الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحكم الشريعة الإسلامية بجواز الجراحة الطبية في الجملة فيه معونة للأطباء على تحقيق هدفهم المنشود وهو تخفيف آلام الإنسانية، وذلك ليس بغريب على هذه الشريعة السامية التي جاءت بطب الأرواح والأبدان (1)، كما أن فيه تشجيعاً لهم على تعلم الجراحة وتطبيقها والإبداع فيها بابتكار الطرق السهلة النافعة، لأن الطبيب المسلم متى وجد شريعته تبيح له تعلم الجراحة وتطبيقها دعاه ذلك إلى البحث عن أسهل الطرق وأفضل الوسائل طلبًا لمرضاة الله عز وجل في تخفيف آلام إخوانه المسلمين وتفريج كرباتهم.
شبهة وجوابها:
لو قال قائل: إن الشريعة الإسلامية تقدم درء المفاسد على جلب المصالح في الاعتبار كما هو معلوم من قواعدها (2).
والجراحة الطبية تشتمل على مفاسد عديدة منها: تعذيب المرضى
(1) أما كون الشريعة جاءت بطب الأرواح فذلك تشهد به آيات القرآن الشافية من أمراض القلوب الروحية والهادية إلى صراط الله المستقيم كما أشار الله تعالى إلى ذلك في مواضع من كتابه كقوله سبحانه: {يَا أيُّهَا النَاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعظةٌ من ربَّكُمْ وَشفَاءٌ لماَ في الصُّدُور
…
} ففيه الشفاء من العقائد الزائفة والفتن والضلالات الموهمة. تفسير أبي السعود 2/ 325. وكذلك جاءت السنة النبوية المبينة لهذا القرآن بالعلاج نفسه. وأما كونها جاءت بطب الأبدان فذلك أمر تشهد به الأحاديث النبوية التي ورد فيها الأمر بالتداوي وندبه، ودلت على جملة من الأدوية النافعة بإذن الله تعالى حتى إن بعض أهل العلم رحمهم الله أفردها بمؤلف مستقل، ومن تلك المؤلفات على سبيل المثال: كتاب الطب النبوي للإمام ابن القيم، ومثله للحافظ الذهبي، وكتاب الطب من الكتاب والسنة للإمام موفق الدين عبد اللطيف البغدادي، وغيرها من المخطوطات والمطبوعات كثير.
(2)
من قواعد الشريعة الإسلامية: "درء المفاسد أولى من جلب المصالح".
انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص 87، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 90.
بالآلام المبرحة وتشويه الخلقة بقطع الأيدي والأرجل، فوجب حينئذ عدم الالتفات للمصالح المترتبة على فعلها تقديمًا لهذه المفاسد في الاعتبار ومن ثم لا يجوز فعلها شرعًا.
فالجواب: أنه تعارضت عندنا مفسدتان:
إحداهما: مفسدة المرض الجراحي وآلامه، وهي مترتبة على ترك المريض دون علاجه بالجراحة اللازمة.
الثانية: مفسدة الآلام المترتبة على فعل الجراحة.
فوجب حينئذ النظر في كلتا المفسدتين، وتقديم أعظمهما ضرراً على أخفهما إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول:"إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"(1).
فوجدنا أن مفسدة المرض الجراحي وآلامه مفسدة متعدية باقية، فهي متعدية نظرًا لأن الأمراض الجراحية تزداد وتتضاعف إلى أن تنتهي بالمريض إلى الموت في الغالب، وباقية لأن الألم لا يزول إلا بزوال المرض المسبب له وهو باق في حالة عدم علاجه بالجراحة اللازمة.
ثم وجدنا مفسدة الآلام المترتبة على الجراحة مؤقتة تزول بعد فترة معينة قد لا تصل في بعض الأحوال إلى اليوم، واليومين، كما أن الكثير منها أمكن تخفيفه في العصر الحاضر بسبب تقدم الوسائل الطبية وطرق العلاج، فهي إذًا أخف من مفسدة الأمراض الجراحية وآلامها، فوجب حينئذ تقديم مفسدة الأمراض عليها، وعدم الالتفات إلى ما ينشأ عن
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 87، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص89. ويعبر عنها بعض الفقهاء بقوله:"يختار أهون الشرين". قواعد الفقه للمجددي ص 140، وشرح القواعد الفقهية للزرقاء ص 149.
ذلك التقديم ويترتب عليه من الآلام الزائلة.
ثم إن مفسدة الآلام المعترض بها غير مقصودة من قبل الطبيب الجراح، وإنما المقصود حصول المصالح المترتبة على فعل الجراحة فسقط اعتبار تلك المفسدة لأنه لم يتمحض قصدها، وإنما جاءت على سبيل اللزوم.
قال الإمام الشاطبي (1) رحمه الله: "لا يمنع قصد الطبيب لسقي الدواء المر، وقطع الأعضاء المتآكلة، وقلع الأضراس الوجعة وبط الجراحات، وأن يحمي المريض ما يشتهيه، وإن كان يلزم منه إذاية المريض، لأن المقصود إنما هو المصلحة التي هي أعظم وأشد في المراعاة من مفسدة الإيذاء التي هي بطريق اللزوم، وهذا شأن الشريعة أبدًا"(2) اهـ.
فتبين من هذا كله عدم تأثير هذه المفاسد، نظرًا للمصالح العظيمة المترتبة على فعل موجبها
…
والله تعالى أعلم.
* * *
(1) هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي الشهير بالشاطبي، محدث فقيه أصولي لغوي، مفسر، توفي رحمه الله في شعبان سنة 790 من الهجرة وله مؤلفات منها: عنوان التعريف بأسرار التكليف في الأصول، الموافقات في أصول الأحكام، الاعتصام. معجم المؤلفين لكحالة 1/ 118، 119.
(2)
الموافقات للشاطبي 2/ 127.