الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(2) دليل القول الثاني:
استدل القائلون بصحة الإجارة على فعل الحجامة، وأنه يجوز أكل أجرتها بنفس الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول في الفقرة الأولى من استدلالهم.
(3) دليل القول الثالث:
استدل القائلون بتحريم الإجارة على فعل الحجامة بدليل السنة:
أ- حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كسب الحجام
…
" (1).
ب- حديث رافع بن خديج رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "
…
كسب الحجام خبيث" (2).
جـ- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كسب الحجام"(3).
وجه الدلالة من الأحاديث:
أنها نصت على حرمة كسب الحجام لأن الأصل في النهي أنه للتحريم، وكذلك وصفه كسب الحجام بالخبث ظاهر في الدلالة على حرمته، وأما حديث أنس فصريح في الدلالة على عدم جواز ذلك الكسب (4).
(1) رواه الإمام أحمد في مسنده 2/ 299، قال الشيخ أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري عنه "سنده صحيح" اهـ. الهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري 7/ 468، 469.
(2)
رواه مسلم 3/ 31.
(3)
رواه الطحاوي في معاني الآثار. شرح معاني الآثار 4/ 129، الهداية للغماري 7/ 469.
(4)
بداية المجتهد لابن رشد 3/ 223، ونيل الأوطار للشوكاني 5/ 285.
سبب الخلاف:
سبب اختلافهم في هذه المسألة تعارض الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم (1).
الترجيح:
الذي يترجح في نظري، والعلم عند الله، هو القول بصحة الإجارة على فعل الحجامة، وكراهية أكل ثمنها للحر خاصة وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة دلالة النقل والعقل على ذلك، كما تقدم بيانه في استدلال أصحاب هذا القول.
ثانيًا: أن هذا القول فيه جمع بين الأدلة، ودفع لدعوى التعارض والجمع بين الأدلة أولى من العمل ببعضها، وترك البعض الآخر.
ثالثًا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث فيجاب عنه من الوجوه التالية:
الوجه الأول:
أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه اشتمل على النهي عن كسب الحجام، والأصل في النهي أن يحمل على التحريم ولكن بشرط عدم وجود الصارف، وهنا قد وجد الصارف من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله.
(1) بداية المجتهد لابن رشد 2/ 223.
فأما قوله فذلك في أمره لأبي رافع رضي الله عنه في حديثه الصحيح. وأما فعله فذلك في إعطائه الحجام أجرته، إذ لا يصح أن يعطي النبي صلى الله عليه وسلم الحرام أو يعين عليه (1).
الوجه الثاني:
أن وصف كسب الحجامة بالخبيث كما ورد في حديث أبي رافع رضي الله عنه لا يستلزم التحريم. ولذلك ورد وصف الثوم والبصل بالخبيث، مع أنهما من المباحات (2).
الوجه الثالث:
أن حديث أنس رضي الله عنه لم أعثر على من صححه، وهو معارض بما ثبت عنه في الصحيحين أنه سئل عن كسب الحجام فذكر احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وإعطاءه لأبي طيبة الصاعين أجرة للحجامة، فكونه لم يذكر تحريم النبي صلى الله عليه وسلم فيه إشارة إلى بعد صحة رواية التحريم، وإن كان التحريم واردًا من طرق صحيحة عن غيره من الصحابة.
إلا أن يقال إنه كان عالمًا بالتحريم، ولم يذكره لكونه منسوخًا وهذا هو مسلك بعض العلماء رحمهم الله في جمعهم بين هذه الأحاديث المختلفة فإنهم يرون أن النهي كان في أول الأمر ثم نسخ (3).
وعلى كل فإن حديث أنس رضي الله عنه هذا إما ضعيف، أو
(1) أشار إلى هذا الجواب الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني 6/ 122.
(2)
المغني والشرح الكبير لابن قدامة 6/ 122.
(3)
أشار إلى هذا المسلك الحافظ ابن حجر رحمه الله ونسب إلى الطحاوي رحمه الله جنوحه إليه ثم رده بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. فتح الباري 4/ 309.
قلت: وقد مال إلى هذا المسلك الإمام السرخسي رحمه الله، في المبسوط 5/ 84. وحكاه الإمام ابن رشد الجد رحمه الله في البيان ورجح الجواب بأن النهي للكراهة وأن الحديث ليس بمنسوخ. البيان والتحصيلى 8/ 446. قلت: وحديث أنس رضي الله عنه هذا إذا ثبت فيه دليل على النسخ، والله تعالى أعلم.