الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قطب هذا الشأن الذي عليه مداره.
وروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التميمي عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترضينَّ أحدًا بسخط الله، ولا تحمدنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تذمنَّ أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن ما رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن الله بعدله وقسطه جعل الرَّوْح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط"
(1)
"
(2)
.
الرضى: قال ابن القيم رحمه الله: "إن الرضى من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان قال أبو الدرداء: ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم والرضى بالقدر"
(3)
.
الصدق: قال ابن القيم: "ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارها بمثل الكذب"
(4)
.
*
العلاقة بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح:
قال ابن القيم رحمه الله: "إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة وعبودية ظاهرة،
(1)
سبق تخريجه.
(2)
مدارج السالكين 2/ 397.
(3)
مدارج السالكين 2/ 214.
(4)
الفوائد ص 136.
فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه ولا يوجب له الثواب وقبول عمله فإن المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء والمقصود بالأمر والنهي فكيف يسقط واجبه ويعتبر واجب رعيته وجنده وأتباعه اللاتي، إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه وهل هذا إلا عكس القضية وقلب الحقيقة والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها إنما صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه ومن تمام ذلك قيامه هو وجنده في حضرة معبوده وربه فإذا بعث جنوده ورعيته وتغيب هو عن الخدمة والعبودية فما أجدر تلك الخدمة بالرد والمقت وهذا مثل في غاية المطابقة وهل الأعمال الخالية عن عمل القلب إلا بمنزلة حركات العابثين وغايتها أن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب ولما رأى بعض أرباب القلوب طريقة هؤلاء انحرف عنها إلى أن صرفه همه إلى عبودية القلب وعطل عبودية الجوارح وقال المقصود قيام القلب بحقيقة الخدمة والجوارح تبع والطائفتان متقابلتان أعظم تقابل هؤلاء لا التفات لهم إلى عبودية جوارحهم ففسدت عبودية قلوبهم وأولئك لا التفات لهم إلى عبودية قلوبهم ففسدت عبودية جوارحهم والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرا وباطنا وقدموا قلوبهم في الخدمة وجعلوا الأعضاء تبعا لها فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود وهذا هو حقيقة العبودية ومن المعلوم أن هذا هو مقصود الرب تعالى بإرساله رسله وإنزاله كتبه وشرعه وشرائعه فدعوى المدعي أن المقصود من هذه العبودية حاصل وإن لم يصحبها عبودية القلب من أبطل الدعاوي وأفسدها والله الموفق.
ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها عَلِم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما، وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟.
وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب ومركب الإسلام الجوارح فهذه كلمات مختصرة في هذه المسألة لو بسطت لقام منها سفر ضخم وإنما أشير إليها إشارة"
(1)
.
وقال في مدارج السالكين: "إن أعمال الجوارح تضاعف إلى حد معلوم محسوب وأما أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها وذلك لأن أعمال الجوارح لها حد تنتهي إليه وتقف عِنْدَه فيكون جزاؤها بحسب حدها، وأما أعمال القلوب فهي دائرة متصلة وإن توارى شهود العبد لها.
مثاله: أن المحبة والرضى حال المحب الراضي لا تفارقه أصلًا، وإن توارى حكمها فصاحبها في مزيد متصل فمزيد المحب الراضي متصل بدوام هذه الحال له، فهو في مزيد ولو فترت جوارحه بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثير من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام وأكله أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع. فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد نائم بالله وقيام غافل عن الله،
(1)
بدائع الفوائد 3/ 192، 193 دار الكتاب العربي.