الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث في (حكم الكشف عن العورة من أجل فحص المرض الجراحي وتشخيصه)
يحتاج الطبيب عند قيامه بفحص بعض الأمراض الجراحية إلى كشف المريض عن عورته كما هو الحال في جل الأمراض الجراحية المتعلقة بالمسالك البولية (1) والأعضاء التناسلية (2) وجراحة الولادة (3).
وقد يحتاج غيره ممن يستعين بهم في بعض الإجراءات المتعلقة بالفحص الطبي إلى مثل ذلك أيضًا، فيحتاج المصور بالأشعة مثلاً إلى كشف المريض عن الموضع المراد تصويره من العورة، كما أن التصوير بالأشعة في بعض الأحيان يستلزم حقن المريض بالصبغة التي تساعد على وضوح الصورة والأفلام، ويتم حقنها عن طريق القبل أو الدبر كما هو المتبع في تشخيص بعض الأمراض الجراحية المتعلقة بالمسالك البولية، والجهاز الهضمي (4).
ويرد السؤال عن موقف الشرع من كشف المريض عن عورته في مثل هذه الحالات التي يستدعيها فحص المرض الجراحي، وما هو موقفه من نظر الطبيب وغيره ممن يستعين بهم في مهمة الفحص؟.
(1) ملحق الجراحة البولية. د. النحاس ص 40 - 46.
(2)
أمراض الجهاز البولي والجهاز التناسلي د. العطار، د. النحاس ص10 - 32.
(3)
الأمراض النسائية د. الحافظ 2/ 19، 134، 135، 156.
(4)
الشفاء بالجراحة د. محمود فاعور ص 61.
وإذا كان ذلك جائزًا فما هو قيد جوازه
…
؟.
والجواب: أن الأصل في الشرع يقتضي حرمة كشف الإنسان عن عورته كما شهدت بذلك النصوص الشرعية (1)، ونص فقهاء الإسلام رحمهم الله في كتبهم (2) إلا أن الفحص الطبي لغرض معرفة المرض الجراحي يعتبر مستثنى من حكم ذلك الأصل، وذلك لمكان الضرورة والحاجة الداعية إليه، والقاعدة الشرعية تقول:"الضرورات تبيح المحظورات"(3) والقاعدة الأخرى تقول: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"(4).
فالإنسان إذا طلب منه الفحص لمعالجة المرض الجراحي الذي يعاني منه، إما أن يكون مضطرًا، وإما أن يكون محتاجًا، وفي كلتا الحالتين هو معذور شرعًا.
قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: "ستر العورات والسوءات واجب، وهو من أفضل المروءات وأجمل العادات، ولاسيما في النساء الأجنبيات، لكنه يجوز للضرورات والحاجات".
أما الحاجات فكنظر كل واحد من الزوجين إلى صاحبه، ونظر
(1) من تلك النصوص: ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة". رواه مسلم1/ 130.
(2)
فتح القدير لابن الهمام 1/ 179، 180، مواهب الجليل للحطاب 1/ 598، 599، روضة الطالبين للنووي 1/ 282، المبدع لابن مفلح 1/ 360. قال ابن جزي رحمه الله:"العورة يجب سترها عن أعين الناس إجماعاً" اهـ. قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي ص 69.
(3)
الأشباه والنظائر للسيوطي ص 84، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 85.
(4)
الأشباه والنظائر للسيوطي ص 89، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 89.
الأطباء لحاجة المداواة.
وأما الضرورات فكقطع السلع المهلكات، ومداواة الجراحات المتلفات" (1) اهـ.
فقد بين رحمه الله أن نظر الطبيب إلي عورة مريضه لمداواة جراحة وغيرها يعتبر من المستثنيات من حرمة النظر إلى العورة وذلك لمكان الضرورة والحاجة.
وبناء على ما سبق فإنه لا حرج على المسلم في كشفه عما دعت الحاجة إلى كشفه من أجل فحص مرضه الجراحي وتشخيصه سواء كان رجلاً أو امرأة، وكذلك لا حرج على الطبيب والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة فحصه للمرض الجراحي إذا قاموا بالكشف عن عورة المريض والنظر إلى الموضع المحتاج إلى فحصه.
وهذا الحكم مبني -كما تقدم- على وجود الضرورة والحاجة فلابد من تحقق وجودها، فلا يحل للطبيب ولا لغيره أن يطالب المريض بالكشف عن عورته إلا إذا تعذر وجود الوسائل التي يمكن بواسطتها تحقيق مهمة الفحص بدون كشف للعورة، وكذلك لا يجوز للرجال أن يقوموا بفحص النساء ولا العكس إلا إذا تعذر وجود المثيل الذي يمكنه أن يقوم بالمهمة المطلوبة.
وأما قيد الجواز فهو الاقتصار على القدر الذي تسد به الحاجة دون زيادة عليه، فيجب على كل من الطبيب والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة فحص المرض الجراحي أن يقتصروا في كشفهم ونظرهم إلى عورة المريض على الموضع المحتاج إلى النظر دون غيره، وكذلك
(1) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 165.
عليهم الاقتصار على الوقت المحتاج إليه دون زيادة، وذلك لأن الأصل في الشرع يقتضي حرمة الكشف عن العورة، والنظر إليها جميعها، فإذا وجدت الضرورة أو الحاجة استثني من ذلك الأصل الموضع والزمان المحتاج أو المضطر إليه، وبقي غيره على الأصل المقتضي لحرمة كشفه والنظر إليه، وذلك للقاعدة الشرعية التي تقول:"ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"(1).
قال الشيخ أحمد الزرقاء (2) رحمه الله في شرحه لقاعدة "الضرورات تقدر بقدرها": "ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات إنما يرخص منه القدر الذي تندفع به الضرورة فحسب، فإذا اضطر إنسان لمحظور فليس له أن يتوسع في المحظور، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط"(3).
فالطبيب ومعاونوه مضطرون لمحظور وهو الكشف والنظر إلى العورة، وهذا الاضطرار مقيد بموضع معين، فليس لهم مجاوزته في الكشف والنظر ولا الزيادة على الوقت المحتاج إليه، فمتى ما توصل الطبيب إلى معرفة المرض الجراحي ومصور الأشعة من إسقاط الأشعة حرم عليهم بعد ذلك النظر إعمالاً للقاعدة التي تقول:"ما جاز لعذر بطل بزواله"(4)
…
والله أعلم.
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 84، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 86، والأقمار المضيئة للأهدل 121، 122، قواعد الفقه للمجددي ص 89.
(2)
هو الشيخ أحمد بن محمد بن عثمان الزرقاء، ولد رحمه الله في مدينة حلب سنة 1285 هـ، وهو من فقهاء الحنفية المبرزين في عصره، شرح القواعد الفقهية، ودرسها نحو عشرين سنة، توفي رحمه الله في حلب عام 1327 هـ. انظر ترجمته في مقدمة كتابه شرح القواعد الفقهية ص 13 - 24.
(3)
شرح القواعد الفقهية للزرقاء ص 133.
(4)
الأشباه والنظائر للسيوطي ص 85، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 86، شرح =