الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(55) باب ما جاء في سجود القرآن
[464]
- عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم القُرآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجدَةِ فَيَسجُدُ بِنَا حتى ازدَحَمنَا عِندَهُ،
ــ
وكأن الأول أظهر. وحديث عمران بن حصين هذا واقعة أخرى غير واقعة حديث أبي هريرة، وقد توارد الحديثان على أن السجود للزيادة بعد السلام، كما هو مشهور مذهب مالك، فانتهضت حجتهُ والحمد لله.
وفي حديث ذي اليدين حجة لمالك على قوله: إن الحاكم إذا نسي حكمه فشهد عنده عدلان بحكم؛ أمضاه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه لا يمضيه حتى يذكره، وأنه لا يَقبل الشهادة على نفسه، بل على غيره، وهذا إنما يتم لمالك إذا سلم له أن رجوعه إلى الصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقنه ما كان قد نسيه.
(55)
ومن باب: سجود القرآن
قوله: ربما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فيمر بالسجدة، فيسجد بنا، حتى ازدحمنا عنده هذا يدل على أن سجود القرآن أمر مشهور معمول به في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استمر العمل عليه، ولذلك قال مالك: الأمر عندنا: إن عزائم القرآن: إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء (1)، وبدليل فعل عمر وغيره. وقد اختلف العلماء في حكمه، وعدده، ومحله، ووقته، وشرطه، فلترسم في ذلك مسائل:
المسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى وجوبه عند قراءة موضع السجدة،
(1) ساقط من الأصول، واستدركناه من الموطأ (1/ 207).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محتجًّا في ذلك بما في كتاب الله من الأمر بالسجود؛ كقوله: {فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا} وكقوله: واسجد واقترب، وغير ذلك. وبقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار (1).
وجمهور الفقهاء على أن سجود التلاوة ليس بواجب، وصرفوا ما ذكر من الأمر بالسجود إلى الصلاة الواجبة. واختلف أصحابنا هل هو سنة أو فضيلة؟ على قولين، فإذا قلنا: إنه ليس بواجب، فالأولى أن يكون سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد داوم عليه وفعله في جماعة، وفعله الناس بعده، فتأكد أمره، فيكون سنة، والله أعلم.
المسألة الثانية: واختلف في عدد سجدات القرآن، فأقصى ما قيل في عددها: خمس عشرة؛ أوّلها: خاتمة الأعراف، وآخرها: خاتمة العلق، قاله ابن حبيب من أصحابنا، وابن وهب في رواية، وإسحاق. وقيل: أربع عشرة. قاله ابن وهب، وأسقط ثانية الحج، وهو قول أبي حنيفة وأهل الرأي (2)، وقول الشافعي، إلا أنه أسقط سجدة ص (3)، وأثبت آخرة الحج، وقيل: إحدى عشرة، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل، وهو مشهور (4) مذهب مالك وأصحابه، وروي عن ابن عمر وابن عباس. وقيل: عشرة، وأسقط آخرة الحج، وص، وثلاث المفصل؛ ذُكر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع سجدات: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، والعلق. وسبب الخلاف: اختلاف النقل في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأمر بالسجود في القرآن: هل المراد به سجود التلاوة، أو سجود الفرض، والله أعلم.
(1) رواه أحمد (2/ 440 و 443)، ومسلم (81) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
ساقط من (ع).
(3)
في (م) و (ل) و (ط): النجم.
(4)
ساقط من (ع).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسألة الثالثة: وأما محله: فمهما قرأ القرآن، ومرّ بموضع سجدة سجد إذا كان في وقتها على ما يأتي، وإن كان في صلاة ففي النافلة إن كان منفردًا، وفي جماعة يأمن التخليط فيها. فإن كان في جماعة لا يأمن فيها ذلك، فالمنصوص جوازه، وقيل: لا يسجد فيها. وأما في الفريضة: فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء كانت صلاة (1) سرٍّ أو جهرٍ، جماعة أو فرادى، وهو معلل بكونها زيادة في أعداد السجود في الفريضة. وقيل: هو معلل بخوف التخليط على الجماعة، وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى، ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط.
المسألة الرابعة: وأما وقته، فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقًا؛ لأنها صلاة لسبب، وهو قول الشافعي وجماعة. وقيل: ما لم يسفر الصبح، أو: ما لم تصفر الشمس بعد العصر. وقيل: لا يسجد بعد العصر، ولا بعد الصبح. وقيل: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجد بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا، وسبب الخلاف: معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها، لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله أعلم.
المسألة الخامسة: في شرطه. قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى: لا خلاف أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة؛ من طهارة حدث ونجس، ونية، واستقبال قبلة، ووقت، على ما تقدم. وهل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده، وتكبير وتسليم؟ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع يديه للتكبير لها، ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة، واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة من السلف وإسحاق بن
(1) من (ل) و (ط) و (ج 1).
حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا يَسجُدَ فِيهِ فِي غَيرِ صَلاةٍ.
رواه البخاري (1075)، ومسلم (575)(104)، وأبو داود (1411 - 1413).
[465]
- وَعَن عَبدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجمِ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَن كَانَ مَعَهُ، غَيرَ أَنَّ شَيخًا أَخَذَ كَفًّا مِن حَصباء أَو تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبهَتِهِ، وَقَالَ: يَكفِينِي هَذَا. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَقَد رَأَيتُهُ بَعدُ قُتِلَ كَافِرًا.
ــ
راهويه: إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام، وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب (1).
وقوله: حتى ما يجد أحدنا مكانًا يسجد فيه، وفي لفظ آخر: مكانًا لجبهته. اختلف فيمن اعتراه ذلك، فقال الداودي: مالك يرى لمن نزل به مثل ذلك أن يسجد إذا رفع غيره، وكان عمر يرى أن يسجد على ظهر أخيه. واختلف في الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة في خطبته، فقال مالك: يمرّ في خطبته ولا يسجد، وقال الشافعي: ينزل ويسجد، وإن لم يفعل أجزأه. وقد روي عن عمر في الموطأ (2)، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنهما نزلا وسجدا، رواه أبو داود (3) وهو صحيح.
وقوله: قرأ وَالنَّجمِ فسجد فيها: كان هذا منه متقدمًا، وكذلك قيل في سجود الانشقاق، واقرَأ. والذي استقر عليه العمل: السجود في العزائم الإحدى عشرة؛ التي ليس في المفصل منها شيء.
وقوله: غير أن شيخًا أخذ كفًّا من حَصىً: هذا الشيخ هو أمية بن خلف،
(1) ساقط من (ع).
(2)
رواه مالك في الموطأ (1/ 206).
(3)
رواه أبو داود (1410) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
رواه البخاري (1070)، ومسلم (576)، وأبو داود (1406)، والنسائي (2/ 160).
[466]
- وعن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَالنَّجمِ إِذَا هَوَى} فلم يسجد.
رواه مسلم (577)، والنسائي (2/ 160).
ــ
قتل يوم بدر كافرًا، وإنما سجد لما روي أنه سجد حينئذ مع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس، قاله ابن عباس. ورواه البزار (1)، حتى شاع أن أهل مكة قد أسلموا، وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك، وكان سبب سجودهم - فيما قال ابن مسعود -: أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة. وروى أصحاب الأخبار والمفسرون: أن سبب ذلك: ما جرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم، ولا يصحّ هذا من طريق النقل ولا العقل، وأشهر طريق النقل فيه عن الكلبي، وهو كذاب، وأما العقل فلا يصدق بذلك لأمور مستحيلة، قد عددها القاضي عياض في الشفاء (2).
وقول زيد: لا قراءة مع الإمام في شيء؛ يعني: لازمة. وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقول عطاء عن زيد: أنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: وَالنَّجمِ فلم يسجد يشكل بما قدمناه في الزعم: أنه القول غير المحقق، ويزول الإشكال بأن
(1) رواه ابن مردويه وابن أبي شيبة عن الشعبي. انظر: (الدر المنثور 7/ 639).
(2)
الشفا (1/ 282 وما بعدها).
[467]
وعن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَجَدنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت} و {اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ}
رواه مسلم (578)، وأبو داود (1407)، والترمذي (578)(108)، والنسائي (2/ 161 - 162)، وابن ماجه (1058).
* * *
ــ
ما قدمناه هو الأصل في وصفه، وقد يقال على الخبر المحقق؛ كما قال الشاعر (1):
. . . . . . . . . . . .
…
على الله أرزاق العباد كما زَعَم (2)
قال الهروي: زعم هنا بمعنى: أخبر، ويجوز أن يقال: إن زعم؛ بمعنى: ضمن، ومنه الحديث: الزعيم غارم (3). قلت: وهذا يصح في معنى البيت، ويبعد أن يحمل عليه ما في الحديث. ويقال: زعُمَ، وزعَمَ، وزَعِمَ، بالضم، والفتح، والكسر.
وهذا الحديث يدل على أن قوله تعالى في سورة النَّجمِ: {فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا} إنه لا يراد منه (4) سجود التلاوة، إذ لو كان لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال مالك: إنها ليست من العزائم.
وحديث أبي هريرة في سجود النبي صلى الله عليه وسلم في: الانشقاق و: اقرَأ حجة لابن وهب ومن قال بقوله، وقد قدمنا أن ذلك كان من فعله متقدمًا، وأن العمل استقر على ترك ذلك. ويصح الجمع بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفصل بما قد روي عن مالك: أنه خَيَّر فيها، والله أعلم.
(1) هو عمرو بن شأس.
(2)
وصدره: تقول هلكنا إن هلكت وإنما.
(3)
رواه أبو داود (3565)، والترمذي (1265) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.
(4)
في (م): يراد به غيره، وفي (ل) و (ط): لا يراد به سجود التلاوة.