الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(47) باب جواز حمل الصغير في الصلاة، وجواز التقدم والتأخر، ومن صلى على موضع أرفع من موضع المأموم
[435]
- عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ، قال: رأيت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وَأُمَامَةُ بِنتُ أَبِي العَاصِ - وَهِيَ ابنة زَينَبَ بِنتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: بَينَا نَحنُ فِي المَسجِدِ جُلُوسٌ خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
…
، بِنَحوِ ما تَقَدَّم.
رواه أحمد (5/ 295 و 303)، والبخاري (516)، ومسلم (543)(42 و 43)، وأبو داود (917)، والنسائي (3/ 10).
ــ
(47)
ومن باب: حمل الصغير في الصلاة
اختلف العلماء في تأويل حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامة في الصلاة، والذي أحوجهم لتأويله: أنه شغلٌ كثير. فروى ابن القاسم عن مالك: أنه كان في النافلة، وهذا تأويل بعيد؛ فإن ظاهر الحديث الذي ذكره أبو داود يدل على أنه في الفريضة؛ لقوله: بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر، خرج علينا حاملا أمامة على كتفه (1)، وذكر الحديث. ومعلوم: أنه كان صلى الله عليه وسلم إنما كان يتنفل في بيته، ثم يخرج لصلاة الفريضة، فإذا رآه بلال خارجًا أقام الصلاة. وأيضًا ففي هذا الحديث قال أبو قتادة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس، وغالب عادته، أنه إنما كان يؤم الناس في المسجد في الفريضة. وروى عنه أشهب، وابن نافع: أن هذا للضرورة، وإذا لم يجد من يكفيه، وأما لحب الولد فلا. وظاهر هذا إجازته في الفريضة والنافلة.
(1) رواه البيهقي في السنن (2/ 263) بنحوه، وعزاه للحميدي.
[436]
- وعَن أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ نَفَرًا جَاؤوا إِلَى سَهلِ بنِ سَعدٍ، قَد تَمَارَوا فِي المِنبَرِ: مِن أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعرِفُ مِن أَيِّ عُودٍ هُوَ، وَمَن عَمِلَهُ، وَرَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ يَومٍ جَلَسَ عَلَيهِ. قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! فَحَدِّثنَا. قَالَ: أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى امرَأَةٍ (قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّيهَا يَومَئِذٍ) انظُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ يَعمَل لِي أَعوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيهَا، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
ــ
وروى عنه التِّنِّيسي: أن الحديث منسوخ، قال أبو عمر بن عبد البر: لعل هذا نُسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها. وقال الخطابي: يشبه أن هذا كان منه صلى الله عليه وسلم على غير قصد وتعمد، لكن الصبية تعلّقت به لطول إِلفِهَا لَهُ، وهذا باطل؛ لقوله في الحديث: خرج علينا حاملا أمامة على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رأسه من السجود أعادها (1). والأشبه: أنه كان لضرورة لم يقدر على أن ينفكّ عنها، أو هو منسوخ. والله تعالى أعلم.
وفيه من الفقه: جواز إدخال الصغار المساجد، إذا علم من عادة الصبي أنه لا يبول، وأن ثيابه محمولة على الطهارة، وأن لمس النساء ليس بحَدَث، وأن حكم من لا تشتهى من النساء بخلاف حكم من يُشتهى منهن. وفيه: تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفقته، وجواز حمل ما لا يشغل في الصلاة شغلا كثيرًا.
وقوله: انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها. فيه دليل: على أن اتخاذ المنبر مسنون في الجمعة للخطبة، وفائدته: الإبلاغ والإسماع. وقد استدل أحمد بن حنبل بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر على جواز
(1) رواه ابن خزيمة (909)، والبيهقي (2/ 287 - 288)، وابن حبان (2286) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر: الترغيب والترهيب (788) طبعة دار ابن كثير ودار الكلم الطيب ومؤسسة علوم القرآن، سنة (1993 م).
فَوُضِعَت هَذَا المَوضِعَ، فَهِيَ مِن طَرفَاءِ الغَابَةِ، وَلَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ عَلَيهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ، فرَجَعَ فَنَزَلَ القَهقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصلِ المِنبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِن آخِرِ صَلاتِهِ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي صَنَعتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتِي.
رواه أحمد (5/ 339)، والبخاري (448)، ومسلم (544)(44)، وأبو داود (1080)، والنسائي (2/ 57)، وابن ماجه (1416).
* * *
ــ
صلاة الإمام على موضع أرفع من موضع المأموم، ومالك يمنع ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعلَّل المنع: بخوف الكِبر على الإمام. واعتذر بعض أصحابه عن الحديث: بأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم عن الكِبر، ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرًا.
وقوله: فرجع القهقرى حتى سجد في أصل المنبر؛ يعني: رجع خلفه؛ من تقهقر الرجل في مشيته: إذا رجع من حيث جاء، وهذا إنما فعله ليُرِيَ الناسَ كيفية صلاته، ففعل على المنبر ما يتمكّن من فعله عليه، وهو القيام والركوع، وفعل في الأرض ما لا يتمكن من فعله عليه، وهو السجود والجلوس، وهذا القدر عمل يسير لا يُخِلّ بمقصود الصلاة ولا بهيئتها.
وقوله: لتأتموا بي؛ لتقتدوا بي. ولتعَلموا صلاتي، رويناه بفتح العين وتشديد اللام؛ أي: لتتعلموا، وهذا الأمر على الوجوب.
* * *