الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(11) باب الأمر بالصلاة على الميت، وكيفية الصلاة عليه، وكم التكبيرات
[819]
- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَخًا لَكُم قَد مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيهِ! قال: فَقُمنَا فَصَفَّنَا صَفَّينِ - يَعنِي النَّجَاشِي.
رواه أحمد (3/ 155)، ومسلم (952)(66)، والنسائي (4/ 70).
ــ
(11)
ومن باب: الأمر بالصلاة على الميت
قوله صلى الله عليه وسلم إنّ أخًا لكم قد مات، فقوموا فصَلّوا عليه دليل على وجوب الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهور من مذاهب العلماء أنه واجب على الكفاية، ومن مذهب مالك، وقيل عنه إنه سنةٌ مؤكَّدة، وقد استدل عليه بقوله تعالى:{وَصَلِّ عَلَيهِم} وبقوله: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا} وفي تقرير وجه الاحتجاج بهما طول يُعرف في الفقه.
وهذا الميت هو النجاشي ملك الحبشة الذي هاجر إلى أرضه من هاجر من الصحابة، واسمه أَصحَمة - بهمزة وصاد مهملة ساكنة بعدها حاء مفتوحة، هكذا ذكره البخاري وابن إسحاق. وفي مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث تسميته صَحمَة على وزن رَكوَة بغير همزة وبفتح الصاد وسكون الحاء، وقال: هكذا قال لنا يزيد، وإنما هو صَمحَة - كذا ذكره بتقديم الميم بغير همز.
وأصحمة: عطية - بالعربية.
وقال جماعة من اللغويين: النجاشي اسم لكلِّ ملك من ملوك الحبشة، وكسرى: اسم لكل ملك من ملوك الفرس، وهرقل: اسم لكل ملك من ملوك الروم.
[820]
- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي اليَومِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِم إِلَى المُصَلَّى،
ــ
وقوله نعى للناس النجاشيّ في اليوم الذي مات فيه مِن أدلِّ الأدلة على صحَّة نبوَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والنعي: إشاعة الأخبار بموت الميت، قال الهروي: النعيّ - بسكون العين - الفعل، والنعِيّ - بكسرها - الرجل الميت، ويجوز أن يجمع نعايا مثل صفي وصفايا.
وهذا الحديث احتجّ به أئمتنا على جواز الإعلام بموت الميت، ولم يره من النعي المنهيّ عنه في قوله عليه الصلاة والسلام إياكم والنعي، فإنّ النعيَ من عمل الجاهلية (1)، وهذا النعي الذي كان من عمل الجاهلية إنما كان أن الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نهى عنه. وقد روي عن حذيفة أنه نهى أن يؤذن بالميت أحد، وقال: إني أخاف أن يكون نعيًا. ونحوه عن ابن المسيب، وقال به بعض السلف من الكوفيين من أصحاب ابن مسعود.
قلت: وهذا الحديث حجة على من كره الإعلام به، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم هلاّ آذنتموني به! (2)، ونعيه صلى الله عليه وسلم أهل مؤتة.
وقوله فخرج إلى المصلَّى يستدل به على أن الجنائز لا يصلّى عليها في المسجد كما قد (3) روي عن مالك وأبي حنيفة، وجوّزه الشافعي.
وظاهر هذا الحديث جواز الصلاة على الغائب، وهو قول الشافعي، ولم يَرَ ذلك أصحابنا جائزًا؛ لأنه لو كان ذلك لكان أحقُّ من صُلِّي عليه كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد النائية عن المدينة، ولم يصحَّ أنه فعل ذلك أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم، ولو كان
(1) رواه الترمذي (984) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري (458)، ومسلم (956) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
ساقط من (ع).
فَصَلَّى وَكَبَّرَ أَربَعَ تَكبِيرَاتٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ استَغفِرُوا لأَخِيكُم.
رواه أحمد (2/ 438 و 439)، والبخاري (1245)، ومسلم (951)(62 و 63)، وأبو داود (3204)، والنسائي (4/ 72).
ــ
ذلك مشروعًا للزم أن يفعلَ ذلك دائمًا إلى غير غايةٍ لعدم القاصر له على زمان معين، واعتذروا عن حديث النجاشيِّ بأمور؛
أحدها: أن ذلك مخصوصٌ بالنجاشيِّ؛ ليُعلِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بإسلامه وليستغفروا له كما جاء في الحديث.
وثانيها: أنه كان قد رُفِعَ وأُحضِرَ له حتى رآه، فصلَّى على حاضرٍ بين يديه، كما رُفِع للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بيتُ المقدس كما تقدّم في كتاب الإيمان.
وثالثها: أنه كان (1) لم يصلِّ عليه أحدٌ؛ لأنه مات بين قوم كفّار، وكان يكتم إيمانه منتظرًا التخلُّصِ منهم، فمات قبل ذلك ولم يصل عليه أحد، وعلى هذا فيُصلِّى على الغريق وأكيل السَبُع، وهو قول ابن حبيب من أصحابنا، ولم ير ذلك مالك ولا جماعة من العلماء.
قلت: وهذا الوجه الثالث أقربها، وفيما تقدم نظر.
وقوله وكبّر أربع تكبيرات، وفي حديث زيد بن ثابت أنه كبّر خمسًا، وقد اختلف العلماء من السلف في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع؛ فروي عن عليٍّ أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستًّا وعلى سائر الصحابة خمسًا، وعلى غيرهم أربعًا. وقد جاء من رواية ابن أبي خيثمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبّر أربعًا
(1) ساقط من (ع).
[821]
- وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى قَالَ: كَانَ زَيدٌ يُكَبِّرُ عَلَى
ــ
وخمسًا وستًّا وسبعًا وثمانيًا حتى مات النجاشيُّ فكبّر أربعًا، وثبت عليها حتى تُوفي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر: وانعقَد الإجماع بعدُ على أربع. قال عياض: وما سواه شذوذ، ولا يلتفت إليه اليوم، ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بخمس تكبيرات إلا ابن أبي ليلى. قال الإمام: وهذا المذهب متروكٌ الآن؛ لأن ذلك صار علمًا على القول بالرفض.
ولم يقع في الصحيح ذكر السلام من صلاة الجنازة على الخصوص، لكن يستدل عليه بعموم قوله صلى الله عليه وسلم تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (1)، وهو صحيح. واختلف في عدده؛ فالجمهور من السلف وغيرهم على أنه واحدة، وذهب أبو حنيفة والشافعي - في أحد قوليه - وجماعة من السلف إلى أنه تسليمتان، ثم هل يجهر الإمام بالتسليم أو يُسِرّ؟ قولان عن مالك، والجهر لأبي حنيفة، والإسرار للشافعي. وهل يردّ المأموم على إمامه أو لا؟ قولان لمالك، وهل تُرفع الأيدي مع التكبير أم لا؟ اختلف فيه قول مالك على ثلاثة أقوال: الرفع في الأولى فقط، وفي الجميع، ولا يرفع في شيء منها. واختلف هل يقرأ في صلاة الجنازة بأمّ القرآن أم لا؟ فذهب مالك في المشهور عنه إلى ترك القراءة، وكذلك أبو حنيفة والثوري، وكأنهم تمسّكوا بظاهر ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا صليتم على الميت فأخلصوا له في الدعاء (2). وبأن مقصودَ هذه الصلاة إنما هو الدعاء له
(1) رواه أبو داود (61)، والترمذي (3)، وابن ماجه (275) من حديث علي رضي الله عنه.
(2)
رواه أبو داود (3199)، وابن ماجه (1497)، وابن حبان (3076).
جَنَائِزِنَا أَربَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمسًا، فَسَأَلتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُهَا.
رواه أحمد (4/ 367 - 368)، ومسلم (957)، وأبو داود (3197)، والترمذي (1023)، والنسائي (4/ 72)، وابن ماجه (1505).
* * *
ــ
واستفراغ الوسع بعمارة كل أحوال تلك الصلاة في الاستشفاع للميت. وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من أصحابنا وداود إلى أنه يقرأ فيها بالفاتحة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (1) حملا له على عمومه، وبما خرَّجه البخاري عن ابن عباس: وصلّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنَّها سنَّة (2). وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: السنة في الصلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَةً ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة (3). وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة أيضًا قال: السنَّة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلّم (4). وهذان الحديثان صحيحان، وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند، والعمل على حديث أبي أمامة أولى؛ إذ فيه جمع بين عموم قوله لا صلاة وبين إخلاص الدعاء للميت، وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء، والله تعالى أعلم.
(1) رواه أحمد (5/ 314)، والبخاري (756)، ومسلم (394/ 35)، وأبو داود (822)، والنسائي (2/ 137)، وابن ماجه (837) من حديث عبادة بن الصامت.
(2)
رواه البخاري (1335).
(3)
رواه النسائي (4/ 75).
(4)
انظر: تخريج الحديث السابق، وتحفة الأشراف (1/ 67 و 4/ 203).