المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(55) باب ما جاء في سجود القرآن - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٢

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(3) كتاب الصلاة

- ‌(1) باب ما جاء في الأذان والإقامة

- ‌(2) باب الأذان أمان من الغارة، وما جاء في اتخاذ مُؤذِّنَينِ

- ‌(3) باب إذا سَمِعَ المؤذن قال مثل ما قال، وفضل ذلك، وما يقول بعد الأذان

- ‌(4) باب فضل الأذان وما يُصيب الشيطان عنده

- ‌(5) باب رفع اليدين في الصلاة، ومتى يرفعهما؟ وإلى أين

- ‌(6) باب التكبير في الصلاة

- ‌(7) باب ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها

- ‌(8) باب ترك قراءة بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة

- ‌(9) باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة

- ‌(10) باب التَّشَهُّد في الصلاة

- ‌(11) باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(12) باب التَّحمِيد والتَّأمِين

- ‌(13) باب إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ به

- ‌(14) باب استخلاف الإمام إذا مرض، وجواز ائتمام القائم بالقاعد

- ‌(15) باب العمل القليل في الصلاة لا يضرها

- ‌(16) باب إذا نَابَ الإمامَ شيءٌ فَليُسَبِّح الرجالُ وَليُصَفِّق النساءُ

- ‌(17) باب الأمر بتحسين الصلاة، والنهي عن مسابقة الإمام

- ‌(18) باب النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، وعن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، والأمر بالسكون فيها

- ‌(19) باب الأمر بتسوية الصفوف، ومن يلي الإمام

- ‌(20) باب في صفوف النساء وخروجهن إلى المساجد

- ‌(21) باب في قوله تعالى: {وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا}

- ‌(22) باب القراءة في الظهر والعصر

- ‌(23) باب القراءة في الصبح

- ‌(24) باب القراءة في المغرب والعشاء

- ‌(25) باب أمر الأئمة بالتخفيف في تمام

- ‌(26) باب في اعتدال الصلاة وتقارب أركانها

- ‌(27) باب اتباع الإمام والعمل بعده

- ‌(28) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع

- ‌(29) باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود

- ‌(30) باب ما يقال في الركوع والسجود

- ‌(31) باب الترغيب في كثرة السجود، وعلى كم يسجد؟ وفيمن صلى معقوص الشعر

- ‌(32) باب كيفية السجود

- ‌(33) باب تحريمُ الصلاةِ التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ

- ‌(34) باب في سترة المصلي وأحكامها

- ‌(35) باب مَنع المصلي مَن مَرَّ بين يديه، والتَّغليِظ في المرور بين يدي المصلي

- ‌(36) باب دنو المصلي من سترته وما جاء فيما يقطع الصلاة

- ‌(37) باب اعتراض المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة

- ‌(38) باب الصلاة بالثوب الواحد على الحصير

- ‌(39) باب أول مسجد وضع في الأرض، وما جاء أن الأرض كلها مسجد

- ‌(40) باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(41) باب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة، والنهي عن بناء المساجد على القبور وعن التصاوير فيها

- ‌(42) باب ثواب من بَنَى للهِ مسجدًا

- ‌(43) باب التطبيق في الركوع وما ثبت من نسخه

- ‌(44) باب [جواز الإقعاء على العقبين]

- ‌(45) باب نسخ الكلام في الصلاة

- ‌(46) باب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة، ولعن الشيطان

- ‌(47) باب جواز حمل الصغير في الصلاة، وجواز التقدم والتأخر، ومن صلى على موضع أرفع من موضع المأموم

- ‌(48) باب النهي عن الاختصار في الصلاة، وما يجوز من مس الحصى فيها، وما جاء في البصاق في المسجد

- ‌(49) باب الصلاة في النعلين والثوب المعلم وبحضرة الطعام

- ‌(50) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل، وإخراج من وُجد منه ريحها من المسجد

- ‌(51) باب النهي عن أن تنشد الضالَّة في المسجد

- ‌(52) باب الأمر بسجود السهو، وما جاء فيمن سها عن الجلسة الوسطى

- ‌(53) باب فيمن لم يّدرِ كم صلى

- ‌(54) باب فيمن سلَّم من اثنتين أو ثلاث

- ‌(55) باب ما جاء في سجود القرآن

- ‌(56) باب كيفية الجلوس للتشهد

- ‌(57) باب كم يسلم من الصلاة، وبأي شيء كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌(58) باب الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره

- ‌(59) باب قدر ما يقعد الإمام بعد السلام وما يقال بعده

- ‌(60) باب السكوت بين التكبير والقراءة في الركعة الأولى وما يقال فيه

- ‌(61) باب فضل التحميد في الصلاة

- ‌(62) باب إتيان الصلاة بالسكينة، ومتى تقام؟ ومتى يقام لها؟ وإتمام المسبوق

- ‌(63) باب من أدرك ركعة من فعل الصلاة أو وقتها فقد أدركها

- ‌(64) باب إذا ذكر الإمام أنه مُحدِث خرج فأمرهم بانتظاره

- ‌(65) باب أَوقَات الصَّلَوَاتِ

- ‌(66) باب الإبراد بالظهر في شدة الحر

- ‌(67) باب تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد

- ‌(68) باب تعجيل صلاة العصر

- ‌(69) باب ما جاء في الصلاة الوسطى

- ‌(70) باب من فاتته صلوات كيف يقضيها

- ‌(71) باب المحافظة على الصبح والعصر

- ‌(72) باب تعجيل صلاة المغرب

- ‌(73) باب تأخير العشاء الآخرة

- ‌(74) باب التغليس بصلاة الصبح

- ‌(75) باب المنع من إخراج الصلاة عن وقتها

- ‌(76) باب صلاة الفذ جائزة، والجماعة أفضل

- ‌(77) باب التغليظ في التخلف عن الجماعة والجمعة

- ‌(78) باب النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، وفضل العشاء والصبح في جماعة

- ‌(79) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر

- ‌(80) باب صلاة النفل في جماعة، والصلاة على البسط وإن عتقت وامتهنت

- ‌(81) باب فضل انتظار الصلاة في المسجد

- ‌(82) باب من كانت داره عن المسجد أبعد كان ثوابه في إتيانه أكثر

- ‌(83) باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات

- ‌(84) باب الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح

- ‌(85) باب في الإمامة، ومن أحق بها

- ‌(86) باب ما جاء في القنوت والدعاء للمُعَيَّنِ وعليه في الصلاة

- ‌(87) باب من نام عن صلاة أو نسيها

- ‌(88) باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فله أن يؤذن إذا كان في جماعة، ويصلي ركعتي الفجر

- ‌(89) باب ما جاء في حكم قَصرِ الصلاة في السفر

- ‌(90) باب من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه، واستمراره على القصر ما لم ينو إقامة

- ‌(91) باب قَصر الصلاة بِمنىً

- ‌(92) باب جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر

- ‌(93) باب التنفل والوتر على الراحلة في السفر

- ‌(94) باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر

- ‌(95) باب الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال

- ‌(96) باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة

- ‌(97) باب ما يقول عند دخول المسجد، والأمر بِتحيَّتِهِ

- ‌(98) باب في صلاة الضحى

- ‌(99) باب الوصية بالضحى وأقله ركعتان

- ‌(100) باب ما جاء في ركعتي الفجر

- ‌(101) باب رواتب الفرائض وفضلها

- ‌(102) باب في صلاة النفل قائمًا وقاعدًا

- ‌(103) باب كيف صلاة الليل وكم عددها

- ‌(104) باب في صلاة الوتر

- ‌(105) باب فيمن غلب عن حزبه، وفيمن خاف أن يغلب عن وتره، وفضل طول القنوت وآخر الليل

- ‌(106) باب الترغيب في قيام رمضان وليلة القدر وكيفية القيام

- ‌(107) باب في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، وتَبَتُّلِه ودُعَائِهِ

- ‌(108) باب ترتيل القراءة والجهر بها في صلاة الليل وتطويلها

- ‌(109) باب استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان

- ‌(110) باب أفضل النوافل ما صُلِّي في البيت

- ‌(111) باب أَحَبُّ العمل إلى الله أَدوَمُهُ وإن قَلَّ، وكراهية التَّعَمُّقِ والتشديد

- ‌أبواب فضائل القرآن وما يتعلق بها

- ‌(112) باب الأمر بِتَعاهُدِ القرآن، وذَمِّ من فرط فيه حتى نسي

- ‌(113) باب تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها

- ‌(114) باب إقراء النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وتعليمه كيفية الأداء

- ‌(115) باب فضل تعلُّم القرآن وقراءته وفضل سورة البقرة وآل عمران

- ‌(116) باب فضل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة

- ‌(117) باب فضل سورة الكهف، وتنزل السكينة عند قراءتها

- ‌(118) باب فضل قراءة {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

- ‌(119) باب فضل قراءة المعوذتين

- ‌(120) باب لا حسد إلا في اثنتين، ومن يرفع بالقرآن

- ‌(121) باب إنزال القرآن على سبعة أحرف

- ‌(122) باب قراءة سورتين في ركعة من النوافل

- ‌(123) باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها

- ‌(124) باب في الركعتين بعد العصر

- ‌(125) باب الركوع بعد الغروب وقبل المغرب

- ‌(126) باب صلاة الخوف

- ‌(4) كتاب الجمعة

- ‌(1) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده، ومن اقتصر على الوضوء أجزأه

- ‌(2) باب فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه

- ‌(3) باب فضل التهجير للجمعة ووقتها

- ‌(4) باب الإنصات للخطبة وفضله

- ‌(5) باب الخطبة، والقيام لها، والجلوس بين الخطبتين، والإشارة باليد

- ‌(6) باب ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها

- ‌(7) باب ركوع من دخل والإمام يخطب، والتعليم في حالة الخطبة

- ‌(8) باب ما يُقرَأُ به في صلاة الجمعة، وفي صبح يومها

- ‌(9) باب ما جاء في التنفل بعد الجمعة

- ‌(10) باب التغليظ في ترك الجمعة

- ‌(5) أبواب صلاة العيدين

- ‌(1) باب الخروج إلى المصلى في العيدين، وخروج النساء

- ‌(2) باب لا صلاة قبل صلاة العيدين في المصلى، ولا أذان ولا إقامة

- ‌(3) باب الصلاة فيهما قبل الخطبة

- ‌(4) باب ما يقال في الخطبة

- ‌(5) باب ما يقرأ في صلاة العيدين

- ‌(6) باب الفرح واللعب في أيام الأعياد

- ‌(6) أبواب الاستسقاء

- ‌(1) باب الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء، وكيفية العمل فيها

- ‌(2) باب الدعاء في السُّقيَا في المسجد وبغير صلاة

- ‌(3) باب التبرك بالمطر، والفرح به، والتعوُّذ عند الريح والغيم

- ‌(7) أبواب كسوف الشمس والقمر

- ‌(1) باب الأمر بالصلاة والذكر والصدقة عند الكسوف

- ‌(2) باب كيفية العمل فيها، وأنها ركوعان في كل ركعة

- ‌(3) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات

- ‌(4) باب ما جاء أن في كل ركعة أربع ركعات

- ‌(5) باب يطول سجودها كما يطول ركوعها

- ‌(6) باب ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل

- ‌(7) باب شهود النساء صلاة الكسوف

- ‌(8) كتاب الجنائز

- ‌(1) باب تلقين الموتى، وما يقال عند المصيبة، وعند حضور المرضى والموتى

- ‌(2) باب في إغماض الميت، والدعاء له

- ‌(3) باب ما جاء في البكاء على الميت، وعنده

- ‌(4) باب في عيادة المريض، والصبر عند الصدمة الأولى

- ‌(5) باب ما جاء أن الميت ليعذبُ ببكاءِ الحَيِّ عليه

- ‌(6) باب التشديد في النياحة، وما جاء في اتباع الجنائز

- ‌(7) باب الأمر بغسل الميت وكيفيته

- ‌(8) باب في تكفين الميت وتسجيته، والأمر بتحسين الكفن

- ‌(9) باب الإسراع بالجنازة، وفضل الصلاة عليها، واتباعها

- ‌(10) باب الاستشفاع للميت، وأن الثناء عليه شهادة له، وأنه مستريح ومستراح منه

- ‌(11) باب الأمر بالصلاة على الميت، وكيفية الصلاة عليه، وكم التكبيرات

- ‌(12) باب الدعاء للميت، وأين يقوم الإمام من المرأة

- ‌(13) باب ما جاء في الصلاة على القبر

- ‌(14) باب الأمر بالقيام للجنازة ونسخه

- ‌(15) باب ركوب المتبع للجنازة إذا انصرف منها

- ‌(16) باب في كيفية القبور وكراهية تجصيصها والبناء عليها، وهل يجعل في القبر شيء

- ‌(17) باب النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها

- ‌(18) باب الصلاة على الميت في المسجد

- ‌(19) باب زيارة القبور والتسليم عليها، والدعاء والاستغفار للموتى

- ‌(20) باب من لا يصلى عليه

- ‌(21) باب النهي عن تمني الموت لضر نزل به

- ‌(22) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

الفصل: ‌(55) باب ما جاء في سجود القرآن

(55) باب ما جاء في سجود القرآن

[464]

- عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم القُرآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجدَةِ فَيَسجُدُ بِنَا حتى ازدَحَمنَا عِندَهُ،

ــ

وكأن الأول أظهر. وحديث عمران بن حصين هذا واقعة أخرى غير واقعة حديث أبي هريرة، وقد توارد الحديثان على أن السجود للزيادة بعد السلام، كما هو مشهور مذهب مالك، فانتهضت حجتهُ والحمد لله.

وفي حديث ذي اليدين حجة لمالك على قوله: إن الحاكم إذا نسي حكمه فشهد عنده عدلان بحكم؛ أمضاه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه لا يمضيه حتى يذكره، وأنه لا يَقبل الشهادة على نفسه، بل على غيره، وهذا إنما يتم لمالك إذا سلم له أن رجوعه إلى الصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقنه ما كان قد نسيه.

(55)

ومن باب: سجود القرآن

قوله: ربما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فيمر بالسجدة، فيسجد بنا، حتى ازدحمنا عنده هذا يدل على أن سجود القرآن أمر مشهور معمول به في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استمر العمل عليه، ولذلك قال مالك: الأمر عندنا: إن عزائم القرآن: إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء (1)، وبدليل فعل عمر وغيره. وقد اختلف العلماء في حكمه، وعدده، ومحله، ووقته، وشرطه، فلترسم في ذلك مسائل:

المسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى وجوبه عند قراءة موضع السجدة،

(1) ساقط من الأصول، واستدركناه من الموطأ (1/ 207).

ص: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

محتجًّا في ذلك بما في كتاب الله من الأمر بالسجود؛ كقوله: {فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا} وكقوله: واسجد واقترب، وغير ذلك. وبقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار (1).

وجمهور الفقهاء على أن سجود التلاوة ليس بواجب، وصرفوا ما ذكر من الأمر بالسجود إلى الصلاة الواجبة. واختلف أصحابنا هل هو سنة أو فضيلة؟ على قولين، فإذا قلنا: إنه ليس بواجب، فالأولى أن يكون سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد داوم عليه وفعله في جماعة، وفعله الناس بعده، فتأكد أمره، فيكون سنة، والله أعلم.

المسألة الثانية: واختلف في عدد سجدات القرآن، فأقصى ما قيل في عددها: خمس عشرة؛ أوّلها: خاتمة الأعراف، وآخرها: خاتمة العلق، قاله ابن حبيب من أصحابنا، وابن وهب في رواية، وإسحاق. وقيل: أربع عشرة. قاله ابن وهب، وأسقط ثانية الحج، وهو قول أبي حنيفة وأهل الرأي (2)، وقول الشافعي، إلا أنه أسقط سجدة ص (3)، وأثبت آخرة الحج، وقيل: إحدى عشرة، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل، وهو مشهور (4) مذهب مالك وأصحابه، وروي عن ابن عمر وابن عباس. وقيل: عشرة، وأسقط آخرة الحج، وص، وثلاث المفصل؛ ذُكر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع سجدات: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، والعلق. وسبب الخلاف: اختلاف النقل في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأمر بالسجود في القرآن: هل المراد به سجود التلاوة، أو سجود الفرض، والله أعلم.

(1) رواه أحمد (2/ 440 و 443)، ومسلم (81) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

ساقط من (ع).

(3)

في (م) و (ل) و (ط): النجم.

(4)

ساقط من (ع).

ص: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

المسألة الثالثة: وأما محله: فمهما قرأ القرآن، ومرّ بموضع سجدة سجد إذا كان في وقتها على ما يأتي، وإن كان في صلاة ففي النافلة إن كان منفردًا، وفي جماعة يأمن التخليط فيها. فإن كان في جماعة لا يأمن فيها ذلك، فالمنصوص جوازه، وقيل: لا يسجد فيها. وأما في الفريضة: فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء كانت صلاة (1) سرٍّ أو جهرٍ، جماعة أو فرادى، وهو معلل بكونها زيادة في أعداد السجود في الفريضة. وقيل: هو معلل بخوف التخليط على الجماعة، وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى، ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط.

المسألة الرابعة: وأما وقته، فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقًا؛ لأنها صلاة لسبب، وهو قول الشافعي وجماعة. وقيل: ما لم يسفر الصبح، أو: ما لم تصفر الشمس بعد العصر. وقيل: لا يسجد بعد العصر، ولا بعد الصبح. وقيل: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجد بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا، وسبب الخلاف: معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها، لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله أعلم.

المسألة الخامسة: في شرطه. قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى: لا خلاف أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة؛ من طهارة حدث ونجس، ونية، واستقبال قبلة، ووقت، على ما تقدم. وهل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده، وتكبير وتسليم؟ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع يديه للتكبير لها، ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة، واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة من السلف وإسحاق بن

(1) من (ل) و (ط) و (ج 1).

ص: 196

حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا يَسجُدَ فِيهِ فِي غَيرِ صَلاةٍ.

رواه البخاري (1075)، ومسلم (575)(104)، وأبو داود (1411 - 1413).

[465]

- وَعَن عَبدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجمِ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَن كَانَ مَعَهُ، غَيرَ أَنَّ شَيخًا أَخَذَ كَفًّا مِن حَصباء أَو تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبهَتِهِ، وَقَالَ: يَكفِينِي هَذَا. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَقَد رَأَيتُهُ بَعدُ قُتِلَ كَافِرًا.

ــ

راهويه: إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام، وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب (1).

وقوله: حتى ما يجد أحدنا مكانًا يسجد فيه، وفي لفظ آخر: مكانًا لجبهته. اختلف فيمن اعتراه ذلك، فقال الداودي: مالك يرى لمن نزل به مثل ذلك أن يسجد إذا رفع غيره، وكان عمر يرى أن يسجد على ظهر أخيه. واختلف في الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة في خطبته، فقال مالك: يمرّ في خطبته ولا يسجد، وقال الشافعي: ينزل ويسجد، وإن لم يفعل أجزأه. وقد روي عن عمر في الموطأ (2)، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنهما نزلا وسجدا، رواه أبو داود (3) وهو صحيح.

وقوله: قرأ وَالنَّجمِ فسجد فيها: كان هذا منه متقدمًا، وكذلك قيل في سجود الانشقاق، واقرَأ. والذي استقر عليه العمل: السجود في العزائم الإحدى عشرة؛ التي ليس في المفصل منها شيء.

وقوله: غير أن شيخًا أخذ كفًّا من حَصىً: هذا الشيخ هو أمية بن خلف،

(1) ساقط من (ع).

(2)

رواه مالك في الموطأ (1/ 206).

(3)

رواه أبو داود (1410) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

ص: 197

رواه البخاري (1070)، ومسلم (576)، وأبو داود (1406)، والنسائي (2/ 160).

[466]

- وعن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَالنَّجمِ إِذَا هَوَى} فلم يسجد.

رواه مسلم (577)، والنسائي (2/ 160).

ــ

قتل يوم بدر كافرًا، وإنما سجد لما روي أنه سجد حينئذ مع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس، قاله ابن عباس. ورواه البزار (1)، حتى شاع أن أهل مكة قد أسلموا، وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك، وكان سبب سجودهم - فيما قال ابن مسعود -: أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة. وروى أصحاب الأخبار والمفسرون: أن سبب ذلك: ما جرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم، ولا يصحّ هذا من طريق النقل ولا العقل، وأشهر طريق النقل فيه عن الكلبي، وهو كذاب، وأما العقل فلا يصدق بذلك لأمور مستحيلة، قد عددها القاضي عياض في الشفاء (2).

وقول زيد: لا قراءة مع الإمام في شيء؛ يعني: لازمة. وقد تقدم الكلام في ذلك.

وقول عطاء عن زيد: أنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: وَالنَّجمِ فلم يسجد يشكل بما قدمناه في الزعم: أنه القول غير المحقق، ويزول الإشكال بأن

(1) رواه ابن مردويه وابن أبي شيبة عن الشعبي. انظر: (الدر المنثور 7/ 639).

(2)

الشفا (1/ 282 وما بعدها).

ص: 198

[467]

وعن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَجَدنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت} و {اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ}

رواه مسلم (578)، وأبو داود (1407)، والترمذي (578)(108)، والنسائي (2/ 161 - 162)، وابن ماجه (1058).

* * *

ــ

ما قدمناه هو الأصل في وصفه، وقد يقال على الخبر المحقق؛ كما قال الشاعر (1):

. . . . . . . . . . . .

على الله أرزاق العباد كما زَعَم (2)

قال الهروي: زعم هنا بمعنى: أخبر، ويجوز أن يقال: إن زعم؛ بمعنى: ضمن، ومنه الحديث: الزعيم غارم (3). قلت: وهذا يصح في معنى البيت، ويبعد أن يحمل عليه ما في الحديث. ويقال: زعُمَ، وزعَمَ، وزَعِمَ، بالضم، والفتح، والكسر.

وهذا الحديث يدل على أن قوله تعالى في سورة النَّجمِ: {فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا} إنه لا يراد منه (4) سجود التلاوة، إذ لو كان لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال مالك: إنها ليست من العزائم.

وحديث أبي هريرة في سجود النبي صلى الله عليه وسلم في: الانشقاق و: اقرَأ حجة لابن وهب ومن قال بقوله، وقد قدمنا أن ذلك كان من فعله متقدمًا، وأن العمل استقر على ترك ذلك. ويصح الجمع بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفصل بما قد روي عن مالك: أنه خَيَّر فيها، والله أعلم.

(1) هو عمرو بن شأس.

(2)

وصدره: تقول هلكنا إن هلكت وإنما.

(3)

رواه أبو داود (3565)، والترمذي (1265) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.

(4)

في (م): يراد به غيره، وفي (ل) و (ط): لا يراد به سجود التلاوة.

ص: 199