الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقصد الثاني: في عبارات الفقهاء المتقدمين المشتملة على جواز التخدير للجراحة
نص بعض الفقهاء المتقدمين رحمهم الله على جواز استعمال المواد المخدرة عند الحاجة إليها للجراحة، كما في قطع اليد والرجل وغيرها من المهمات الجراحية التي يحتاج المرضى فيها إلى التخدير، ويظهر ذلك جليًا في العبارات التالية:
قال الإمام ابن عابدين الحنفي رحمه الله (1): "قدمنا في الحظر والإباحة عن التاترخانيه أنه لا بأس بشرب ما يذهب بالعقل لقطع نَحْو أكْلَةٍ، أقول ينبغي تقييده بغير الخمر، وظاهره أنه لا يتقيد، بنحو بنج من غير المائع .. "(2) اهـ.
فبين رحمه الله إباحة شرب المزيل للعقل إذا وجدت الحاجة للجراحة التي مثّل لها بقطع الأكْلَة ونحوها.
ثم بين أن ظاهر العبارة المنقولة العموم فيشمل الخمر وغيرها كالمخدرات، ورجح التقييد بغير الخمر، وهذا التقييد غير مؤثر في الحكم باستثناء المخدرات للحاجة لأنهم يعتبرونها من المفسدات، كما صرح بذلك صاحب الدر (3).
(1) هو الإمام محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين، ولد رحمه الله بدمشق سنة 1198 من الهجرة، وكان فقيهًا أصوليًا، وتوفي بدمشق في سنة 1252 من الهجرة، ومن مؤلفاته: رد المحتار على الدر المختار، عقود اللآليء حاشية نسمات الأسحار في الأصول. معجم المؤلفين- عمر كحالة 9/ 77.
(2)
حاشية ابن عابدين 5/ 408.
(3)
الدر المختار للحصكفي 1/ 412.
وقال صاحب تبصرة الحكام رحمه الله: "إذا كان شارب الخمر أو النبيذ حرًا مسلمًا مكلفًا وشربه مختارًا من غير ضرورة ولا عذر فإنه يجلد ثمانين
…
ثم قال بعد ذلك: والظاهر جواز ما سقي من المرقد لأجل قطع عضو ونحوه، لأن ضرر المرقد مأمون، وضرر العضو غير مأمون" (1) اهـ.
فبين رحمه الله أن الحالات الضرورية، والحاجية التي وجد فيها العذر لشرب الخمر تعتبر مستثناة من الحكم بحرمة شربها.
ثم نص على استثناء حالات الجراحة المشتملة على قطع الأعضاء من الحكم بالتحريم فأجاز شرب المرقد (المخدر) لها، وبين علة ذلك الجواز، وهي أن ضرر المخدرات مأمون، وضرر العضو غير مأمون، ووجه ذلك أن شرب اليسير من المخدر لا يبلغ ضرره مبلغ ضرر العضو في حال بقائه، فالأول مأمون السريان (أي القدر المستعمل للتخدير) والثاني غير مأمون السريان.
وقال الإمام أبو زكريا يحيى النووي الشافعي رحمه الله: "ولو احتيج في قطع اليد المتآكلة إلى زوال عقله هل يجوز ذلك؟ يخرج على الخلاف في التداوي بالخمر. قلت: الأصح الجواز .. "(2) اهـ.
فبين رحمه الله أنه يجوز للإنسان تعاطي المزيل للعقل لحاجة قطع اليد المتآكلة، وجزم بكونه أصح الوجهين في المذهب.
وقال الإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (3)
(1) تبصرة الحكام لابن فرحون 2/ 169، 170.
(2)
روضة الطالبين للنووي 10/ 171، ومثله في إعانة الطالبين للبكري 4/ 156، والإنقاع للشربيني 2/ 88.
(3)
هو الإمام علي بن سليمان بن أحمد بن محمد السعري الصالحي الحنبلي، ولد =
-رحمه الله " قال في الجامع الكبير: إن زال عقله بالبنج نظرت، فإن تداوى به فهو معذور، ويكون الحكم فيه كالمجنون.
وإن تناول ما يزيل عقله لغير حاجة كان حكمه كالسكران والتداوي حاجة" (1) اهـ.
فنص على استثناء الحاجة واعتبارها موجبة لإلغاء طلاق صاحبها إن شرب المزيل وطلق. ثم نص على أن التداوي يعتبر من الحاجة.
ولاشك في أن الجراحة داخلة في ذلك، لكونها من التداوي.
ومن خلال هذه العبارات التي نص عليها هؤلاء الفقهاء الأجلاء يتبين لنا أن التخدير الجراحي يعتبر مستثنى من الأصل الموجب لحرمة المواد المخدرة الموجودة فيه، وأن هذا الاستثناء مبني على وجود الحاجة الداعية إلى التخدير
…
والله أعلم.
* * *
= رحمه الله بمردا بفلسطين سنة 817 هى، فقيه، محدث، أصولي، وتوفي رحمه الله بالقاهرة سنة 885 هـ، وله مؤلفات منها: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، وتحرير المنقول في تمهيد علم الأصول، والتنقيح المشلج. معجم المؤلفين عمر كحالة 7/ 102، 103.
(1)
الإنصاف للمرداوي 8/ 438.