الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الخامس أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة
يشترط لجواز فعل الجراحة أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاحها، بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية، ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها، وهلاكه.
وبناء على ذلك فإنه إذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها.
قال الإمام العز بن عبد السلام (1) رحمه الله: " .. وأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه، كقطع اليد المتآكلة حفظًا للروح، إذا كان الغالب السلامة فإنه يجوز قطعها"(2) اهـ.
فبين رحمه الله أن جواز فعل القطع مقيد بحصول غلبة الظن بسلامة المريض، ومفهوم هذا الشرط المذكور أنه إذا لم تحصل تلك الغلبة أنه لا يجوز له فعل القطع، وفي حكم القطع بقية أنواع الجراحة لاتحاد العلة وهي المحافظة على الروح وسلامتها، والجراحات الطبية
(1) هو: الإمام العز بن عبد السلام بن عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي السلمي الملقب "بسلطان العلماء" ولد رحمه الله سنة 577 هـ، وانتهت إليه رئاسة الشافعية بمصر، وكانت له مواقف جليلة محمودة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، توفي رحمه الله بالقاهرة في جمادى الأولى من سنة 660 هـ.
وله مصنفات منها: قواعد الأحكام، الإشارة إلى الإيجاز، القواعد الصغرى "المقاصد". البداية والنهاية لابن كثير 13/ 235، 236، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص 222، 223.
(2)
قواعد الأحكام لابن عبد السلام 1/ 92.
تختلف نسب نجاحها بحسب اختلاف درجات الخطورة الموجودة فيها، وبحسب اختلاف الجراحين أنفسهم من حيث المهارة وطول التجربة، فالجراحة المتعلقة بباطن الإنسان وداخل جوفه أشد خطورة في غالب صورها من الجراحة المتعلقة بظاهره.
ثم الجراحة الجوفية تختلف نسبة الخطورة فيها بحسب أهمية العضو المصاب، فجراحة القلب، والأعصاب، والدماغ أشد خطورة من غيرها في الغالب.
والشريعة الإسلامية لا تبيح فعل الجراحة التي يغلب على ظن الطبيب هلاك المريض بسببها، لأن ذلك مخالف لأصول الشرع التي راعت حفظ النفس واعتبرته من الضروريات (1)، ونهت عن تعريضها للهلاك والتلف كما أشار الحق سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله: {وَلا تُلقُوا بأيْديكُمْ إِلَى التَهْلُكَة
…
} (2)، وقوله سبحانه:
{وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إِن اللَّهَ كَانَ بكُمْ رَحيمًا} (3).
وإقدام الطبيب على فعل الجَراحةَ التي يقطع بهلاك المريض بسببها أو يغلب على ظنه ذلك يعتبر ضربًا من الفساد في الأرض الذي حرمه الله سبحانه وتعالى ونهى عنه بقوله جل شأنه: {وَلا تُفْسدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا
…
} (4)، وقوله في معرض الذم: {
…
وَإِذَا
(1) المستصفى للغزالي 1/ 287، والموافقات للشاطبي 2/ 10.
(2)
سورة البقرة (2) آية 195.
(3)
سورة النساء (4) آية 29.
(4)
سورة الأعراف (7) آية 56. قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: "لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه" اهـ. زاد المسير لابن الجوزي 3/ 216.
تَولى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ} (1). فلا يجوز له فعله.
ومن ثم قال الإمام البغوي (2) رحمه الله: "والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورًا"(3) اهـ.
ويعتبر الطبيب الجراح هو المرجع في الحكم بغلبة الظن بسلامة المريض من أخطار الجراحة أو عدمها.
فهو الذي يقوم بالنظر في نوعية الجراحة المقررة، ودرجة خطورتها، وقدرة تحمل المريض لأخطارها ثم بعد ذلك يحكم بما يؤديه إليه نظره واجتهاده.
وإنما اعتبر الشرع غلبة الظن بسلامة المريض لأنها في حكم اليقين فالشيء الغالب كالمحقق حكمًا، ومن ثم فإنه لا ينبغي للطبيب الجراح أن يلتفت إلى النسبة الضعيفة التي تقابل النسبة الراجحة، لأنها لا تقوى على معارضتها فلا يلتفت إليها، ولو ذهبنا نعتبر هذه النسب الضعيفة لتعطلت مصالح الدارين، ولما أمكننا درء مفاسدهما كما قرر ذلك الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في قواعده (4).
(1) سورة البقرة (2) آية 205.
(2)
هو: الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي الشافعي يعرف بابن الفراء، كان إمامًا في التفسير، والحديث، والفقه، توفي رحمه الله سنة 516 هجرية. وله مصنفات منها: معالم التنزيل في التفسير، وشرح السنة، والجمع بين الصحيحين. طبقات المفسرين للسيوطي ص 12، 13.
(3)
شرح السنة للبغوي 12/ 147.
(4)
قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في قواعده: "الاعتماد في جلب مصالح الدارين، ودرء مفاسدهما على ما يظهر في الظنون .. فكذلك أهل الدنيا =