الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(46) باب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة، ولعن الشيطان
[432]
- عَن جَابِرٍ قَالَ: أَرسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُنطَلِقٌ إِلَى بَنِي المُصطَلِقِ، فَأَتَيتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ، فَكَلَّمتُهُ، فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا - وَأَومَأَ زُهَيرٌ بِيَدِهِ -، ثُمَّ كَلَّمتُهُ، فَقَالَ لِي هَكَذَا - فَأَومَأَ زُهَيرٌ أَيضًا بِيَدِهِ نَحوَ الأَرضِ -، وَأَنَا أَسمَعُهُ يَقرَأُ، يُومِئُ بِرَأسِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: مَا فَعَلتَ فِي الَّذِي أَرسَلتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَم يَمنَعنِي أَن أُكَلِّمَكَ إِلا أَنِّي كُنتُ أُصَلِّي.
وَفي روَاية: وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجهُهُ عَلَى غَيرِ القِبلَةِ.
وَفِي أُخرَى: فَسَلَّمتُ عَلَيهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: إِنَّكَ سَلَّمتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي، وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ المَشرِقِ.
رواه أحمد (3/ 312)، ومسلم (540)، والنسائي (3/ 6)، وابن ماجه (1018).
[433]
- وعَن أَبِي الدَّردَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعنَاهُ يَقُولُ:
ــ
(46)
ومن باب: جواز الإشارة بالسلام في الصلاة
حديث جابر هذا حجة لمالك ولمن قال بقوله على جواز ردّ المصلي السلام بالإشارة، وعلى جواز ابتداء السلام على المصلي، وعلى أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، وعلى منع الكلام في الصلاة، وفيه دليل على جواز التنفل على الراحلة، لكن في السفر، وعلى أنه يصلي النفل عليها حيث توجهت به. وسيأتي كل ذلك إن شاء الله تعالى.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلعَنُكَ بِلَعنَة اللَّهِ. ثَلاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد سَمِعنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ شَيئًا لَم نَسمَعكَ تَقُولُهُ قَبلَ ذَلِكَ، وَرَأَينَاكَ بَسَطتَ يَدَكَ. قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِن نَارٍ لِيَجعَلَهُ فِي وَجهِي، فَقُلتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -، ثُمَّ قُلتُ: أَلعَنُكَ بِلَعنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَم يَستَأخِر ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدتُ أخُذَهُ، وَاللَّهِ لَولا دَعوَةُ أَخِينَا سُلَيمَانَ لأَصبَحَ مُوثَقًا يَلعَبُ بِهِ وِلدَانُ المَدِينَةِ.
رواه مسلم (542)، والنسائي (2/ 13).
ــ
وقوله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله منك؛ أي: أَستَتِرُ وألتجئ في كفايته إياي منك. ومنه سُمِّي العود الذي يَلجَأ إليه الغُثَاء في السيل: عَوذا؛ لأن الغثاء يلجأ إليه.
وقوله: ألعنك بلعنة الله التامة، أصل اللعن: الطرد والبعد، ومعناه: أسأل الله أن يلعنه بلعنته.
والتامَّة يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها الكاملة التي لا ينقصُ منها شيء.
والثاني: المستحقّة الواجبة، كما قال:{وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلا} ؛ أي: حَقَّت ووجبت، ولم يقصد مخاطبة الشيطان؛ لأنه كان يكون متكلمًا في الصلاة، وإنما كان متعوذًا بالله؛ كما قال: أعوذ بالله منك.
قوله: ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة (1). يدل على أن مُلكَ الجن والتصرُّفَ فيهم بالقهر مما خصّ به سليمان، وسبب خصوصيته: دعوته التي استجيبت له، حيث قال: {وَهَب لِي مُلكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ
(1) كذا في الأصول، وفي صحيح مسلم (1/ 385): ولدان أهل المدينة.
[434]
- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ عِفرِيتًا مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَفتِكُ عَلَيَّ البَارِحَةَ لِيَقطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمكَنَنِي مِنهُ،
ــ
مِن بَعدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ} ولما تحقق النبي صلى الله عليه وسلم الخصوصية، امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه. فإن قيل: كيف يتأَتَى ربطه وأخذه واللعب به، مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية؟ قلنا: كما تَأَتَى ذلك لسليمان عليه السلام؛ حيث جعل الله له منهم {كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصفَادِ} ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صورٍ تَخُصُّهم، ثم مكّنهم من التشكل في صور مختلفة، فيتمثلون في أي صورة شاؤوا، أو شاء الله، وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى:{فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} وقال صلى الله عليه وسلم: . وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني (1)، فيجوز أن يُمَكِّن الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من هذا الجنِّي، مع بقاء الجنِّي على صورته التي خُلق عليها، فيوثقه كما كان سليمان عليه السلام يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان. ويجوز أن يشكِّله الله تعالى في صورة جسميِّةٍ محسوسة، فيربطه ويُلعب به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل الله ما همّ به النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن. وقوله تعالى:{إِنَّهُ يَرَاكُم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِن حَيثُ لا تَرَونَهُم} ؛ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم، والله تعالى أعلم.
وقوله: إن عفريتًا جعل يفتك عليّ البارحة؛ العفريت: المارد من الجن الشديد، ومنه: رجل عِفرِيت؛ أي: شديد الدَّهاء والمكر والحيلة. هكذا صحّ في كتاب مسلم: يَفتِك؛ ومعناه: يغفله عن الصلاة ويشغله. وأصل الفَتك: القتل على غفلة وغِرَّة، ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان قَيَّد الفَتك (2). وهكذا مجيء الشيطان
(1) رواه البخاري (2) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
رواه أحمد (1/ 166 و 167) من حديث الزبير، و (4/ 92) من حديث معاوية. ورواه أبو داود (2769) من حديث أبي هريرة.
فَذَعَتُّهُ، فَلَقَد هَمَمتُ أَن أَربِطَهُ إِلَى جَنبِ سَارِيَةٍ مِن سَوَارِي المَسجِدِ حَتَّى تُصبِحُوا تَنظُرُون إِلَيهِ أَجمَعُونَ (أَو كُلُّكُم)، ثُمَّ ذَكَرتُ قَولَ أَخِي سُلَيمَانَ:{رَبِّ اغفِر لِي وَهَب لِي مُلكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعدِي} فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَدَعَتُّهُ.
رواه أحمد (2/ 298)، والبخاري (461)، ومسلم (541).
* * *
ــ
للمصلي على غفلة وغرَّة، وذكره البخاري. وقال: تَفَلَّت عليّ البارحة (1)، وهو أيضًا صحيح؛ أي: جاءني على غفلة وفلتة وغرة (2) وفُجأَةٍ، ومنه: قيل: افتلتت نفسه؛ أي: مات على فجأةٍ. والفَلتَةُ: الأمرُ يُؤتى على غير رَوِيَّة.
وقوله: فَذَعَتُّهُ بالذال المعجمة؛ أي: خنقته. قال الهروي: وفي رواية ابن أبي شيبة بالدال المهملة، وهما بمعنى واحد، وأنكره الخطابي، وقال: لأن أصله يكون: دَعَتُه، ولا يصح إدغام العين في التاء. قال ابن دريد: ذَعَتَه، يَذعَتُه، ذعتًا: غَمَزَهُ غمزًا شديدًا. والدَّعَتُ مهملا: الدفع الشديد، ويقال بالذال المعجمة.
وقوله: لقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد. يحتمل أن يقال: إن هذا الذي همَّ به كان يكون شغلا يسيرًا، ويحتمل أن يكون يربطه بعد تمام الصلاة.
وقوله: فردّه الله خاسئًا؛ أي: ذليلا مدحورًا؛ من خَسَأت الكلب: إذا زَجَرته وطَرَدته.
(1) ينظر: الفتح (1/ 554).
(2)
ساقط من (ع).