الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عقلًا. وقد اضطربت النقول في تحديد مذهبه في ذلك (1). وتحقيق مذهبه ما ذكره تاج الدين السبكي في رفع الحاجب عن ابن الحاجب فقال: "إن الخلاف بين الجمهور وأبي مسلم لفظي، فإن أبا مسلم يجعل ما كان مُغَيًّا في علم الله تعالى كما هو. مُغَيًّا باللفظ، ويسمي الجميع تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (2) أو أن يقول: صوموا مطلقًا، وعلمه محيط بأنه سينزل أن لا تصوموا وقت الليل، والجمهور يجعلون الأول تخصيصًا، والثاني نسخًا، ولو أنكر أبو مسلم النسخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنما يقول: كانت الشريعة السابقة مغياة إلى مبعثه عليه السلام، وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أن هذه الشريعة مخصصة للشرائع أو ناسخة، وهذا معنى الخلاف (3). وقد تشيع لهذا المذهب نفر من القدامى والمحدثين (4).
موقف اليهود من النسخ:
أنكرت ثلاث فرق من اليهود النسخ:
1 -
الفرقة الأولى: وهي الشمعونية: نسبة إلى شمعون بن يعقوب، فقد ذهبت إلى القول بامتناع النسخ عقلًا وسمعًا (5).
(1) نقل عنه القول بعدم وقوع النسخ عقلًا وشرعًا حتى بين الشرائع. انظر: إرشاد الفحول ص 162، ونسبه الشوكاني إلى الجهل بالشريعة إن صح عنه هذا. ومن قائل بأنه يمنع وقوعه في القرآن.
انظر: المحصول للرازي ق 3/ 1/ 460، والابهاج 2/ 249 ونهاية السول للاسنوي 2/ 167، ومناهل العرفان 2/ 103، وانظر: العدّة في أصول الفقه 3/ 769، والاحكام للآمدي 2/ 245 ومن قائل عنه بأنه يمنع وقوعه بين الشريعة الواحدة ولا يمنعه بين الشرائع. انظر: شرح تنقيح الفصول ص 303، وشرح المحلى على جمع الجوامع 2/ 103، وانظر: مناهل العرفان 2/ 103، وتقدم بيان حقيقة مذهبه.
(2)
البقرة - آية: 187.
(3)
رفع الحاجب 2/ ق 132/ ب، وانظر: التبصرة للشيرازي ما كتبه المحقق ص 251، وشرح الكوكب المنير 3/ 533، وشرح المحلى على جمع الجوامع 2/ 88، وفواتح الرحموت 2/ 55.
(4)
انظر: مناهل العرفان 2/ 104، ومن المحدثين الأستاذ عبد المتعال محمَّد الجبري، فقد وضع عنوان كتابه (النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه): لا منسوخ في القرآن ولا نسخ في السنة المنزلة، أبدع تشريع فيما قيل إنه منسوخ.
(5)
انظر: الاحكام للآمدي 2/ 245، ونهاية السول 2/ 167، وإرشاد الفحول ص 185، وفواتح الرحموت 2/ 55، والنسخ في القرآت 1/ 27، وفتح المنان في نسخ القرآن ص 143 نظرية النسخ في الشرائع السماوية ص 27.
2 -
الفرقة الثانية: وهي العنانية (1): نسبة إلى عنان بن داود، وهذه الفرقة ترى جواز النسخ عقلًا وامتناعه سمعًا.
3 -
الفرقة الثالثة: وهي العيسوية (2): نسبة إلى أبي عيسى بن يعقوب الأصبهاني، ترى أن النسخ جائز عقلًا وواقع سمعًا.
وحجة هذه الفرق أن النسح يدل على البداء في زعمهم في حق الله، وهي حجة باطلة لا أساس لها، وتعالى الله عن ذلك، وقد تكفل أئمة الأصول ببيان أدلة وقوع النسخ وردّ هذه الشبهة المزعومة، وقد أعرضت عن الرد عليها، كما قال الشوكاني (3) رحمه الله: شبهة اليهود هذه لا تستحق الرد ولا الذكر ولا الاعتراض، لأنه ليس النسخ وحده الذي أنكرته اليهود، بل أنكرت أحكامًا كثيرة في التوراة، ولولا خشية الإِطالة بغير فائدة لذكرتها، ومن أحب الاطّلاع على هذه القضية فهده إشارة إلى المراجع (4).
(1) هذه الفرقة من اليهود تخالف سائر اليهود في السبت والأعياد وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد ويذبحون الحيوان على القفا، ويصدقون عيسى عليه السلام في مواعظه وإرشاداته، ويقولون بأنه لم يخالف التوراة البتة، وانه من بني إسرائل المتعبدين بالتوراة والمستجيبين لموسى عليه السلام، إلا أنهم لا يثبتون رسالته.
انظر: الملل والنحل للشهرستاني 1/ 215، والفصل لابن حزم 1/ 99، وانظر مقالتهم في أنكار النسخ (المصادر السابقة) وشرح الكوكب المنير 3/ 533.
(2)
هذه الفرقة تقول بنبوة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل خاصة وبنبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى بني إسماعيل خاصة وهم العرب لا إلى الناس كافة. وهذا جهل منهم فإِنه يلزمهم بعد الاعتراف بنبوته تصديقه وامتناع الكذب عليه، كما هو شأن النبوة.
انظر: الملل والنحل 1/ 215، والفصل في الملل والنحل 1/ 99، وانظر المصادر السابقة، وشرح جمع الجوامع 2/ 88 وشرح مختصر المنتهى لابن الحاجب. 2/ 188.
(3)
إرشاد الفحول ص 182. منه ملخصًا.
(4)
انظر المصادر المتقدمة (في الصفحة السابقة) والمحصول للرازي ق 3/ 1/ 441 - 460، والبرهان لإِمام الحرمين 2/ 1300 - 1302، والعدة لأبي يعلى 3/ 771 - 777، والمستصفى للغزالي 1/ 111 - 112، وشرح تنقيح الفصول ص 203 - 306 والمسودة ص 195، والابهاج بشرح منهاج البيضاوي للسبكي 2/ 249.