الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(109) باب استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان
[650]
- عَن عبد الله، قَالَ: ذُكِرَ عِندَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ نَامَ لَيلَةً حَتَّى أَصبَحَ، قَالَ: ذَلكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ فِي أُذُنَيهِ. أَو قَالَ: فِي أُذُنِهِ.
رواه أحمد (1/ 375)، والبخاري (3270)، ومسلم (774)، والنسائي (3/ 204)، وابن ماجه (1330).
ــ
كذا وكذا؛ لزمه أحد وعشرون، وإن قال: كذا درهمًا؛ لزمه عشرون؛ بناء على أقل ما تقتضيه هذه الكنايات. وعلى هذا الأصل فيكون قوله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا؛ أنه أقل ما يحمل عليه إحدى وعشرون آية. ولا يجوز في آية في الحديث إلا النصب على ما حكيناه. وقد تقدم القول في نسيان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه إن نسي شيئًا من الوحي لا يقرّ على نسيانه، إلا أن يكون ذلك نسخًا، كما قال تعالى:{سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} والله أعلم به.
(109)
ومن باب: استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان
قوله: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه: يصح بقاؤه على ظاهره؛ إذ لا إحالة فيه، ويفعل ذلك استهانة به، ويحتمل أن يحمل على التوسُّع، فيكون معناه: أن الذي ينام الليل كله ولا يستيقظ عند أذان المؤذنين، ولا تذكار المذكرين؛ فكأن الشيطان سدَّ أذنيه ببوله، وخصّ البول بالذكر إبلاغًا في التفحيش به، وليجتمع له مع إذهاب سمعه استقذار ما صرف به سمعه، ويحتمل أن يكون معناه: أن الشيطان استولى عليه واستهان به، حتى قد اتخذه كالكَنيف المُعَدّ لإلقاء البول فيه. والله أعلم.
[651]
- وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: أَلا تُصَلُّونَ؟ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنفُسُنَا بِيَدِ الله، فَإِذَا شَاءَ أَن يَبعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ قُلتُ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ سَمِعتُهُ وَهُوَ مُدبِرٌ يَضرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ:{وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلا} .
رواه أحمد (1/ 102)، والبخاري (1127)، ومسلم (775)، والنسائي (3/ 205 - 206).
[652]
- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ يبلغُ بِهِ الَّنِبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَعقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أَحَدِكُم ثَلاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ،
ــ
وقوله: طَرَقَهُ وفاطمة؛ أي: أتاهما ليلا، والطارق هو الآتي بالليل، ومنه سُمّيَ النجم: طارقًا في قوله: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} وهذا الإتيان منه صلى الله عليه وسلم؛ إنما كان منه ليوقظهما للصلاة؛ بدليل قوله: ألا تصلون؟ ! وقد استنكر منهما نومهما في تلك الليلة؛ إذ خالفا عادتهما، ووقت قيامهما؛ ولذلك اعتذر له علي رضي الله عنه بقوله: إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء بعثها؛ أي: أيقظها. وانصراف النبي صلى الله عليه وسلم عند سماعه هذا الكلام منه، وضربه فخذه، وتمثُّله بالآية؛ يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرض بذلك الجواب منه؛ لأن الحزم والتهمُّم بالشيء يقتضي أن لا ينام عنه؛ لأن من تحقق رجاؤه بشيء، واشتَّدت عنايته به ورغبته فيه، أو خاف من شيء مكروه؛ قلّ ما يصيبه ثقيل النوم، أو طويله. والله أعلم.
وقوله: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد. هذا العقد الذي يعقده الشيطان كأنه من باب عقد السواحر {النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ} ؛ وذلك بأنهن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه عقدة منه، ويتكلَّمن عليه بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك؛ إما بمرض، أو تخييل، أو تحريك قلب، أو تحزين، أو غير ذلك، فشبَّه فعل الشيطان بالنائم بفعل السواحر، وذلك أن النائم
بِكُلِّ عُقدَةٍ يَضرِبُ عَلَيكَ لَيلا طَوِيلا، فَإِذَا استَيقَظَ فَذَكَرَ الله؛ انحَلَّت عُقدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انحَلَّت عَنهُ عُقدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انحَلَّتِ العُقَدُ، فَأَصبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفسِ، وَإِلا أَصبَحَ خَبِيثَ النَّفسِ كَسلانَ.
ــ
كلما أراد أن يقوم ليذكر الله أو يصلي غرّه وخدعه؛ بأن يقول له: عليك ليل طويل فارقد، فيريه أنه لطول ما بقي عليه من الليل ما يمكنه استيفاء راحته من النوم، وقيامه بعد ذلك لحزبه، فيصغي لذلك ويرقد، ثم إن استيقظ ثانية فعل به ذلك، وكذلك ثالثة، فلا يستيقظ من الثالثة إلا وقد طلع الفجر، فيفوته ما كان أراد من القيام. وإنما خص العقد بثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر، فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات؛ لم تتقض النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع. والله أعلم.
وروايتنا الصحيحة: عليك ليل طويل؛ على الابتداء والخبر، وقد وقع في بعض الروايات: عليك ليلا طويلا؛ على الإغراء، والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور، من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرقاد بقوله: فارقد وإذا نُصِبَ على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: فارقد ضائعًا. والله أعلم.
وقافية الرأس: آخره، وكذلك قافية كل شيء، ومنه: قافية الشِّعر.
وقوله: فأصبح نشيطًا طيِّبَ النفس؛ أي: نشيطًا لما يرد عليه من عبادات أُخر؛ من صلوات وغيرها، فإنه يألف العبادات ويعتادها، حتى تصير له شِربًا (1)، فتذهب عنه مشقتها، ولا يستغني عنها.
وطيب النفس؛ لرجاء ثواب ما فعل؛ ولانشراح صدره بما يستقبل. والله أعلم.
وقوله: وإلا أصبح خبيث النفس كسلان؛ أي: بشؤم تفريطه، وبإتمام
(1)"شِرْبًا": مَوْرِدًا.
رواه أحمد (2/ 243)، والبخاري (3269)، ومسلم (776)،
وأبو داود (1306)، والنسائي (3/ 203 - 204)، وابن ماجه (1329).
* * *
ــ
خديعة الشيطان عليه؛ إذ قد حمله على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل. وكسلان؛ أي: متثاقل عن الخيرات فلا يكاد تسخو نفسه، ولا تخف عليها صلاة، ولا غيرها من القربات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات.
وكسلان: غير منصرف؛ للألف والنون الزائدتين، وهو مذكر كسلى. وقد وقع لبعض رواة الموطأ: كسلانًا مصروفًا، وليس بشيء، وقد أضاف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الخبث للنفس، مع أنه قد قال في حديث آخر: لا يقل أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي (1)، ولا تعارض بينهما؛ لأن الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو: أن يطلق الإنسان على نفسه لفظ الخبث، وهو مذموم، فيذم نفسه، ويضيف الذم إليها، وهو ممنوع في مثل هذا، وأما لو أضاف الإنسان لفظ الخبث إلى غيره مما يصدق عليه، لم يكن ذلك مذمومًا ولا ممنوعًا. والله أعلم.
ولقست: معناه غثت (2)، ويقال: مقست بالميم والقاف، ونقست بالنون، وكله بمعنى خبثت، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كره إطلاق ذلك اللفظ، فنقل إلى غيره، كما قررناه. وقد غيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم عاصية بجميلة (3)، وكره لفظ العقوق (4)، وهذا النحو كثير عنه صلى الله عليه وسلم.
(1) رواه البخاري (6180)، ومسلم (2251) من حديث سهل بن حنيف.
(2)
"غثت": فسدت.
(3)
رواه مسلم (2139)، وأبو داود (4952)، والترمذي (2840)، وابن ماجه (3773) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(4)
رواه البخاري (6473)، ومسلم (2089) من حديث المغيرة رضي الله عنه.