الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع في (حكم الفحص بالأشعة السينية)
تعتبر الأشعة السينية من أخطر الوسائل المستخدمة في مهمة الفحص الطبي، ويكمن خطرها فيما تشتمل عليه من المواد المشعة، والطريقة المتبعة للتصوير بها.
فأما خطر المواد المشعة فهو من الأمور الثابتة علميًا، حيث دلت الدراسات المختصة بعلم الإشعاع على أن المواد المشعة تعتبر من أخطر المواد التي يتضرر جسم الإنسان بتعرضه لها.
وثبت طبيًا أن التعرض لمقدار أربعمائة وخمسين وحدة من الإشعاع الموجود في أشعة رونتجن يعتبر حدًا كافيًا في إصابة الشخص المتعرض لها بمرض الإشعاع الشديد الذي ينتهي بصاحبه إلى الموت بعد ظهور الأعراض والمضاعفات المؤلمة (1).
ونظرًا لما تشتمل عليه هذه الأشعة من خطر عظيم نجد المختصين في علم الإشعاع كثيرًا ما ينصحون بضرورة أخذ الحيطة والحذر اللازم،
= القواعد الفقهية للزرقاء ص 135. شرح المجلة للباز ص 30. قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: "وإذا تحقق الناظر إلى الزانيين من إيلاج الحشفة في الفرج حرم عليه النظر بعد ذلك إذ لا حاجة إليه، وكذلك لو وقف الشاهد على العيب، أو الطبيب على الداء فلا يحل له النظر بعد ذلك لأنه لا حاجة إليه لذلك، لأن ما حل لضرورة، أو حاجة يقدر بقدرها ويزول بزوالها
…
" اهـ. قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2/ 165.
(1)
الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 6/ 1163.
وعدم التعرض للتصوير بهذه الأشعة إلا عند وجود الضرورة الداعية إلى ذلك.
يقول أحد الأساتذة المختصين بعلم الفيزياء النووية: "الأشعة السينية خطرة بالنسبة للجزء المعرض لها من جلد الإنسان، ولكنها أخطر بكثير على الجلد، وعلى النخاع الشوكي، وعلى الغدد الجنسية، وليس من الضرورة أن تسلط الأشعة على الغدد الجنسية لتشكل الخطر عليها، إذ إن كل صورة بالأشعة تؤخذ لأي عضو في الجسم تؤثر بشكل غير مباشر على الغدد الجنسية
…
" (1) اهـ.
وورد في بعض الأبحاث المترجمة في علم الإشعاع الطبي ما يلي: "مع ما للإشعاع من استخدامات مفيدة ينبغي علينا التعامل معه بحذر وحيطة، لأنه سلاح ذو حدين، فكما أنه يمكننا من تشخيص المرض وعلاجه، فإن له مضاراً صحية علينا، وعلى سلالتنا من بعد، لذا يجب الأخذ بالقاعدة القائلة: أن لا تتعرض للإشعاع دون فوائد راجحة، وبتقليل الجرع الإشعاعية إلى أقل ما يمكن عمليًا"(2) اهـ.
فتبين من شهادة هؤلاء المختصين وجود الضرر في هذه المواد المشعة، خاصة فيما يتعلق بالغدد الجنسية، ولا يشترط في تضررها أن تتعرض الأعضاء التي توجد فيها تلك الغدد للأشعة بل مجرد تعريض أي عضو من أعضاء الجسم للأشعة يعتبر كافيًا في تعرضه لذلك الخطر.
(1) الأشعة السينية وبعض تطبيقاتها. د. محمود نصر الدين ص 235، 236.
(2)
الأشعة في التشخيص والعلاج مقال في المجلة الطبية السعودية عدد 45 شهر ربيع الأول- ربيع الثاني عام 1405 هـ مترجم عن بعض المصادر الأجنبية، وأشار إلى خطر التصوير بالأشعة الدكتور راجي عباس التكريتي في كتابه: السلوك المهني للأطباء ص 238.
ولا يقتصر ضرر الأشعة على تأثيرها السيء على الغدد الجنسية، بل إنه يتعداها إلى بقية أعضاء الجسم الأخرى كالجلد، والنخاع الشوكي، وتشير بعض المصادر الطبية المختصة إلى أنها قد تتسبب في الإصابة بالسرطان (1).
وأما ضرر الطريقة المتبعة في التصوير بالأشعة فهو ينحصر في تصوير بعض الأمراض التي يستلزم ظهورها الحقن بمادة تعين على وضوح الصورة المطلوبة (2).
وهذه المادة يتم حقنها عن طريق الوريد، وعن طريق فتحة الشرج في بعض الحالات على حسب الموضع الذي يراد تصويره، فينشأ عنها في بعض الأحيان حدوث صدمة، فيصاب المريض بالغثيان، والقيء، والدوخة وقد تؤدي إلى هبوط ضغط الدم خاصة في المرضى من كبار السن (3).
ونظرًا لوجود هذه الأضرار المترتبة على التصوير بالأشعة فإن الأصل يقتضي عدم جواز التصوير بها، إلا إذا وجدت الحاجة الداعية إلى ذلك.
وهذه القاعدة التي أشارت إليها المراجع المختصة بعلم الإشعاع من أنه: "لا يتعرض للإشعاع دون فوائد راجحة" لا مانع من اعتبارها شرعًا، بل هي متفقة مع ما أشار إليه الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في قواعده من تقديم أرجح المصالح فأرجحها، ودرء أفسد المفاسد فأفسدها، وذلك حيث يقول رحمه الله: "
…
إن تقديم
(1) الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 1/ 78.
(2)
تسمى هذه المادة بالباريوم. انظر تكنولوجيا وأوضاع التصوير بالأشعة، د. نبيل خطار 3/ 10 - 12، الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 1/ 78.
(3)
تكنولوجيا وأوضاع التصوير بالأشعة. د. نبيل خطار 3/ 136.
أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وإن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وإن تقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن، وإن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، واتفق الحكماء على ذلك وكذلك الشرائع
…
" (1) اهـ.
وبناء على ذلك فإنه ينبغي على الطبيب أن يتولى النظر في مفسدة تعريض المريض للأشعة ومفسدة المرض المشتكى منه ثم يقارن بينهما، فيقدم على إحالته إلى التصوير بالأشعة أو يحجم.
ولاشك في أن كثيرًا من الأمراض الجراحية التي جرت عادة الأطباء بإحالة المصابين بها إلى التصوير بالأشعة قد توفرت فيها الحاجة الداعية، فعلى سبيل المثال مرض القرحة المعدية، وأمراض القولون الجراحية، وأمراض الكبد والمرارة، كل هذه الأمراض وأمثالها توفرت فيها الحاجة الداعية إلى تصويرها والتأكد من وجودها ما دام أن الطبيب قد اطلع على بعض الدلائل والأمارات الموجبة للتأكد من وجودها أثناء قيامه بمهمة الفحص المبدئي.
وإذا ثبت القول بجواز التصوير بالأشعة عند الحاجة، فإنه ينبغي على الطبيب المختص بمهمة التصوير أن يتقيد بقدر الحاجة للقاعدة الشرعية التي تقول:"ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"(2) ومن ثم فإنه يحرم عليه الزيادة في قدر الجرعة المسلطة على الموضع المراد تصويره، وينبغي عليه أن يقتصر على القدر المعتبر عند أهل الاختصاص، لأن القدر الزائد عن الحاجة باق على حكم الأصل الموجب لحرمته
…
والله تعالى أعلم.
(1) قواعد الأحكام لابن عبد السلام 1/ 5.
(2)
الأشباه والنظائر للسيوطي ص 840، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 86.