الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(94) باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر
[583]
- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيرُ، جَمَعَ بَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ.
ــ
(94)
ومن باب: الجمع بين الصلاتين
المراد في هذا الباب من الجمع: إنما هو إخراج إحدى (1) الصلاتين المشتركتين عن وقت جوازها، وإيقاعها في وقت الأخرى مضمومة إليها، وهو إنما يكون في الصلوات المشتركة الأوقات، وهي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولا يكون في غيرها بإجماع، ثم الجمع: متفق عليه، ومختلف فيه:
فالأول: هو الجمع بعرفة والمزدلفة، والمختلف فيه: هو الجمع في السفر، والمطر، والمرض. فأما الجمع في السفر فإليه ذهب جماعة السلف وفقهاء المحدثين والشافعي، وهو مشهور مذهب مالك، وهل ذلك لمجرد السفر؟ أو لا بد معه من جدّ السير؟ (2) قولان. بالأول قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء المحدثين وأهل الظاهر. وبالثاني قال مالك والليث والثوري والأوزاعي، وأَبَى أبو حنيفة وحده الجمعَ للمسافر (3)، وكرهه الحسن وابن سيرين، وروي عن مالك كراهيته، وروي عنه أنه كرهه للرجال دون النساء.
(1) ساقط من (ع).
(2)
(يُشير القرطبي رحمه الله في هذا إلى ما حدث لابن عمر، عندما كان عائدًا من حجّة الوداع، فقيل له: إن صفية في السِّياق (نزع الموت) فأسرع السير، وجمع جمع التأخير. (الإصابة 8/ 131).
(3)
في (م) وأبو حنيفة وحده منع من الجمع للمسافر. والمثبت من (ع) و (ظ) و (ط).
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَعجَلَهُ السَّيرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلاةَ المَغرِبِ، حَتَّى يَجمَعَ بَينَهَا وَبَينَ صَلاةِ العِشَاءِ.
ــ
وأحاديث ابن عمر وأنس ومعاذ المذكورة في هذا الباب حجة على أبي حنيفة. لكن أبو حنيفة تأوّلها على أن الصلاة الأولى وقعت في آخر وقتها، والثانية وقعت في أول وقتها، وهذا يجوز باتفاق.
وقد جاء في حديث معاذ في كتاب أبي داود: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب، وهذا حجة ظاهرة للجمهور في الرد على أبي حنيفة. وأما لعذر المطر: فقال به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور السلف: بين المغرب والعشاء، وأما بين الظهر والعصر: فقال بالجمع بينهما في المطر الوابل: الشافعي وأبو ثور والطبري وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر والليث: من الجمع في صلاتي الليل والنهار. وأما الجمع لعذر المرض فقال به مالك: إذا خاف الإغماء على عقله، وأبى ابن نافع الجمعَ لذلك، وقال: لا يجمع قبل الوقت، فمن أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يجب عليه قضاؤه، ومنعه أيضًا أشهب والشافعي.
وذهب كافة العلماء إلى منع الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر إلا شذوذًا؛ منهم من السلف: ابن سيرين، ومن أصحابنا أشهب؛ فأجاز ذلك للحاجة ما لم تتخذ عادة، ونحوه لعبد الملك في الظهر والعصر. وحجتهم في ذلك حديث ابن عباس.
وقوله في حديث أنس وابن عمر: إذا عجل به السير: حجة ظاهرة لمشترط
رواه أحمد (2/ 7 و 51)، والبخاري (1092)، ومسلم (703)(42)، وأبو داود (1207 - 1217)، والترمذي (555)، والنسائي (1/ 287 و 289).
[584]
- وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ارتَحَلَ قَبلَ أَن تَزِيغَ الشَّمسُ أَخَّرَ الظُّهرَ إِلَى وَقتِ العَصرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَينَهُمَا. فَإِن زَاغَتِ قَبلَ أَن يَرتَحِلَ صَلَّى الظُّهرَ ثُمَّ رَكِبَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: يُؤَخِر الظُهرَ إِلَى أَول وقتِ العَصرَ.
رواه أحمد (3/ 247 و 265)، والبخاري (1111)، ومسلم (704)(46 و 48) وأبو داود (1218 و 1219)، والنسائي (1/ 284 و 285).
ــ
جِدَّ السير في الجمع، ولا تعارض هذه الأحاديث التي لم يذكر فيها ذلك؛ لأن الحجة في المنقول لا في المسكوت عنه، ويتعين حمل المطلق منهما على المقيد هنا لاتحاد الموجِب والموجَب، وهو موضع اتفاق الأصوليين في حمل المطلق على المقيد. وإنما خصّ ابن عمر صلاة المغرب والعشاء بالذكر، ولم يذكر العصر؛ لوقوع الجمع له بين المغرب والعشاء، وهو الذي سأله عنه نافع، فأجاب عمّا سئل عنه حين استُصرِخَ على امرأته صفية بنت أبي عبيد، فاستعجل بالجمع بين المغرب والعشاء، وسئل فأجاب بما ذكر.
وقوله في حديث أنس: إنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل: ظاهر في أنه كان يصلي الظهر في وقت العصر؛ لأنه إذا أخّر الظهر لأول وقت العصر (1)، ثم بعد ذلك بمهلة نزل فتوضأ، فصلى
(1) ساقط من (ع).
[585]
- وعَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَجِلَ به السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهرَ إِلَى أَوَّلِ وَقتِ العَصرِ، فَيَجمَعُ بَينَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ المَغرِبَ حَتَّى يَجمَعَ بَينَهَا وَبَينَ العِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
رواه مسلم (704)(48).
[586]
- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهرَ وَالعَصرَ جَمِيعًا، وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيرِ خَوفٍ وَلا سَفَرٍ.
ــ
الصلاتين؛ فيلزم أن يصلي الظهر في أول وقت العصر ولا بدّ. وأوضح من هذا ما في الرواية الأخرى؛ من أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤخّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق، فظاهر ذلك حجة على أبي حنيفة؛ حيث منع الجمع المذكور، وهذا إنما فعله ابن عمر والنبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما زالت عليهما الشمس وغربت وهما يجدّان السير، فلو أراد أن يرتحل بعد الزوال ناويًا أن لا ينزل حتى يخرج وقت الصلاتين صلى الأولى في أول الوقت، والثانية بعدها مجموعة إليها.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وله أن يجمع بين الصلاتين في وقت أيهما شاء، والاختيار: في آخر وقت الأولى، وأول وقت الثانية. وكونه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب، ولم يصل العصر مجموعة إليها؛ إما لأنه نوى أن ينزل في وقت العصر، وإما لأنه لم يرد أن يجمع بينهما؛ لأن الجمع هنا غايته أن يكون جائزًا للرّخصة، وإما أنه لم يجدّ به السير، والله تعالى أعلم.
وقوله في حديث ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم أخّر الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر ولا مطر: قد أخذ الناس في تأويل هذا الحديث مآخد، وأولاها: أن هذا الجمع يمكن أن يكون المراد به تأخير الأولى إلى أن يفرغ منها في آخر وقتها، ثم بدأ بالثانية في أول وقتها، وإلى هذا يشير تأويل أبي الشعثاء، ويدل على صحة هذا التأويل: أنه قد بقي فيه الأعذار المبيحة للجمع التي هي:
وَفِي رِوَايَةٍ: بِالمَدِينَةِ فِي غَيرِ خَوفٍ وَلا مَطَرٍ. قِيلَ لابنَ عَبَّاسٍ: ما أَرَادَ إلى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَن لا يُحرِجَ أُمَّتِهِ.
رواه أحمد (3/ 138)، والبخاري (1112)، ومسلم (705)(49 و 54).
[587]
- وعَنهُ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبعًا جَمِيعًا. قِيلَ: يَا أَبَا الشَّعثَاءِ! أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهرَ وَعَجَّلَ العَصرَ، وَأَخَّرَ المَغرِبَ وَعَجَّلَ العِشَاءَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَلكَ.
رواه أحمد (1/ 221)، والبخاري (1174)، ومسلم (705)(55)، وأبو داود (1210 - 1214)، والترمذي (187)، والنسائي (1/ 290).
[588]
- وَعَن مُعَاَذ بنِ جَبَلٍ قَالَ: خَرَجنا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِي الظُّهرِ وَالعَصرِ جَمِيعًا، والمَغرِبِ وَالعِشَاءِ جَمِيعَا، فَقِيلَ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرَادَ أَن لا يُحرِجَ أُمَّتَهُ.
رواه مسلم (706)(52) و (705)(51)، وأبو داود (1206 و 1208)، والترمذي (553 و 554)، والنسائي (1/ 285)، وابن ماجه (1070).
* * *
ــ
الخوف والسفر والمطر، وإخراج الصلاة عن وقتها المحدود لها بغير عذر لا يجوز باتفاق، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم.
وقول من تأوّله على أنه كان في مطر، قد أبطلته هذه الرواية الصحيحة التي قال فيها: من غير خوف ولا مطر.
وقوله: أراد أن لا يُحرِج أمته: روي بالياء باثنتين من أسفل وبضمها، وأمته منصوبًا على أنه مفعول، وبفتح التاء باثنتين من فوق، وضم أمته على أنها فاعله، ومعناه: إنما فعل ذلك لئلا يشق عليهم، ويثقل، فقصد إلى التخفيف عنهم مع المحافظة على إيقاع كل صلاة في وقتها على ما تأوّلناه، والله أعلم.