الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني في (جراحة تغيير الجنس)
والمراد بها: الجراحة التي يتم بها تحويل الذكر إلى أنثى والعكس. ففي الحالة الأولى -أي تحويل الذكر إلى أنثى- يجري استئصال عضو الرجل -الذكر- وخصيتيه، ثم يقوم الأطباء ببناء مهبل، وتكبير الثديين.
وفي الحالة الثانية -أي تحويل الأنثى إلى ذكر- يجري استئصال
الثديين، وإلغاء القناة التناسلية الأنثوية، وبناء عضو الرجل -الذكر-.
وفي كلتا الحالتين يخضع الشخص الذي تجرى له الجراحة إلى علاج نفسي وهرموني معين.
وقد انتشر هذا النوع من الجراحة في السنوات الأخيرة في بلدان الغرب الكافرة وتتلخص دوافعه في أن هؤلاء المرضى -كما يقال- يشعرون بكراهية الجنس الذي ولدوا عليه نتيجة لعوامل مختلفة، قد يعود أغلبها -كما يقول بعض الأطباء- إلى فترات مبكرة من حياة الإنسان وتربيته، وتكون التربية فيها غير سليمة، وهؤلاء الأشخاص لا يوجد فيهم أي لبس في تحديد جنسهم سواء من ناحية المظهر، أو من ناحية الجوهر كما هو الحال في الخنثى (1).
(1) جراحة التجميل بين المفهوم الطبي والممارسة، د. ماجد عبد المجيد طهبوب من بحوث ندوة الرؤية الاسلامية لبعض الممارسات الطبية ثبت الندوة ص 424.
موقف الشريعة الإسلامية من هذا النوع من الجراحة:
يعتبر هذا النوع من الجراحة الطبية محرمًا شرعًا، وذلك لما يلي:
أولاً: لقوله تعالى حكاية عن إبليس -لعنه الله-:
وجه الدلالة:
أن الآية تضمنت حرمة تغيير خلق الله على وجه العبث، وهذا النوع من الجراحة فيه تغيير للخلقة على وجه العبث، إذ يقوم الطبيب الجراح باستئصال الذكر والخصيتين وذلك في حالة تحويل الذكر إلى أنثى، أو يقوم باستئصال الثديين وإلغاء القناة التناسلية الموجودة في الأنثى في حالة تحويلها إلى ذكر.
ثانيًا: لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"(2).
وجه الدلالة:
أن الحديث دل على حرمة تشبه الرجال بالنساء والعكس، ولعن
(1) سورة النساء (4) آية 119.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 38.
من فعل ذلك وهذا النوع من الجراحة سبب يتوصل به لتحصيل هذا الفعل المحرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب (1).
لأن الرجل إذا طلب هذا النوع من الجراحة إنما يقصد أولاً وقبل كل شيء مشابهة النساء، وكذلك المرأة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (2) في شرحه لهذا الحديث: (الحكمة في من تشبه: إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: "المغيرات خلق الله" (3) اهـ.
قلت: وهذا الإخراج الذي ذكره رحمه الله إنما يتحقق في مسألتنا هنا بالجراحة فهي وسيلة للمحرم من هذا الوجه، وعليه فإن فعلها يعتبر من باب المعونة على الإثم وذلك محرم شرعًا (4).
ثالثًا: أن هذا النوع من الجراحة يشتمل على استباحة المحظور شرعًا دون إذن الشارع، إذ فيه كشف كل من الرجل والمرأة عن موضع العورة، ويتكرر ذلك مرات عديدة، وقد دلت الأدلة الشرعية على
(1) لأن الوعيد باللعن يعتبر من ضابط الكبير. انظر تفسير القرطبي 5/ 160، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام 11/ 650، 651، والكبائر للذهبي ص 7.
(2)
هو الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني ولد رحمه الله بمصر سنة 773 من الهجرة وكان إمامًا في علوم كثيرة خاصة في علم الحديث والفقه والتاريخ، توفي رحمه الله في مصر سنة 852 من الهجرة وله مصنفات منها: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الإصابة في تمييز الصحابة، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. معجم المؤلفين عمر كحالة 2/ 20 - 22.
(3)
فتح الباري لابن حجر 1/ 333.
(4)
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} الآية سورة المائدة (5) آية 2.
حرمة ذلك الكشف، ولم يوجد في هذه الجراحة دافع ضروري ولا حاجي يستثني الكشف في هذه الجراحة من ذلك الأصل فوجب البقاء على حرمته، وحرمة الوسائل المفضية إليه.
رابعًا: أنه ثبت بشهادة بعض المختصين من الأطباء أن هذا النوع من الجراحة لا تتوفر فيه أي دواع أو دوافع معتبرة من الناحية الطبية، وأنه لا يعدو كونه رغبة تتضمن التطاول على مشيئة الله تعالى وحكمته التي اقتضت تحديد جنس الإنسان ذكرًا كان أو أنثى (1).
خامسًا: قال الإمام القرطبي (2) رحمه الله: "لا يختلف فقهاء الحجاز، وفقهاء الكوفيين أن خصاء بني آدم لا يحل، ولا يجوز لأنه مثلة"(3) اهـ.
قلت: فإذا كان هذا التحريم متعلقًا بالخصاء الذي فيه تغيير لشيء من مهمة العضو، فكيف بالتغيير الكامل، لا شك أنه أولى وأحرى بالتحريم.
لهذا كله فإنه لا يجوز للطبيب ولا للطالب رجلاً أو امرأة أن يقدم على فعل هذا النوع من الجراحة .. والله تعالى أعلم.
(1) يقول الدكتور ماجد عبد المجيد طهبوب بعد ذكره للمبررات التي يتعذر بها الطالبون لهذه الجراحة: "
…
لا يوجد لدي أدنى مجال للشك في أن مثل هذه العمليات هي ضرب من التطاول على مشيئة الله سبحانه وتعالى بتحديد جنس المخلوق".
جراحة التجميل بين المفهوم الطبي والممارسة، من بحوث ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية ثبت الندوة ص 424.
(2)
هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي، تفقه على مذهب مالك، واعتنى بتفسير القرآن الكريم، توفي رحمه الله بمصر في سنة 671 من الهجرة، وله مصنفات منها: الجامع لأحكام القرآن، والتذكار في أفضل الأذكار، التذكرة. الديباج المذهب لابن فرحون ص 317، 318.
(3)
تفسير القرطبي 5/ 391.