الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(7) باب شهود النساء صلاة الكسوف
[784]
- عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: خَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَدَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلتُ: مَا شَأنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَت بِرَأسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلتُ: آيَةٌ؟ قَالَت: نَعَم. فَأَطَالَ
ــ
(7)
ومن باب: شهود النساء صلاة الكسوف
اختلف في مخاطبة النساء بصلاة الكسوف، فقيل: يُخاطب بها الجميع والنساء والمسافرون، وهذا مشهور مذهب مالك، وعند الشافعي. وروي عن مالك أيضًا ما يدل على أنه يخاطب بها من يُخاطب بالجمعة، فيخرج منها النساء والمسافرون. وذهب الكوفيون إلى أنهن يُصلين أفذاذًا (1) لا جماعة. وهذا الحديث وحديث جابر يدلان على حضور النساء لها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما خرجن من بيوتهن ولا حضرن الصلاة إلا وقد صح عندهن أنهن مخاطبات بذلك. وأيضًا فإن قوله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة؛ يدل على أنهن مخاطبات بذلك، وهذا الخطاب وإن كان أصله للذكور؛ فالنساء مندرجات فيه؛ كما اندرجن في قوله - تعالى -:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ فَاغسِلُوا} و {كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ} ، وغير ذلك من خطابات التعبدات العامة، والنساء داخلات فيها باتفاق. واختلف فيمن فاتته صلاة الكسوف مع الإمام، هل يصليها وحده؟ على قولين لأهل العلم، ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه، وهو أصل مالك: في أن السنن لا تُقضى إذا فاتت بفوات أفعالها أو أوقاتها.
(1) في (ع) و (ظ): أفرادًا.
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم القِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلانِي الغَشيُ - أَو الغَشِيُّ - فَأَخَذتُ قِربَةً مِن مَاءٍ إِلَى جَنبِي، فَجَعَلتُ أَصُبُّ عَلَى رَأسِي، أَو عَلَى وَجهِي مِنَ المَاءِ، قَالَت: فَانصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمسُ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، مَا مِن شَيءٍ لَم أَكُن رَأَيتُهُ إِلا قَد رَأَيتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَد أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَو مِثلَ فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيُؤتَى أَحَدُكُم فَيُقَالُ: مَا عِلمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤمِنُ أَوِ المُوقِنُ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللهِ جَاءَ بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى؛ فَأَجَبنَا وَأَطَعنَا ثَلاثَ مِرَارٍ، فَيُقَالُ لَهُ: نَم. قَد كُنَّا نَعلَمُ أنَّكَ مُؤمِن بِهِ، فَنَم صَالِحًا، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرتَابُ (لا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَت أَسمَاءُ) فَيَقُولُ: لا أَدرِي، سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئًا فَقُلتُ.
رواه البخاري (184)، ومسلم (905)(11)، وابن ماجه (1265).
ــ
وقولها: حتى تجلاني الغَشيُ أو الغَشِيُّ: الأول بسكون الشين، والثاني بكسرها، وكلاهما بالغين المعجمة، وهما بمعنى واحد، وهو حقيقة (1) الإغماء، وأتى الراوي باللفظين لأنه شك هل سمعه منها مُسَكّنة أو مثقَّلة. ووقعت هذه اللفظة عند الطبري بالعين المهملة، وليس بشيء.
وقولها: فجعلت أصب على رأسي ووجهي الماء، هذا كان منها لطول القيام وشدة الحر، وكأنها رأت أن فعل مثل هذا مع شدة الحاجة إليه يجوز؛ لخفة أمر ما ليس بفريضة، ولأن هذا الفعل ليس من قبيل العمل الكثير الذي ينصرف به عن الصلاة؛ كتأخر النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدمه في هذه الصلاة. وفي هذا الحديث أبواب كثيرة
(1) في (ع) و (ظ): خفيف.
[785]
- وَعَنهَا قَالَت: كَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم فَفَزِعَ، فَأَخطَأَ بِدِرعٍ، حَتَّى أُدرِكَ بِرِدَائِهِ بَعدَ ذَلِكَ. قَالَت: فَقَضَيتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئتُ فَدَخَلتُ المَسجِدَ، فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا، فَقُمتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ القِيَامَ حَتَّى رَأَيتُنِي أُرِيدُ أَن أَجلِسَ، ثُمَّ أَلتَفِتُ إِلَى المَرأَةِ الضَّعِيفَةِ،
ــ
من الفقه؛ منها ما ذكر، ومنها ما لم يذكر، إلا أنها لا تخفى على المتأمل الفطن.
وقول عائشة: ففزع فأخطأ بدرع، قد (1) تقدم الكلام على الفزع، ومعنى: أخطأ بدرع؛ أي أخطأ في ثوبه فلبس درعًا غَيره لاستعجاله، وفي بعض الروايات: فخطا بدرع - ثلاثيًّا -. قال القاضي: ولعله: خطئ. قال ابن عرفة: أخطأ في العمد وغيره، وخطئ بمعناه، وكلاهما مهموز. وقال الأزهري: أخطأ: إذ لم يتعمد، وخطئ: إذا تعمد. والخطأ: ضد الصواب، مهموز يُمد ويقصر، والمد قليل، والمصدر ممدود: خطّاء وإخطاء. والخِطء - بكسر الخاء وسكون الطاء -: الإثم، فأما الخِطاء بالكسر والمد: فهو من التخطي. قلت: ويظهر لي أن معنى قولها: أخطأ بدرع؛ أي: أخطأ فانصرف بدرع وحده من غير رداء، ولذلك قالت: حتى أُدرك بردائه. وأما رواية من رواه: فخطا؛ فأظن تلك الرواية وقعت بغير همز؛ من الخطو، يقال: خطأ يخطو خطوًا، والواحدة: خطوة؛ كما قال الشاعر:
ومَرَّ يَخطُو سَرِيعًا فِي تَأَوُّدِهِ
…
يَا لَيتَهُ فِي سَوَادِ النَّاظِرين خَطَا
فيكون معناه: أنه مشى خطوات بدرعه من غير رداء حتى أُدرك بردائه، والله أعلم.
(1) من (هـ) و (ظ) و (ل).
فَأَقُولُ: هَذِهِ أَضعَفُ مِنِّي فَأَقُومُ، فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَأَطَالَ القِيَامَ حَتَّى لَو أَنَّ رَجُلا جَاءَ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهُ لَم يَركَع.
رواه البخاري (1058)، ومسلم (906)(16).
* * *
ــ
وقوله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله - تعالى -؛ أي: إن كسوفهما آية من آيات الله؛ لأنه الذي خرج الحديث بسببه، ثم هل يتعدى الأمر بالصلاة عند الكسوف إلى كل آية مخوفة؛ كالزلازل والصواعق، والرياح الشديدة، وشبهه من الآيات؟ فذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وأشهب إلى الصلاة عند ذلك كله. وقد روي عن مالك، وروي عن ابن عباس وابن مسعود، والمشهور عن مالك والشافعي والجمهور: أن ذلك مخصوص بالكسوف؛ لأن قوله: هما آيتان. لم يخرج مخرج التعليل، وإنما خرج مخرج الإعلام؛ كما قال: فإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما هما (1) آيتان من آيات الله. والله أعلم.
* * *
(1) في (ع): وإنهما.