الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني في (رخص الصلاة)
والأصل فيها ما ثبت في الصحيح من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟ فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"(1).
فقد دل هذا الحديث على أن المريض إذا لم يستطع القيام جاز له أن يترخص بالصلاة قاعدًا، فإن لم يستطع القيام والقعود صلى على جنب (2).
وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أن المريض إذا لم يستطع القيام في الصلاة سقط عنه فرضه، قال الإمام ابن حزم رحمه الله:"واتفقوا على أن القيام فيها فرض لمن لا علة به .. "(3) اهـ.
ومن ثم فإن المريض بعد الجراحة إذا لم يستطع القيام في صلاته جاز له أن يترخص بالقعود، وهل له إذا خاف تأخر البرء أو وجد مشقة شديدة فيه أن يترخص بترك القيام؟ قولان للعلماء (4): أصحهما أنه
(1) رواه البخاري في صحيحه 1/ 195، 196.
(2)
فتح الباري لابن حجر 2/ 397.
(3)
مراتب الإجماع لابن حزم 26، حاشية ابن عابدين 1/ 709، جواهر الإكليل للأبي 1/ 55، المهذب للشيرازي 1/ 101، الإنصاف للمرداوي 1/ 305.
(4)
القول باعتبار خوف تأخير البرء رخصة في ترك القيام نص عليه فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. انظر شرح العناية للبابرتي 1/ 375، جواهر الإكليل للآبي 1/ 55، روضة الطالبين للنووي 1/ 234، الإنصاف للمرداوي =
يجوز له ذلك، لأن خوف إبطاء البرء ووجوده مشقة الضنى يعتبر في حكم المشقة الحاجية الموجبة للترخيص على أصح الوجهين عند العلماء، قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله عند بيانه لمراتب المشقة الموجبة للترخيص شرعًا: "الرتبة الثانية: مشقة دون المشقة في الرتبة كالخوف من حدوث المرض المخوف، فهذا ملحق بالرتبة العليا على الأصح.
الرتبة الثالثة: خوف إبطاء البرء، وشدة الضنى ففي إلحاقه بالرتبة الثانية خلاف، والأصح الإلحاق" (1) اهـ.
وعلى هذا فإنه يجوز للمريض أن يترخص بترك القيام في الصلاة إذا تعذر عليه ذلك كالحال في من أجريت له الجراحة في قدميه بحيث لا يستطيع القيام عليهما.
وكذلك يجوز له إذا أمكنه أن يقوم ولكن يؤدي ذلك إلى حصول ضرر كتأخر برءٍ، أو عدم نجاح الجراحة التي أجريت له ، يجوز له أن يصلي قاعدًا في جميع ذلك.
ولو نصحه الأطباء بترك القعود أيضًا خوفًا من المفسدة نفسها، جاز له ترك القعود، وكذلك لو لم يستطع القعود كالحال في جراحة العمود الفقري، فإنه يجوز له أن يصلي على جنبه ومستلقيًا يوميء إيماء (2)، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه المتقدم، وفيه:
= 1/ 205، والقول باعتبار العجز عن القيام وحده دون تأخر البرء هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله. الصحيح من المذهب خلافها المصدر الأخير.
(1)
قواعد الأحكام لابن عبد السلام 1/ 12.
(2)
فتح القدير لابن الهمام 1/ 375، جواهر الإكليل للأبي 1/ 56، 57، روضة الطالبين للنووي 1/ 236، 237، الإنصاف للمرداوي 1/ 307.
"فإن لم تستطع فعلى جنب".
وكذلك يجوز له ترك الركوع والسجود إذا كان غير مستطيع (1) للانحناء أو خشي من ركوعه وسجوده حصول ضرر أو تأخر برء، كالحال في القيام بجامع المشقة في كل، وكما يجوز له ترك هذه الأركان نظرًا لوجود المشقة الموجبة للترخيص، كذلك يجوز له ترك شروط الصحة من باب أولى، فيرخص له أن يصلي مستلقيًا على ظهره، وإلى غير القبلة إن حضرته الصلاة ولم يجد من يوجهه إليها، كما نص على ذلك بعض الفقهاء رحمهم الله (2).
وينبغي على المريض أن يتيقن بوجود الحاجة كما تقدم في رخص الطهارة، فلو أمكن أن يقوم بعض الركعة دون بعضها فعل ذلك (3)، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في قيام الليل (4)، ولو أمكنه الانحناء يسيرًا في الركوع والسجود لزمه فعله وهكذا، فإذا زال العذر بالكلية زالت الرخصة ورجع إلى حكم الأصل الموجب لفعل الأركان على الوجه المطلوب
…
والله تعالى أعلم.
* * *
(1) المصادر السابقة.
(2)
حاشية ابن عابدين 1/ 709.
(3)
جواهر الإكليل للأبي 1/ 56، الإنصاف للمرداوي 1/ 309.
(4)
رواه البخاري في صحيحه 1/ 196، وترجم له بقوله:"باب إذا صلى قاعدًا ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي". ورواه مسلم في صحيحه 1/ 281.