الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(3) باب ما جاء في البكاء على الميت، وعنده
(922)
[791]- عَن أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَت: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلتُ: غَرِيبٌ فِي أَرضِ غُربَةٍ، لأَبكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنهُ، فَكُنتُ قَد تَهَيَّأتُ لِلبُكَاءِ عَلَيهِ، إِذ أَقَبَلَتِ امرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَن تُسعِدَنِي، فَاستَقبَلَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تُدخِلِي الشَّيطَانَ بَيتًا أَخرَجَهُ اللهُ مِنهُ؟ مَرَّتَينِ، فَكَفَفتُ عَنِ البُكَاءِ فَلَم أَبكِ.
رواه مسلم (922).
ــ
وفيهما (1) ما يدلّ على أن الموت ليس عدمًا ولا إعدامًا، وإنما هو انقطاعُ تعلُّقِ الروحِ بالبدن، ومفارقتُه، وحيلولةٌ بينهما، ثم إنّ البدن يبلى ويفنى، إلا عَجب الذنب الذي منه بُدئ خلقُ الإنسان، ومنه يركب الخلق يوم القيامة.
(3)
ومن باب: ما جاء في البكاء على الميت
قول أمّ سلمة: لأَبكينّه بكاءً يُتَحَدَّثُ عنه؛ أي: تنوح عليه نياحةً شديدةً، وذلك منها على ما كانوا عليه من النياحة والاجتماع لها قبل أن يبلغها تحريمُ النياحة. والله أعلم.
والصعيد هنا: أعالي الأرض، وكأنّها تريد عوالي المدينة، ومنه: صعيد مصر؛ أي: أعلى بلادها. وتُسعِدني معناه: توافقني على النياحة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: أتريدين أن تُدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه مرّتين:
(1) في (هـ) و (ظ): فيه.
[792]
- وَعَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَرسَلَت إِلَيهِ إِحدَى بَنَاتِهِ تَدعُوهُ، وَتُخبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا، أَوِ ابنًا لَهَا فِي المَوتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارجِع إِلَيهَا فَأَخبِرهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرهَا فَلتَصبِر وَلتَحتَسِب، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّهَا قَد أَقسَمَت لَتَأتِيَنَّهَا. قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَامَ مَعَهُ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَانطَلَقتُ مَعَهُم، فَرُفِعَ إِلَيهِ الصَّبِيُّ، وَنَفسُهُ تَقَعقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ، فَفَاضَت عَينَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعدٌ، مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.
رواه البخاري (1284)، ومسلم (923)، والنسائي (4/ 22).
ــ
يحتمل ذلك - والله أعلم - أن يكون بسبب صحّة إسلام أبي سلمة، وحسن هجرته.
وقوله: ونفسه تقعقع كأنها في شَنَّة. قال الهروي: يقال: تَقَعقَعَ الشيءُ: إذا اضطرب وتحرك، ويقال: إنه ليتقعقع لَحيَاه من الكِبَر. قال غيره: القعقعة هنا: صوت النَّفَس وحشرجة الصدر، ومنه: قعقعةُ الجلود، والتِّرسَة والأسلحة، وهي: أصواتها. والشَنّة: القِربة البالية، فكأنّه شبّه صوتَ نَفَسِه وقلقلته في صدره بصوت ما [ألقي] (1) في القربة [البالية] (2) اليابسة من الماء إذا حُرِّك فيها. ومن أمثالهم: لا يُقعقَع له بالشّنان؛ أي: لا يُقرَع بقرعه، كما يُفعل بالصبي.
وقوله: هذه رحمة؛ أي: رقِّةٌ يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية الله، وعلى أفعال البر والخير، وعلى الشفقة على المبتلى والمصاب، ومَن كان كذلك؛ جازاه الله برحمته، وهو المعنّي بقوله صلى الله عليه وسلم: إنما يرحم الله من
(1) ساقط من (ع).
(2)
ساقط من (ع).
[793]
- وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: اشتَكَى سَعدُ بنُ عُبَادَةَ شَكوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، وَسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ وَجَدَهُ فِي غَشيةٍ، فَقَالَ: أَقَد قَضَى؟ قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللهِ! فَبَكَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا رَأَى القَومُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَكَوا، فَقَالَ: أَلا تَسمَعُونَ! إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمعِ العَينِ، وَلا بِحُزنِ القَلبِ، وَلَكِن يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَو يَرحَمُ.
رواه البخاري (1304)، ومسلم (924).
* * *
ــ
عباده الرحماء، وضد ذلك القسوة في القلوب الباعثة على الإعراض عن الله - تعالى -، وعن أفعال الخير. ومن كان كذلك، قيل فيه:{فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكرِ اللَّهِ}
وقوله: فوجده في غشية، روايتنا فيه بسكون الشين وتخفيف الياء، وقد رواه جماعة من الشيوخ بكسر الشين وتشديد الياء. وقال الحافظ أبو الحسن: لا فرق بينهما، هما واحد، يريد من الغشاوة. ورواه البخاري: في غاشية، قال: ويحتمل وجهين: مَن يغشاه من الناس، أو ما يغشاه من الكرب.
وقوله: أقد قضى؟ أي: مات.
وقوله: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب: يدل على أن البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحةٌ جائز، قبل الموت وبعده، بل قد يقال فيه: إنه مندوب إليه؛ لأنه قد قال فيه: إنه رحمة، والرحمة مندوب إليها. فأمّا النياحة التي كانت الجاهلية تفعلها؛ من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخصال الدُّنيوية والمذمومة، والصراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى السّخط والعبث؛ من ضرب الخدود، وشق الجيوب، فكل ذلك محرَّم، من أعمال الجاهلية، ولا يختلف فيه. فأمّا بكاء وصراخ لا يكون معه شيء من ذلك فهو جائز قبل الموت، مكروه بعده: أمّا جوازه فبدليل حديث جابر بن عقبة الذي خَرَّجه مالك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غلب عليه، فصاح به، فلم يُجبه، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: غُلِبنا عليك أبا الربيع. فصاح النسوة وبكين، فجعل جابر يُسكِتُهنّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية (1). ووجه الاستدلال: أنه صلى الله عليه وسلم أقرّهن على البكاء والصياح قبل الموت، وأمر بتركهنّ على ذلك. وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم؛ لما في حديث جعفر من بكائهن بعد الموت، وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ونهيهن عنه، فلما لم ينكَفِفن، قال للمبلّغ: احثُ في أفواههنّ التراب (2). ولم يبالغ في الإنكار عليهن، ولا زجرهن، ولا ذمّهن، ولو كان ذلك محرَّمًا لفعل كل ذلك. والله أعلم.
وبهذا الذي قررناه يرتفع الاختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا الباب، ويصح جمعها، فتمسّك به، فإنه حسن جدًّا، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى -.
* * *
(1) رواه مالك في الموطأ (1/ 233).
(2)
رواه مسلم برقم (935/ 30) وانظره في التلخيص (804).