الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث في (الجرا حة الوقائية)
وهي الجراحة التي يقصد منها دفع ضرر محتمل الوقوع في المستقبل (1)، ولا يخلو احتمال وقوعه من حالتين:
الحالة الأولى: أن يصل إلى درجة غلبة الظن.
الحالة الثانية: أن يكون دونها (درجة الشك، والوهم).
فأما الحالة الأولى، فقد سبق بيان حكمها، وأن الجراحة المتعلقة بها تعتبر مشروعة نظرًا لقوة الاحتمال الموجود فيها.
وأما الحالة الثانية، فهي المقصودة هنا، ويقدم الأطباء فيها على استئصال الأعضاء وأجزائها مع أن تلك الأعضاء، والأجزاء بحالتها الطبيعية، وتقوم بأداء وظائفها في جسم الإنسان بصورة عادية، ومن أشهر أمثلتها الحالات الجراحية التالية:
(1)
استئصال الزائدة الدودية، وهي في حالة سليمة، خوفًا من التهابها وانفجارها مستقبلاً.
(2)
استئصال اللوزتين، وهما في حالتهما الطبيعية، خوفًا من التهابها مستقبلاً.
(1) السلوك المهني للأطباء د. التكريتي 271.
(3)
قلع الأسنان منفردة، أو مجموعة، وهي بحالة طبيعية، وتؤدي وظيفتها بالشكل المطلوب (1).
فهذه الحالات وأمثالها يقدم فيها الأطباء على مهمة الجراحة دون أن تتوفر الدلائل، والأمارات المعتبرة لإثبات المخاوف المفترضة في المستقبل.
وبناء على ذلك فإن هذه الجراحة تعتبر محرمة شرعًا، وذلك لما يأتي:
أولاً: أن الأصل يقتضي حرمة الإقدام على تغيير خلقة الله تعالى بقطع الأعضاء، واستئصالها ما لم توجد حاجة داعية إلى فعل ذلك.
وحيث إن هذه الحالات وأمثالها لم تتوفر فيها أسباب معتبرة شرعًا
للحكم بجواز فعلها فإنها تعتبر باقية على حكم ذلك الأصل الموجب لحرمتها.
ثانيًا: أن هذه الأعضاء المستأصلة، والمقلوعة لم يوجدها الله تعالى في جسم الإنسان عبثًا، بل هناك مصالح مترتبة على وجودها والقيام باستئصالها وقطعها بأعذار موهومة، فيه تعطيل لتلك المصالح بدون موجب معتبر فكان ضررًا ومفسدة، والشرع لا يجيز الإضرار والفساد.
ثالثًا: لا يجوز استئصال هذه الأعضاء وغيرها في هذه الحالات وأمثالها كما لا يجوز فعله على سبيل الاعتداء بجامع ترتب الضرر على
(1) أشار إلى هذه الأمثلة الدكتور راجي عباس التكريتي المصدر السابق 271، 272، وانظر الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 6/ 1140.
كلا الفعلين.
لهذا كله فإنه يعتبر هذا النوع من الجراحة محرمًا، ومن ثم فإنه لا يجوز للطبيب فعله، ولا للمريض أن يأذن له بذلك ويمكنه من قيامه بمهمته.
* * *