الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عند النساء).
(10)
جراحة قلع الضرس إذا أصابه النخر والألم (1)(جراحة الفم والأسنان).
فهذه الحالات والأمراض الجراحية تنشأ عنها آلام قد تكون مبرحة تنغص على المريض حياته، وتمنعه من الراحة، وأداء العبادة على وجهها.
النوع الثاني:
الأمراض والحالات الجراحية التي يخشى من ضررها مستقبلاً، ولا يوجد فيها ألم منغص، والحاجة في هذا النوع مبنية على الضرر المتوقع حدوثه في المستقبل إذا لم يتم علاج الحالة بالجراحة، وأما الألم في هذا النوع فإنه يسير ولا يكون بذي بال، فليست هناك مشقة من جهته.
وأعراض هذه الحالات تكون خفية نظرًا لعدم وجود الألم الذي ينذر الإنسان غالبًا بخطر المرض ووجوده.
ويشترط في الضرر أن يغلب على ظن الطبيب وقوعه، أما إذا لم يغلب على ظنه بأن كان متوهمًا مثلاً كما في جراحة استئصال اللوزتين السليمتين من الأطفال خشية التهابها مستقبلاً، فإن هذا الظن المتوهم لا تأثير له، ولا يصير به المريض محتاجًا.
ومن أمثلة الحالات والأمراض الجراحية المتعلقة بهذا النوع ما يلي:
(1) جراحة الفم والفكين. دانتيل لاسكن ص 9 ترجمة د. عادل زكار.
(1)
جراحة الجلوكوما المزمنة (1).
(2)
جراحة استئصال الأكياس المائية الموجودة في الكبد (2)
(3)
جراحة استئصال الخراج الكلوي (3).
(4)
جراحة استئصال الأورام السليمة في القولون (4).
(5)
جراحة استئصال الأورام الهلامية القلبية (5).
فهذه الأمراض، والحالات الجراحية إذا لم يتم علاجها بالجراحة اللازمة، فإنها تهدد الأعضاء المصابة وغيرها بالخطر فعلى سبيل المثال: مرض الجلوكوما المزمن الذي يصيب العين، لا يحس
(1) الجلوكوما: "مرض يصيب العين يتسم بازدياد الضغط في داخل العين، مما يترتب عليها حصول تلف بالشبكية والعصب البصري". الموسوعة الطبية الحديثة لمجموعة من الأطباء 3/ 474، والتصريف الزين في مناجزة سقم العين. د. محمد عبد العزيز ص 397، 398.
(2)
الأمراض الجراحية. لمجموعة من الأطباء ص 229.
(3)
ملحق الجراحة البولية د. النحاس ص 89. الخُرَّاج: تجمع صديدي في داخل تجويف مسبب عن التهاب صديدي حاد بالأنسجة مع فسادها وتنخرها".
والكلية: "عضو بالبطن مختص باستخلاص البول من الدم توطئة لإخراجه، والتخلص منه". الموسوعة الطبية العربية. د. البيرم ص 133، 281.
(4)
الأورام السليمة: "كتلة من الأنسجة ناتجة عن نمو غير طبيعي للخلايا"، وهي إحدى قسمي الأورام، والثاني منهما الأورام الخبيثة. والقولون:"هو الأمعاء الغليظة الممتدة من الأعور حتى المستقيم". الموسوعة الطبية العربية. د. البيرم ص 332، والشفاء بالجراحة. د. الفاعور ص 79، والأمراض الجراحية لمجموعة من الأطباء ص 87، 97، 99.
(5)
الورم الهلامي: هو أحد أورام القلب البدئية، وهو في الأصل تنشؤ حقيقي سليم مصدره الخلايا الأولية في شغاف القلب، أو النسيج تحت الشغاف، ويتم علاجه بالاستئصال جراحيًا. جراحة القلب. د. القباني ص 391، 392.
المريض المصاب به بآلام سوى صداع خفيف، ولا يزال يسري في العين المصابة إلى أن يؤدي إلى فقد الإبصار بها بالكلية (1).
والحكم بجواز هذا النوع من الجراحة يعتبر متفقًا مع أصول الشرع وقواعده.
وذلك لأن الشريعة الإسلامية راعت رفع الحرج، ودفع الضرر عن العباد، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب العزيز، والسنة النبوية المطهرة.
قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (2).
وقال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} (3).
وقال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج} (4).
وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج {. (5)
وفي الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن
(1) التصرف الزين في مناجزة سقم العين. د. محمد عبد العزيز ص 387، 388.
(2)
سورة البقرة (2) آية 185.
(3)
سورة النساء (4) آية 28.
(4)
سورة المائدة (5) آية 6.
(5)
سورة الحج (22) آية 78. قال الإمام الجصاص رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: "قال ابن عباس: من ضيق، وكذلك قال مجاهد، ويحتج به في كل ما اختلف فيه من الحوادث أن ما أدى إلى الضيق فهو منفي، وما أوجب التوسعة فهو أولى" اهـ. أحكام القرآن للجصاص 3/ 251.
النبي صلى الله عليه وسلم قال له ولمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا، ولا تعسرا، وبشرا، ولا تنفرا
…
" (1).
وفي الصحيح أيضًا من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يسروا ولا تعسروا"(2).
فهذه النصوص الشرعية من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، شاهدة على اعتبار الشريعة لرفع الحرج والمشقة عن العباد، وأنها جاءت بالتيسير لا بالتعسير.
وهذه الأمراض والحالات الجراحية اشتملت على ضرر يتأذى منه المريض المصاب بها سواء كان ذلك في حاله أو مآله، وقد راعت الشريعة الإسلامية دفع مشقتها عمومًا أي سواءً كانت مشقتها موجودة، أو كانت متوقعة الوجود للقاعدة الشرعية التي تقول:"المشقة تجلب التيسير"(3).
والآلام الموجبة للمشقة قصد الشرع دفعها كما قصد رفعها، فكما يشرع للمكلف أن يسعى في رفع مشقة الألم الموجودة بالتداوي المأذون به، كذلك يشرع له دفع وقوعها بالتداوي المزيل للأسباب الموجبة لها، وقد أشار الإمام الشاطبي رحمه الله إلى ذلك بقوله: "وقد تكون المشقة الداخلة على المكلف من خارج لا بسببه، ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه، فههنا ليس للشرع قصد في بقاء ذلك الألم، وتلك
المشقة والصبر عليها، كما أنه ليس له قصد في التسبب في إدخالها على النفس، غير أن المؤذيات، والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاء للعباد.
(1) رواه البخاري في صحيحه 4/ 69.
(2)
المصدر السابق.
(3)
الأشباه والنظائر للسيوطي ص 76، والأشباه والنظائر لابن نجم ص75، وشرح القواعد الفقهية للزرقاء ص 105، وقواعد الفقه للمجددي ص 122.
وفُهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق
…
بل أذن في التحرر منها عند توقعها وإن لم تقع تكملة لمقصود العبد وتوسعة عليه
…
" ثم ذكر الأمثلة على النوعين فقال: "ومن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد، وفي التداوي عند وقوع الأمراض، وفي التوقي من كل مؤذ آدميًا كان أو غيره، والتحرز من المتوقعات حتى يقدم العدة لها" (1) اهـ.
فقد بين رحمه الله بقوله: "وفُهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق .. " أن دفع ضرر الآلام عن المكلف مأذون به شرعاً، فدخل فيه النوع الأول من الجراحة العلاجية الحاجية المشتمل على دفع ضرر الآلام الموجودة في الأمراض والحالات الجراحية التي ينتظمها.
كما بين رحمه الله بقوله: "بل أذن في التحرز منها عند توقعها، وإن لم تقع
…
": أن الشريعة أذنت في تعاطي الأسباب الموجبة لحفظ العبد من ضرر الآلام المتوقعة، وأكد ذلك بقوله بعده في معرض التمثيل: "وفي التوقي من كل مؤذ آدمياً كان أو غيره".
فقوله: "من كل مؤذ" عام شامل لكل ما يصدق عليه أنه مؤذ، والأمراض والحالات الجراحية التي ينتظمها النوع الثاني من الجراحة العلاجية الحاجية يصدق عليها هذا الوصف، لأنها ستضر المريض وتؤذيه مستقبلاً، وستترتب عليها مضاعفات خطيرة، فيشرع للمكلف السعي في دفع مشقتها المتوقعة بفعل الجراحة اللازمة لعلاجها.
والألم المؤذي يعتبر مشقة موجبة للإذن بفعل الجراحة، ولذلك نجد بعض الفقهاء رحمهم الله ينصون في كتبهم على جواز فعل الجراحة دفعًا لمشقته.
(1) الموافقات للشاطبي 2/ 102.
قال الإمام النووي رحمه الله: "قلع السن الوجعة إنما يجوز إذا صعب الألم، وقال أهل الخبرة: إنه يزيل الألم"(1) اهـ.
وكذلك الخوف على منافع الأعضاء يعتبر ضربًا من المشقة الموجبة للترخيص والتخفيف في الشريعة الإسلامية، كما أشار إلى ذلك الإمام السيوطي عند بيانه لمراتب المشقة الموجبة للتخفيف في الشريعة فقال رحمه الله:"الأولى: مشقة عظيمة فادحة، كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف، ومنافع الأعضاء، فهذه موجبة للتخفيف"(2) اهـ.
وهذا النوع من الحاجة المتضمنة لمشقة الألم، والخوف من الضرر المتوقع يعتبر في حكم الضروريات للقاعدة الشرعية التي تقول:"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"(3).
ولاشك في أن الحاجة لهذا النوع من الجراحة في هذا الزمان تعتبر عامة، فقد أصبحت المستشفيات الحكومية والأهلية مليئة بالمرضى المحتاجين للجراحة التي تدفع عنهم مشقة الآلام وخطر المضاعفات المترتبة على الأمراض والحالات الجراحية المتعلقة بهذا النوع -بإذن الله تعالى-، فينبغي الترخيص لهم بفعلها (4)
…
والله أعلم.
* * *
(1) روضة الطالبين للنووي 5/ 184، ومثله في مغني المحتاج للشربيني 2/ 325.
(2)
الأشباه والنظائر للسيوطي ص 80، ومثله في الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 91 والأقمار المضيئة للأهدل ص 113، وتهذيب الفروق لمحمد علي بن حسين 1/ 132 بهامش الفروق.
(3)
الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 91، والقواعد الفقهية للمجددي ص 75.
(4)
قال الإمام السيوطي رحمه الله: "الحاجة إذا عمت كانت كالضرورة" الأشباه والنظائر ص 88.