الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-رحمهم الله على حياة الإنسان التي يترتب على الحكم بموتها أحكام شرعية كثيرة.
وقد أكد الإمام النووي رحمه الله هذا المعنى من طلب اليقين بموت الشخص عن طريق الأمارات والعلامات القوية، فقال رحمه الله:"فإن شُك في موته بأن يكون به علة، واحتمل أن يكون له سكتة، أو ظهرت عليه علامات فزع، أو غيره، كأن يكون هناك احتمال إغماء، أو خلافه، أخر حتى اليقين بتغير الرائحة أو غيره"(1) اهـ.
وحالة موت الدماغ تعتبر من جنس الحالات المشكوك فيها، نظرًا لبقاء القلب نابضًا، والجسم يقبل التغذية ولم يتغير لونه، فهذا أمر موجب للشك، وحينئذ ينبغي الانتظار إلى توقف القلب عن النبض بالكلية.
(2) دليل القول الثاني:
استدل القائلون باعتبار موت جذع الدماغ موجبًا للحكم بوفاة صاحبه بما يلي:
أولاً: أن العلماء رحمهم الله قرروا أن حياة الإنسان تنتهي عندما يغدو الجسد الإنساني عاجزًا عن خدمة الروح والانفعال لها.
ويشهد لذلك تعريف كل من الإمام الغزالي والإمام ابن القيم -رحمهما الله- للروح، ومفارقتها للجسد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله في تعريفه للروح: "جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جنس نوراني علوي خفيف متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون،
(1) روضة الطالبين للنووي 2/ 98، "حقيقة الموت والحياة" ثبت ندوة الحياة 410.
والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح
…
" ثم عقب على ذلك بقوله: "وهذا القول هو الصواب في المسألة الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة" (1) اهـ.
وقال الإمام الغزالي رحمه الله عند بيانه لمفارقة الروح الجسد: "معنى مفارقة الروح للجسد انقطاع تصرفها من الجسد بخروج الجسد عن طاعتها، فإن الأعضاء آلات الروح تستعملها، حتى إنها لتبطش باليد، وتسمع بالأذن، وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بنفسها،
…
وإنما تعطل الجسد بالموت يضاهي تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الروح فيها، فتكون الروح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء، وقد استعصى عليها بعضها، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها، وكل الأعضاء آلات، والروح هي المستعملة لها، ومعنى الموت انقطاع تصرفها عن البدن وخروج البدن عن أن تكون آلة له، كما أن معنى الزمانة خروج اليد عن أن تكون آلة مستعملة، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلها" (2) اهـ.
(1) الروح لابن القيم 242، ووافقه شارح الطحاوية والشيخ محمود السبكي، شرح العقيدة الطحاوية 381، الدين الخالص للسبكي 7/ 186. المصدرين السابقين.
(2)
إحياء علوم الدين للغزالي 4/ 494، ذكر هذه النصوص وأشار إلى مصادرها الدكتور محمد نعيم ياسين في بحثه نهاية الحياة الإنسانية، من بحوث ندوة الحياة الإنسانية ثبت الندوة 409، 410.
وبهذا يتبين اعتبارهم لعجز الأعضاء عن خدمة الروح والانفعال لها دليلاً على مفارقة الروح للجسد.
قالوا: وهذا موجود في موت الدماغ، فإن الأعضاء لا تستجيب لتصرفات الروح والحركة الموجودة في بعض الأحيان إنما هي حركة اضطرارية لا علاقة لها بالروح وليست ناشئة عنها.
ثانيًا: أن الفقهاء رحمهم الله حكموا بموت الشخص في مسائل الجنايات التفاتًا إلى نفاذ المقاتل، ولم يوجبوا القصاص على من جنى عليه في تلك الحالة مع وجود الحركة الاضطرارية، فدل هذا على عدم اعتبارهم لها، وإن الحكم بالموت ليس مقيدًا بانتفائها واستشهدوا لإثبات ذلك بنصوص منها:
قول الإمام بدر الدين الزركشي رحمه الله (1): "الحياة المستقرة هي أن تكون الروح في الجسد، ومعها الحركة الاختيارية، دون الاضطرارية، كما لو كان إنسان وأخرج الجاني، أو حيوان مفترس حشوته وأبانها، لا يجب القصاص في هذه الحالة
…
" (2) اهـ.
الترجيح:
الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بعدم اعتبار الإنسان ميتًا بمجرد موت دماغه وتلفه وذلك لما يأتي:
(1) هو الإمام بدر الدين أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي ولد رحمه الله بمصر سنة 745 هـ، فقيه، أصولي، محدث، أديب، توفي رحمه الله بمصر سنة 794 هـ، وله مصنفات منها: البحر في أصول الفقه، وشرح التنبيه للشيرازي، شرح جمع الجوامع للسبكي. معجم المؤلفين لعمر كحالة 9/ 121، 122.
(2)
المنثور في القواعد للزركشي 2/ 105 وما بعدها، نقلاً عن نهاية الحياة الإنسانية، د. محمد نعيم ياسين من بحوث ندوة الحياة الإنسانية، ثبت الندوة 412.
أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول من الأدلة النقلية والعقلية.
ثانيًا: أن الأصل في الإنسان أنه حي حتى يتيقن خلاف ذلك، وما ذكره أصحاب القول الثاني ليس بيقين ولا في حكم اليقين "غلبة الظن"، وذلك لما ثبت في حوادث مختلفة من إثبات الأطباء لموت الدماغ وحكمهم بوفاة المريض، ثم يعود إلى الحياة ثانية (1).
ثالثًا: أنه ثبت وجود أطفال بدون مخ وعاش بعضهم على حالته أكثر من عشر سنوات، وهذا يدل دلالة واضحة على أن موت الدماغ لا يعتبر موجبًا للحكم بالوفاة، إذ لو كان كذلك لما عاش هؤلاء لحظة بدون المخ الذي يعتبر موته أساسًا في الحكم بموت الدماغ (2).
فإذا كانت الحياة موجودة في حال فقد المخ بالكلية فإنه لا مانع من أن يحكم بوجودها في حال موت الدماغ وبقاء القلب نابضًا (3).
رابعًا: أن الأطباء الذين يعتبرون موت الدماغ علامة على الوفاة يسلمون بوجود أخطاء في التشخيص وأن الحكم بالوفاة استنادًا على هذا الدليل يحتاج إلى فريق طبي، وفحص دقيق، وهذا لا يتوفر في كثير من
(1) يقول الدكتور الشيخ بكر أبو زيد: "حكم جمع من الأطباء على شخصية مرموقة بالوفاة لموت جذع الدماغ لديه، وأوشكوا على انتزاع بعض الأعضاء منه، لكن ورثته منعوا من ذلك. ثم كتب الله له الحياة وما زال حيًا إلى تاريخه" اهـ. حكم الانتزاع لعضو من مولود حي عديم الدماغ. د. بكر أبو زيد 3.
(2)
نشرت جريدة المسلمون في عددها رقم 232 بتاريخ 11/ 12/1409 - السنة الخامسة- مقالاً تحت عنوان: "طفل بلا مخ ولكنه يعيش وينمو ويضحك"، ذكرت حادثة الطفل الذي ولد بدون مخ وقرر الأطباء أنه لا يعيش أكثر من أسبوعين، وبلغ إلى وقت الخبر خمس سنوات، ثم ذكرت حالتين أخريين: الأولى لطفل يبلغ عمره إلى حين نشر الخبر اثنتي عشرة سنة، والثانية لطفل يبلغ عمره ثلاث سنوات.
(3)
حكم الانتزاع لعضو من مولود حي عديم الدماغ. د. بكر أبو زيد 2.