الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع في (الحالات المستثناة التى يسقط فيها وجوب الإذن)
هناك حالتان يجوز فيهما للطبيب الجراح أن يقوم بفعل الجراحة الطبية دون إذن مسبق من المريض أو وليه وهما:
الحالة الأولى:
أن يكون المريض مهددًا بالموت أو تلف عضو أو أعضاء من جسده، إذا لم يتم إسعافه بالجراحة الطبية اللازمة فورًا، ولا تسمح حالته الصحية بأخذ الموافقة.
الحالة الثانية:
أن يكون المرض الجراحي من الأمراض الوبائية التي يخشى من انتشارها في المجتمع.
وبيان هاتين الحالتين يتضح فيما يلي:
(1)
أن يكون المريض مهددًا بالموت أو تلف عضو أو أعضاء من جسده:
وهذه الحالة كثيرًا ما تحدث في بعض الأمراض الجراحية التي تصل إلى درجة الخطر مثل: التهاب الزائدة الدودية إذا بلغ إلى درجة الخوف من انفجار الزائدة، فإن المريض يكون مهددًا بالموت إذا لم يتم
إسعافه بالجراحة اللازمة فورًا (1).
وأما الخوف على العضو أو الأعضاء من التلف فهو كثيرًا ما يحدث في جراحات الحوادث التي تصيب أطراف الإنسان، وهكذا جراحات الحروب التي يخشى فيها على العضو أو الأعضاء من التلف.
وفي جميع هذه الصور يكون المريض في حالة لا يستطيع معها إبداء الموافقة، ويتعذر الاتصال على قريبه أو معرفته فحينئذ يقع الأطباء بين خيارين:
أحدهما:
الانتظار إلى إفاقة المريض، أو حضور وليه، وهذا الخيار يتعذر قبوله طبيًا لغلبة الظن بهلاك المريض وموته، أو تلف عضوه أو أعضائه.
وأما الخيار الثاني:
فهو الإقدام على فعل الجراحة الطبية مباشرة دون إذن المريض ووليه.
وهذا الخيار هو المتفق مع أصول الشرع التي دعت إلى إحياء الأنفس بتعاطي الأسباب الموجبة لإنقاذها من الهلاك والتلف، واعتبرته من الضروريات.
وهذا النوع من الجراحة يعتبر ضروريًا كما تقدم بيانه عند الكلام
(1) السلوك المهني للأطباء، د. التكريتي 256.
على حكم الجراحة العلاجية، وأنه يجب على الطبيب الجراح فعله (1)، فإذا وجد الإذن المسبق فلا إشكال، وأما إذا لم يوجد -كما هو الحال هنا- فإنه يتعذر بغلبة الظن بموافقة المريض لو علم بحاله، لأن الغالب في الإنسان أن يكون حريصًا على نجاة نفسه وسلامة أعضائه.
ثم إننا نقول إن الإذن واجب في حال الإمكان، وأما في حال التعذر والخوف على النفس والأطراف فإنه يسقط الحكم بوجوبه، ويبقى وجوب إنقاذ النفس والأطراف على الأطباء كما هو فيلزمهم القيام بواجبهم.
وقد جرت العادة في بعض المستشفيات أن توجد لجنة مكونة من عدد من الأطباء المختصين يتولون النظر في مثل هذه الحالات، والحكم فيها بوجوب التدخل الفوري أو الانتظار حسبما تقتضيه مصلحة المريض ودرجة خطورة مرضه.
ووجود هذه اللجنة أمر مهم جدًا لقطع التهمة عن الأطباء بحرصهم على فعل الجراحة طلبًا لمصلحتهم الذاتية.
فشهادة هؤلاء الأطباء من أهل الخبرة تعتبر مستندًا شرعيًا ضد دعوى التهمة إذا وجهت للطبيب الجراح في حال قيامه بفعل هذا النوع من الجراحة المستعجلة الضرورية.
(2)
أن يكون المرض الجراحي من الأمراض الوبائية التي يخشى من انتشارها في المجتمع:
وهذه الحالة تقع في بعض الأمراض الجراحية المعدية، وقد صح
(1) المستصفى للغزالي 1/ 287، الموافقات للشاطبي 2/ 10.
عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"(1)، فأثبت انتقال العدوى وتأثيرها بقدرة الله عز وجل (2) وهو أمر تشهد به العادة والتجربة، وقد ثبت طبيًا انتقال المرض من المصاب به إلى غيره عن طريق المخالطة، سواء في المأكل أو المشرب، أو الملبس ونحو ذلك (3).
لهذا فإن المريض إذا كان مصابًا بمرض جراحي معدي فإنه يهدد المجتمع، ومن ثم يصبح الحق في إزالة هذ المرض المعدي راجعًا إلى مصلحة المجتمع، فإذا امتنع المريض من الموافاقة على إجراء هذا النوع من الجراحة كان امتناعه واقعًا في غير موقعه لكونه متضمنًا الضرر بالغير.
ومن قواعد الفقه الإسلامي "أن الضرر يزال"(4).
ولو قيل: إن المريض إذا امتنع من الإذن بها إنما هو ممتنع لخوف
(1) رواه البخاري في صحيحه 4/ 12.
(2)
اختلفت الأحاديث الواردة في شأن العدوى، فظاهر هذا الحديث أنها ثابتة وأنه ينبغي على الإنسان أن يجتنب مخالطة المرضى المصابين بالأمراض المعدية. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا عدوى ولا طيرة" الثابت في الصحيح يدل على نفيها، ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله في حكمها والصحيح الذي عليه الجمهور رحمهم الله أنه لا تعارض بين الحديثين وأن المقصود بحديث "لا عدوى" نفي ما كانت الجاهلية تزعمه، وتعتقده أن المرض والعاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى، وأما حديث:"لا يورد ممرض على مصح" فإنه يشتمل على الإرشاد إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى وقدره، وهذا الجمع أشار إليه النووي رحمه الله ونسبه للجمهور. والله تعالى أعلم. شرح صحيح مسلم للنووي 14/ 213، 214، وصحيح البخاري 4/ 12، 13.
(3)
الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 5/ 934.
(4)
الأشباه والنظائر للسيوطي 83، والأشباه والنظائر لابن نجيم 85.
الضرر على نفسه، ومن قواعد الفقه "الضرر لا يزال بالضرر"(1) فلِمَ يحكم بجواز فعل الجراحة على هذا الوجه؟.
لقلنا: إنه تعارض في هذه المسألة ضرران، فوجب النظر في مقدار كل منهما طلبًا لترجيح أحدهما على الآخر للقاعدة الشرعية التي تقول:"إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"(2).
فوجدنا أن ضرر المريض متعلق بالفرد، وضرر ترك المرض بدون علاج متعلق بالمجتمع، ومعلوم أن ضرر الجماعة مقدم على ضرر الفرد إعمالاً للقاعدة التي تقول:"يحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"(3).
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي 86، والأشباه والنظائر لابن نجيم 87.
(2)
الأشباه والنظائر للسيوطي 87، والأشباه والنظائر لابن نجيم 89.
(3)
الأشباه والنظائر لابن نجيم 87، وقواعد الفقه للمجددي 139، وشرح القواعد الفقهية للزرقاء 143.