الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(65) باب أَوقَات الصَّلَوَاتِ
[498]
- عَنِ ابنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصلاةَ شَيئًا، فَقَالَ لَهُ عُروَةُ: أَمَا إِنَّ جِبرِيلَ قَد نَزَلَ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعلَم مَا تَقُولُ يَا عُروَةُ! فَقَالَ: سَمِعتُ بَشِيرَ بنَ أَبِي مَسعُودٍ يَقُولُ:
ــ
(65)
ومن باب: أوقات الصلوات
قوله: إن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة (1) شيئًا يدل: على أن تأخيرها إنما كان عن أول وقت الاختيار. وإنما أُنكر عليه لعدوله عن الأفضل - وهو ممن يقتدى به -، فيؤدي تأخيره لها إلى أن يُعتقد أن تأخير العصر سنة. ويحتمل: أنه أخرها إلى آخر وقت أدائها، وهو وقت الضرورة عندنا، معتقدًا أن الوقت كله وقت اختيار، كما هو مذهب إسحاق وداود. والأول أشبه بفضله وعلمه، وأظهر من اللفظ.
وقول عروة لعمر: أما إن جبريل قد نزل فصلى إمَام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الرواية الأخرى: أما علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ليس فيه حجة واضحة على عمر (2)؛ إذ لم يعين له الأوقات التي صلى فيها. وغاية ما يتوهم عليه: أنه نبّهه وذكّره بما كان يعرف من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل كما قد روى ذلك النسائي، وأبو داود، كما سنذكره (3). ويظهر لي: أن
(1) في (ظ) و (ج 1) وهامش التلخيص: نسخة (ش): العصر. ومن خلال الشرح يتبيّن أنها صلاة ائعصر.
(2)
من (م) و (ط) و (ظ).
(3)
زاد في (ظ) و (م) و (ط): أول حديث الموطأ. وليس في الموطأ تفاصيل أوقات الصلاة.
سَمِعتُ أَبَا مَسعُودٍ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: نَزَلَ جِبرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ وَيَحسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمسَ صَلَوَاتٍ.
وفِي روَايةٍ، قَالَ عُروَةُ: وَلَقَد حَدَّثَتنِي عَائِشَةُ زَوجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ فِي حُجرَتِهَا، قَبلَ أَن تظهَرَ.
وَفِي روَايةٍ: لَم يَظهَرِ الفَيءُ فِي حُجرَتِهَا.
رواه البخاري (3221)، ومسلم (610)(166 و 168)، وأبو داود (394)، والنسائي (1/ 245 - 246)، وابن ماجه (668).
ــ
هذا التأويل فيه بعد؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة؛ حيث قال له: اعلم ما تحدث به يا عروة! أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة؟ . وظاهر هذا الإنكار: أنه لم يكن عنده خبر من حديث إمامة جبريل، إما لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، وكل ذلك جائز عليه. والأولى عندي: أن حجة عروة عليه؛ إنما هي فيما رواه عن عائشة: من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تظهر. وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومعلمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عليها، وتعيينها له، والله أعلم.
وقوله: قبل أن تظهر؛ أي: تعلو وترتفع. والظهور: العلو، ومنه قول النابغة الجعدي:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
…
وإنا لنبغي (1) فوق ذلك مظهرًا
(1) في (ظ) واللسان: لنرجو.
وورد البيت في جمهرة أشعار العرب (2/ 785):
بلغنا السما مجدًا وجُودًا وسُودَدًا
…
وإنّا لنرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: مصعدًا عاليًا. وهذا المعنى قد روي بألفاظ مختلفة؛ روي كما ذكرناه، وروي: لم ترتفع من حجرتها، وروي: لم يظهر لها فيء بعد. وفي البخاري: لم تخرج الشمس من حجرتها. وكلها مُحَوِّمة على معنى واحد، وهو: أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجل العصر، وينصرف منها والشمس في وسط الحجرة، لم تصعد منها في جذرها، وذلك لسعة ساحتها، وقصر جدرانها.
وقد رأيت أن أذكر حديث النسائي الذي رواه من طريق جابر بن عبد الله (1) في تفصيل الأوقات التي صلى جبريل فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أصح ما في إمامة جبريل - على ما ذكره الترمذي عن البخاري - وأَبيَن؛ قال فيه: عن جابر بن عبد الله: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر حين زالت الشمس. وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع - يعني فصلى العصر-. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فصنع كما صنع، فصلى العشاء. ثم أتاه حين انشق الفجر، فصنع كما صنع، (2) فصلى الغداة. ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس فصلى الظهر. ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب. وفي رواية: وقتًا واحدًا لم يزل عنه، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنع مثل ما صنع بالأمس، فصلى العشاء. وفي رواية: ثم جاء للصبح حين أسفر جدًّا - يعني: في اليوم الثاني -، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين
(1) رواه النسائي (1/ 255).
(2)
ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
[499]
- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو، أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: وَقتُ الظُّهرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَم تَحضُرِ العَصرُ،
ــ
وقت (1). وسيأتي الكلام على ما تضمنه من النكت إن شاء الله تعالى.
وقد أخذ بعض الناس من هذا الحديث: صحة إمامة المفترض بالمتنفل، وذلك لا يتم حتى يتبين أن جبريل كان متنفلا، ولا يقدر عليه. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل، وسيأتي التنبيه على أكثرها إن شاء الله تعالى.
وقوله في حديث عبد الله بن عمرو: وقت الظهر إذا زالت الشمس، زوال الشمس: عبارة عن بداية انحطاطها مغرِّبة بعد نهاية ارتفاعها، وهو أول وقت الظهر بالإجماع. ولا خلاف: أن الوقت من فروض الصلاة ومن شروط صحتها، إلا شيئًا روي عن أبي موسى الأشعري وبعض السلف، ولم يصح عنهم، وانعقد الإجماع على خلافه. ولا خلاف: في أوائل أوقات الصلوات، إلا في وقت العصر والعشاء الآخرة. فأبو حنيفة يقول: أول وقت العصر إلى آخر (2) القامتين، وخالفه الناس كلهم حتى أصحابه. وأما العشاء فاتفق على أن وقتها بعد مغيب الشفق، لكن ذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياض، والجمهور على أنه الحمرة. واختلفوا في تحديد أواخر الأوقات كما سيأتي.
وقوله: وكان ظل الرجل كطوله يعني: بعد طرح اعتبار القدر الذي زالت عليه الشمس، إن كان له قدر. فلو قدرنا أن الشمس وقفت على رأس ذي الظل، لم يكن للظل قدر، واعتبر من أصل القائم، ثم أفاد بقوله: ما لم يحضر العصر: أن الوقت ممتد متسع، وأن آخره أول وقت العصر، وهو انتهاء آخر ظل المثل، وهذا مثل ما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى به العصر في
(1) رواه الترمذي (150).
(2)
من (ظ) و (ط).
وَوَقتُ العَصرِ مَا لَم تَصفَرَّ الشَّمسُ،
ــ
اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وكلاهما حجة على أبي حنيفة في قوله: إن أول وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. وهو قول شاذ خالف فيه هذه النصوص وجميع الناس، خلا أنه قد حُكي عن الشافعي، وقد تبرّأ من هذا القول أصحاب أبي حنيفة والشافعي لظهور فساده. ثم تمام القامة بلا فصلٍ بينهما هو أول وقت العصر، وهو مشترك بينهما - عند مالك وابن المبارك وإسحاق في آخرين -، تمسكًا بحديث جبريل، وذلك: أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه. غير أنهم حملوا قوله: صلى في الظهر: على أنه فرغ منها في آخر القامة، وصلى في العصر على أنه بدأ بها في أول القامة الثانية. وقال الشافعي وأبو ثور وداود وأحمد والطبري ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وابن حبيب وابن المواز من أصحابنا: لا مشاركة بين الوقتين، ولا بد من فاصلةٍ بينهما، وهي: زيادة أدنى شيء على القامة، غير أن أصحابنا لا يشترطون هذه الزيادة، ويقولون: بانتهاء القامة الأولى يخرج وقت الظهر، فيعقبها أول وقت العصر من غير زيادة. وقال أشهب: بل الاشتراك في القامة الأولى، فيكون ما قبلها بقدر ما يُوقَعُ فيه إحدى الصلاتين مشتركًا بينهما، واختار هذا القول أبو إسحاق التونسي، وحكاه القاضي أبو بكر بن العربي رواية عن مالك. وحجة من لم ير الاشتراك قوله: وقت الظهر ما لم تحضر العصر، وما جاء في حديث أبي موسى، وذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل الظهر في اليوم الثاني حين كان قريبًا من وقت العصر بالأمس. وظاهر هذين الحديثين أن بينهما فصلا قريبًا. والقول بالاشتراك أبين، وهو الذي يجمع شتات الأحاديث، وأشهب لم يتأول: فصلى في الظهر والعصر، بل حملهما على ظاهرهما في الظهر والعصر، وهو أنه صلى الله عليه وسلم فرغ من الظهر والعصر في اليومين عند انتهاء القامة، والله أعلم.
وقوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس: يعني بقوله: ما لم تصفر:
- وفي رواية: ويسقط قرنها الأول -
ــ
ما لم تدخلها صفرة. وظاهره: أن آخر وقت العصر قبل مخالطة الصفرة. وهذا كما قال في حديث بريدة بن حصيب: ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقيّة لم تخالطها صفرة. يعني: في اليوم الثاني، وهذا الظاهر مخالف لحديث أبي موسى؛ إذ قال فيه: ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس. وظاهر هذا: أنه بعد الصفرة بكثير. ووجه الجمع: أن هذا كله تقريب، وإنما التحقيق يحصل بما في حديث جبريل من تقديره بما إذا كان ظل كل شيء مثلي شخصه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهما متساويان في المعنى؛ لأن الشمس لا يزال بياضها ناصعًا حتى ينتهي ثَنيُ الظل، فإذا أخذ في التثليث نقص البياض، حتى تأخذ الشمس في التطفيل (1)، فتتمكن الصفرة.
وقوله: ويسقط قرنها الأول: فيه إشكال؛ وذلك أن قرن الشمس أعلاها، وهو أول ما يبدو منها في الطلوع، وأول ما يسقط منها في الغروب، كما قال في هذه الرواية في وقت الفجر: ما لم يطلع قرن الشمس الأول، وهو إما أن يراد به أعلى شعاعها الدائر بها، وإما أعلى جرمها وعينها، وعلى التقديرين فآخر وقت توسعة العصر قبله - كما قررنا -، وحينئذ يتضح الإشكال.
قلت: ويظهر لي أن المقصود من قوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول: أن يُبيِّن به امتداد وقت الأداء كله إلى غايته، ويدخل فيه الوقت الذي سميناه نحن: وقت الضرورة. وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الصفرة هنا هي ابتداء تغير الشمس إلى السواد عند الغروب، وهذا على لغة العرب في تسميتهم الأسود: أصفر؛ كما قال (2):
. . . . . . . . . . . .
…
هُنَّ صُفرٌ أولادُها كالزّبيب (3)
(1) التطفيل: هر مَيْل الشمس للغروب.
(2)
هو الأعشى.
(3)
وصدره: تلك خيلي منه وتلك ركابي.
وَوَقتُ صَلاةِ المَغرِبِ مَا لَم يَغِبِ الشَّفَقُ،
ــ
وكما قال تعالى: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفرٌ} وفي قوله: بقرة صفراء؛ أي: سوداء. ويكون قرنها: جرمها، والله تعالى أعلم.
وقوله: ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق: هذا يؤذن بأن وقت المغرب موسع كسائر أوقات الصلوات، وهو موافق لحديث أبي موسى: حيث صلى المغرب في اليوم الأول عند وقوع الشمس، وفي الثاني حين غاب الشفق، وهو قول مالك في الموطأ، وأحد قولي الشافعي، وقول الثوري، وأصحاب الرأي على اختلافهم في الشفق ما هو - على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقد عارض هذا الحديث في المغرب حديث جبريل؛ فإن فيه: إنه صلاها في اليومين في وقت واحد حين غابت الشمس، وصار أيضًا إليه جمهور من العلماء، وهو مشهور قول مالك والشافعي والأوزاعي وغيرهم، وقالوا: هو محدود الأول بمغيب قرص الشمس، وغير محدود الآخر، بل مقدرًا آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف. ولما تعارض الحديثان اختلف العلماء في الأرجح (1) منهما، فرجح كل منهم بحسب ما ظهر له. قلت: ويمكن الجمع والبناء بينهما بأن يقال: إن إيقاع المغرب في حديث جبريل في وقت واحد، لعلّه: إنما كان ليبين: أن إيقاعها في ذلك الوقت أفضل، ولذلك اتفقت الأمة على ذلك. وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم (2). وليس فيه ما يدل على منع تأخيرها عن ذلك الوقت. وتكون أحاديث التوسعة تبيِّن وقت الجواز، فيرتفع التعارض، ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق
(1) في (ظ): الأصح.
(2)
رواه أحمد (4/ 147)، وأبو داود (418) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
وَوَقتُ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصفِ اللَّيلِ الأَوسَطِ
ــ
الأصوليين؛ لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والترجيح: إسقاط أحدهما، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في الشفق، فذهب الجمهور إلى أنه الحمرة التي تكون في المغرب. وذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياض الذي يكون بعد الحمرة. وسبب الخلاف: انطلاق اسم الشفق عليهما بالاشتراك، وهما متصلان؛ أي: أحدهما بعد الآخر. فمن أخذ بأول الاسم قال: هو الحمرة، ومن أخذ بآخره قال: هو البياض. ومذهب الجمهور أولى؛ بوجهين:
أحدهما: أن أهل الاعتبار بذلك قد رصدوا ذلك وراقبوه، فتحقق لهم أن البياض لا يغيب إلا عند طلوع الفجر، قال ذلك الخليل بن أحمد وابن أبي أويس وغيرهما.
والثاني: أنه قد روى أبو داود من طريق صحيح عن النعمان بن بشير أنه قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة: صلاة العشاء الآخرة؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة (1). وهذا بين على أنه كان يصليها قبل مغيب البياض، بل على أنه كان يصليها عند تمكن البياض؛ لأنه إذ ذاك يسقط القمر في الثالثة من الشهر، وهذا يرفع الخلاف.
وقوله: ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط: أكثر رواة هذا الحديث لم يذكروا فيه الأوسط، وإنما يقولون: إلى نصف الليل، فقط، وتلك الزيادة هي من حديث همام عن قتادة. وكل من روى هذا الحديث عن قتادة لم يذكرها غيره. وكأن هذه الرواية وهم؛ لأن الأوسط في المقدَّرات والمعدودات إنما يقال فيما
(1) رواه أبو داود (419)، والترمذي (165).
- وَلَم يذكُر الأوسط إلا في هذه الرواية -، وَوَقتُ صَلاةِ الصُّبحِ مِن طُلُوعِ الفَجرِ مَا لَم تَطلُعِ الشَّمسُ،
ــ
يتوسط بين اثنين فأكثر. اللهم إلا أن يُريد بالأوسط: الأعدل، فحينئذ يصح أن يقال: هو أوسط الشيئين؛ أي: أعدلهما. وهذا الشيء أوسط من هذا؛ أي: أعدل منه. ويمكن أن تحمل رواية تلك الزيادة على الصحة، ويكون معناه: أن النصف الأول أعدل بالنسبة إلى إيقاع الصلاة فيه من النصف الآخر؛ لتأدية الصلاة في الأول وكثرة الثواب فيه.
ثم اختلف العلماء في آخر وقت العشاء الآخرة، فذهبت طائفة من العلماء: إلى أن ذلك آخر النصف الأول، وإليه ذهب ابن حبيب من أصحابنا متمسكًا بهذا الحديث. ويقول عمر رضي الله عنه: فإن أخّرت فإلى شطر الليل. ومشهور مذهب مالك: أنه أخر إلى الثلث الأول، متمسكًا بحديث أبي موسى؛ إذ فيه: أنه صلى الله عليه وسلم أخّر العشاء الآخرة حتى كان ثلث الليل (1)، وهو قول جمهور العلماء. وروى النخعي أنه الربع الأول. ولا متمسك له واضح في الأحاديث. وسبب الخلاف: الترجيح بين هذه الأحاديث.
وقوله: ووقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، الفجر: هو انصداع البياض من المشرق، وسُمِّي بذلك: لانفجاره؛ أي: لظهوره وخروجه؛ كما ينفجر النهر. وهو اثنان: الكاذب، وهو المسمى: بذنب السرحان، وهو الصاعد المستطيل. والصادق: وهو الممتد المنتشر في الأفق. قال الشاعر:
فإذا رأى الصبح المُصَدَّق يَخفِقُ
وهذا هو الذي يُحرّم الأكل على الصائم، وتجزئه الصلاة فيه دون الأول بلا خلاف. واختلف في آخر وقت الصبح، فذهب الجمهور وأئمة الفتيا: إلى أن آخر
(1) انظره في التلخيص برقم (500).
فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمسُ فَأَمسِك عَنِ الصَّلاةِ،
ــ
وقتها طلوع أول جرم الشمس، وهو مشهور مذهب مالك. وعلى هذا لا يكون لها عنده وقت ضرورة، ولا يُؤثّم تارك الصلاة إلى ذلك الوقت متعمدًا. وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم: أن آخر وقتها الإسفار الأعلى، وعلى هذا فما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار، ويأثم من أخّر الصلاة إلى ذلك الوقت. وسبب هذا الخلاف: اختلاف الأحاديث الواردة في هذا المعنى. وذلك أن ظاهر هذا الحديث، ونص الرواية الأخرى التي قال فيها: فإذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول، وفي حديث أبي موسى: أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل الفجر في اليوم الثاني حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت. وظاهر هذا: أن آخر وقتها يخرج قبل طلوع الشمس بيسير، وهو الذي يُقدّر بإدراك ركعة؛ كما قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح (1).
تنبيه: قال مالك والشافعي: التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس (2)، وهذا مخالف لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله من المداومة على التغليس، حتى قد قال ابن عباس لما وصف صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم: ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، لم يَعُد إلى أن يسفر بها.
وقوله: فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة: هذا حجة لأبي حنيفة وأصحاب (3) الرأي: على منع إيقاع شيء من الصلوات فرضها ونفلها عند الطلوع، وقد غلوا في هذا حتى قالوا: إنه لو طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من الصبح
(1) سبق تخريجه برقم (495) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
ساقط من (ع).
(3)
في (ظ): وأهل.
فَإِنَّهَا تَطلُعُ بَينَ قَرنَي شَيطَانِ.
رواه مسلم (612)(173 و 174)، وأبو داود (396)، والنسائي (1/ 260).
[500]
- وعَن أَبِي مُوسَى، عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ فَسأَلُهُ عَن مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ شَيئًا - وَفِي رِوَايَةٍ: فقال له: صَلِّ مَعَنَا
ــ
لفسدت عليه، وهذا بخلاف ما عليه كافة العلماء، فإنهم رأوا أن الفرض لا يتناوله هذا العموم بنصّ قوله صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها (1)، وفي بعض رواياته: فذلك وقتها. فجمعوا بين الحديثين على هذا الوجه، والجمع أولى من الترجيح. وقد تقدم الكلام على قوله: بين قرني الشيطان.
وقوله في بعض روايات حديث عبد الله بن عمرو: ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق. قال الخطابي: هو ثَوَران حمرته واندفاعه. ويُروى بالفاء في غير الأم، وهو بمعنى فورانه؛ أي: سطوعه وظهوره، من: فار الماء؛ إذا اندفع وظهر.
وقوله في حديث أبي موسى: فلم يرد عليه شيئًا؛ يعني: على السائل؛ أي: لم يرد عليه ما يحصل له به بيان ما سأل عنه، وإلا فقد قال له: صلِّ معنا هذين اليومين؛ كما جاء في الرواية الأخرى. وفي هذا: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وجاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخر بيان ما سأله عنه - وإن جاز على السائل أن يُختَرَمَ قبل ذلك (2) -؛ لأن الأصل: استصحاب السلامة، والبقاء إلى مثل هذه المدة، أو أوحي إليه: أنه يبقى إلى هذه المدة.
(1) رواه البخاري (597)، ومسلم (1868)، وأبو داود (4406)، والترمذي (1711)، والنسائي (6/ 155) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2)
أي: يموت.
هَذَينِ - يَعنِي: اليَومَينِ، قَالَ: فَأَقَامَ الفَجرَ حِينَ انشَقَّ الفَجرُ وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا - وفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرَ بِلالا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، مَكَان: فأَقَامَ -، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمسُ، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ انتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعلَمَ مِنهُم، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العَصرِ وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ - في رواية: بيضاء نقية -، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بالمَغرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الفَجرَ مِنَ الغَدِ حَتَّى انصَرَفَ مِنهَا، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَد طَلَعَتِ الشَّمسُ أَو كَادَت، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِن وَقتِ العَصرِ بِالأَمسِ. ثُمَّ أَخَّرَ العَصرَ حَتَّى انصَرَفَ مِنهَا، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احمَرَّتِ الشَّمسُ، ثُمَّ أَخَّرَ المَغرِبَ حَتَّى كَانَ عِندَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلِ، ثُمَّ أَصبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ: الوَقتُ بَينَ هَذَينِ. وَفِي رِوَايَةٍ قال: وَقتُ صَلاتِكُم بَينَ مَا رَأَيتُم.
رواه مسلم (613)(176 و 177) من حديث بريدة و (614)
(178)
من حديث أبي موسى، وأبو داود (395)، والنسائي (1/ 260 - 261)، والترمذي (152)، وابن ماجه (667).
ــ
وقوله: فأقام الفجر؛ أي: أمر بها فأقيمت؛ كما قال في الرواية الأخرى: فأمر بلالا فأذّن بغلس؛ أي: أقام، فسمّى الإقامة: أذانًا؛ إذ يحصل بها الإعلام بحضور الصلاة والشروع فيها.
وقوله: الوقت بين هذين، وقوله: ووقت صلاتكم بين ما رأيتم، وكذلك في حديث جبريل: الوقت بين هذين، هي كلها حجة لمالك وأصحابه على قولهم: إن الوقت الموسع كله للوجوب من أوله إلى آخره، وإن المكلف مخير بين تقديم الصلاة وتأخيرها إلى آخر الوقت، فأي وقت صلى فيه المكلف فقد أدَّى ما عليه. وقد تخبّط كثير من الناس في هذا المعنى، وطال فيه نزاعهم، وما ذكرناه واضح موافق لظاهر الحديث. وقد ذهب بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي: إلى