الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع الثاني في (المسئولين عن مرحلة العمل الجراحي)
يتحمل الطبيب الجراح العبء الأكبر من المسئولية في هذه المرحلة، ولا تخلو مسئوليته فيها إما أن تكون مباشرة، أو سببية.
كما يتحمل مساعدوه المسئولية في هذه المرحلة، كل حسب المهمة المطلوبة منه ومجال عمله.
فأما الطبيب الجراح فإنه يتحمل المسئولية المباشرة عن عمله الجراحي، فهو مسئول في الأصل عن الالتزام بالقواعد المعتبرة عند أهل الاختصاص في مهمته الجراحية.
فينبغي عليه التقيد والالتزام بها، وعدم الخروج عنها.
فإذا أخل بهذا الواجب، وخرج عن الأصول والقواعد المتبعة عند أهل الاختصاص والمعرفة على وجه ينتفي فيه عذره شرعًا، فإنه يتحمل المسئولية الكاملة عن كل ما ينتج عن ذلك الخروج، وهكذا إهماله وتقصيره في مراعاة الأمور التي ينبغي عليه مراعاتها أثناء قيامه بمهمته.
ومن أمثلة الحالة الأولى تجاوزه للقدر المعتبر في الشق عند أهل الاختصاص، وزيادته في القدر المقطوع من العضو المراد قطعه دون موجب معتبر طبيًا.
ومن أمثلة الحالة الثانية إهماله لتنظيف الجرح، أو غسله، أو إهمال تعقيمه، وتركه لبقايا الشاش في داخل الجوف مما يؤدي إلى حدوث تسمم ينتهي بوفاة المريض وهلاكه.
فهذه الحالات، وأمثالها يتحمل فيها الطبيب الجراح المسئولية الكاملة عن تقصيره وإهماله ومجاوزته للحدود المعتبرة عند أهل الاختصاص.
ولاشك في تحمله لمسئولية الآخرة التي هي أشد وأعظم من مسئولية الدنيا.
وهذه المسئولية تعتبر مسئولية مباشرة لكون الطبيب الجراح باشر فعل الموجب لها وحده.
وأما المسئولية السببية فهي تتمثل في تعاطيه للسبب الموجب لحدوث الفعل الذي تترتب عليه المسئولية ويتولى مباشرة الفعل غيره من المساعدين له، كما في حالة إذنه للمساعدين الذين لم تتوفر فيهم الأهلية المعتبرة بأن يقوموا بفعل مهمة يجهلونها ثم يترتب على فعلهم ضرر مبني على جهلهم بالأصول المعتبرة، فحينئذ تعتبر مسئولية الطبيب الجراح عنهم مسئولية سببية، نظرًا لكونه تسبب في فعلهم من جهة إذنه لهم بالقيام بتلك المهمة، وأما المساعدون له فإنهم يتحملون المسئولية عن كل ضرر ينتج عن فعلهم كل حسب اختصاصه، ومجال عمله، وتعتبر مسئوليتهم على هذا الوجه مسئولية مباشرة، إذا قاموا بفعل الموجب للمسئولية بأنفسهم، وإلا كانت مسئولية سببية.
فالمخدر يتحمل المسئولية عن إهماله وتقصيره في اتخاذ الاستعدادات الكافية لحصول الهبوط المفاجيء في ضغط الدم.
وكذلك يتحمل المسئولية عن تقصيره في الإجراءات اللازمة لإسعاف المريض، وإرجاعه إلى الوضع الطبيعي الملائم كما في حالة توقف عمل القلب، وضعف تنفسه ونحو ذلك من الحالات الطارئة أثناء العمل الجراحي.
كما يعتبر مسئولاً عن تقصيره الذي أدى إلى انزلاق الأشياء الغريبة في حنجرة المريض مما يتسبب في انسداد مسالكها.
أو يقصر بعدم استعماله للأنبوبة المعدية في حالات القيء الأمر الذي ينشأ عنه اختناق المريض باستنشاق كمية من سائل القيء.
وكذلك يعتبر مسئولاً عن إهماله لبعض أجزاء الجسم بعدم العناية بوضعها المعتبر، كما في حالة تركه لذراع المريض ساقطة على حافة طاولة العمليات الجراحية مما يتسبب في حدوث الشلل في العص الكعبري أو الزندي (1).
فهذه الحالات وأمثالها يعتبر الضرر فيها ناشئًا عن إهمال أخصائي التخدير، وقد جرى العرف عند الأطباء. باعتبار المخدر مسئولاً عنها من الناحية العملية، فتقصيره في ذلك يوجب إلزامه بالعواقب المترتبة عليه.
وكذلك الممرض والممرضة يعتبر كل منهما مسئولاً عن أي تقصير وجد منه في المهمة المطلوبة منه أثناء العمل الجراحي.
فإذا قصر الممرض في إحضار الآلات المطلوبة في الوقت المحدد لها، أو قصر في تعقيمهما قبل الجراحة أو أثناءها وترتب على ذلك حصول تلوث في الجرح، فإنه يتحمل المسئولية عن تقصيره.
وكذلك لو أذن للطبيب الجراح بقفل موضع الجراحة دون تأكد من
(1) أشارت المصادر الطبية المختصة بأن المخدر يعتبر في عرف الأطباء يعتبر في عرف الأطباء ملزمًا بمراقبة الطبيب مراقبة أثناء التخدير، وأنه مكلف ببذل العناية والإسعاف اللازم لكل ما يطرأ على مهمة التخدير وتنفس المريض. انظر السلوك المهني للأطباء د. التكريتي 254، 255، العمليات الجراحية. محمد رفعت 23، 24، الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 3/ 543، التخدير: غوردون أوستلر، روجر برايس 162.
اكتمال الآلات المستعملة في المهمة بعدِّها (1)، ثم تبين أن الطبيب الجراح قفل الجرح على شيء منها، فإن الممرض يتحمل المسئولية عن تقصيره في عد تلك الآلات، وإخباره للطبيب الجراح باكتمالها، لكن هل تعتبر مسئوليته في هذه الحالة مسئولية سبب أو مباشرة؟.
الذي يظهر أنها مسئولية سبب، نظرًا لعدم مباشرته لقفل موضع الجراحة، وإذا كان هؤلاء المساعدون جاهلين بالمهام التي قاموا بفعلها فإنه حينئذ تعتبر مسئوليتهم مسئولية مباشرة متى ترتب عليها ضرر بالمريض، وذلك لمكان رضاهم بالقيام بفعل تلك المهمات مع جهلهم لها، ولا تسقط مسئولية الجراح عنهم المسئولية المتعلقة بهم، فهم المباشرون لفعل السبب الموجب، وإذا كانت المهمات التي قاموا بفعلها مشتملة على مداواة للمريض كانوا داخلين في عموم قوله عليه الصلاة والسلام:"من تطبب بغير علم فهو ضامن"(2)، وهم آثمون شرعًا بإقدامهم على فعل تلك المهمات نظرًا لما في ذلك من أذية للغير وإضرار به بدون حق، فتتعلق بهم المسئولية في الآخرة من هذا الوجه
…
والله تعالى أعلم.
* * *
(1) من المهمات التي يطالب بها الممرضون والممرضات أثناء مهمة العمل الجراحي تعقيم الآلات المستعملة في الجراحة، وعدُّها وإخبار الطبيب باكتمالها. وفي الموسوعة الطبية الحديثة ما نصه: "وهي -أي رئيسة الممرضات- مسئولة عن عدّ الفوط وقطع القماش التي تستعمل في العملية، ولا يخيط الجراح الجرح إلا بعد أن تتحقق الممرضة من عدّ هذه القطع المستعملة
…
" اهـ. الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 3/ 543.
(2)
تقدم تخريجه.