا، قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغلا.

رواه أحمد (1/ 376)، والبخاري (1199)، ومسلم (538)، وأبو داود (923 و 924)، والنسائي (3/ 19).

ــ

ولا يشترط أن يكون عن برهان نظري، إذ لم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق علم ذلك، ولا كانت أيضًا ممن يصلح لفهم تلك البراهين والاستدلالات، كما بينّا في التأويل الأول.

وقول عبد الله بن مسعود: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيردّ علينا: هذا كان منه صلى الله عليه وسلم إِذ كان الكلام مباحًا في الصلاة في أول الأمر، كما قال زيد بن أرقم، ثم لما نُسخ ذلك امتنع رد السلام نطقًا من المصلي، وغير ذلك من أنواع الكلام مع الغير. وهذا الحديث حجة على من أجاز للمصلي أن يرد السلام نطقًا، وهم: أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق. ثم إذا قلنا: لا يرد نطقًا، فهل يرد إشارة، أم لا؟ وبالأول قال مالك وأصحابه، وهو مذهب ابن عمر وجماعة من العلماء. وبالثاني قال أبو حنيفة، فمنع الردّ إشارة ونطقًا، وبه قال الثوري وعطاء والنخعي. ثم اختلف من لم يردّه: هل يرد إذا سلم أم لا؟ وبالأول قال الثوري وعطاء والنخعي، وبالثاني قال أبو حنيفة. وقال بعض أهل العلم: يردّ المصلي في نفسه. هذا حكمه في الردّ. وأما ابتداء السلام على المصلي، فاختَلف فيه العلماء. فعن مالك فيه الجواز، وقد رويت عنه الكراهة.

وقوله: إن في الصلاة شغلا: اكتفى بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه

ص: 146

[431]

- وَعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنبِهِ فِي الصَّلاةِ حَتَّى نَزَلَت:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَأُمِرنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ.

رواه أحمد (1/ 463)، والبخاري (4535)، ومسلم (539)، وأبو داود (949)، والترمذي (455)، والنسائي (3/ 18).

* * *

ــ

قال: شغلا كافيًا، أو مانعًا من الكلام وغيره. ويفهم منه التفرغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوِّشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه.

وقوله: حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ؛ القنوت ينصرف في الشرع واللغة على أنحاء مختلفة، يأتي بمعنى الطاعة، وبمعنى السكوت، وبمعنى طول القيام، وبمعنى الخشوع، وبمعنى الدعاء، وبمعنى الإقرار بالمعبود، وبمعنى الإخلاص. وقيل: أصله الدوام على الشيء؛ ومنه الحديث: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على قبائل من العرب (1)؛ أي: أدام الدعاء والقيام له. واللائق بالآية من هذه المعاني: السكوت والخشوع.

وقوله: ونهينا عن الكلام: هذا هو الناسخ لإباحة الكلام في الصلاة، وقد قدّمنا في حديث معاوية القول على أنواع الكلام الواقع في الصلاة.

* * *

(1) رواه أحمد (3/ 115 و 261)، والبخاري (1002)، ومسلم (677)، وأبو داود (1444)، والنسائي (2/ 200) من حديث أنس رضي الله عنه.

ص: 147