الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - حكم اقتناء الصور واستعمالها واتخاذها:
اقتناء الصور لغير ضرورة حرام وبعضه أشد حرمة من بعض لقوله صلى الله عليه وسلم: "فلا يدع بها وثنًا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها"
(1)
.
وفي الرواية الأخرى "أن لا تدع صورة إلا طمستها"
(2)
.
قال ابن باز رحمه الله: "صنع التماثيل والصور واقتناؤها كبائر الذنوب للأحاديث الصحيحة التي توعد الله تعالى، وتوعد رسوله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك بالنار والعذاب الأليم"
(3)
.
وعند التفصيل نقول: إن حكم استعمال الصور واقتناؤها ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أبوة أو نحو ذلك، فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه هذه الصورة، لأن تعظيم ذوي السلطة باقتناء صورهم ثلم في جانب الربوبية وتعظيم ذوي العبادة باقتناء صورهم ثلم في جانب الألوهية
(4)
.
وقال ابن باز: "ولا فرق في هذا بين الصور المجسمة وغيرها من المنقوش في ستر أو قرطاس أو نحوها، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كل ذي روح، ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظَّمين أشد، لأن الفتنة بهم أعظم، ونصب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمها من أعظم وسائل الشرك وعبادة أرباب الصور من دون الله كما
(1)
الفتح 10/ 384.
(2)
أخرجه مسلم (969).
(3)
الجواب المفيد ص 48.
(4)
انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1038، وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 214.
وقع ذلك لقوم نوح"
(1)
.
وقال ابن عثيمين: "أن يستعمله على سبيل التَّعظيم، فهذا حرام سواء كان مجسَّمًا أم ملوَّنًا، وسواء كان التَّعظيم تعظيم سلطان، أم تعظيم عبادة، أم تعظيم عِلْمٍ، أم تعظيم قَرابة، أم تعظيم صُحبة، أيًّا كان نوعُ التعظيم. وفي الحقيقة؛ إنه ليس فيه تعظيم، فمثلًا: إذا أراد أن يصوِّر أباه، فإن كان أبوه حيًّا فالتَّعظيم بإعطائه ما يلزمه من البِرِّ القولي والفعلي والمالي والجاهي وغير ذلك، وإن كان ميِّتًا فلا ينتفع بهذا التَّعظيم، بل فيها كسب الإثم وتجديد الأحزان، ولذلك يجب على مَنْ كان عنده صورة من هذا النوع أن يمزِّقها، أو يحرقها، ولا يجوز له إبقاؤها؛ لأن هذا فيه خطورتان:
الخطورة الأولى: تجنّب الملائكة لدخول البيت.
والخطورة الثانية: أن الشيطان قد يدخل على الإنسان من هذا التعظيم، حتى يستولي تعظيمهم على قلبه، ويسيطر عليه، ولا سيَّما فيما يَتَعَلَّق بالعِلْم والعبادة، فإن فتنة قوم نوح كانت في الصُّور، وهذا لا فرق فيه بين الملوَّن والمجسَّم، أي: سواء كان صورة على ورقة، أم على خِرقة، أم كانت صورة مجسَّمة"
(2)
.
القسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها، فهذا حرام أيضًا، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق
(3)
.
القسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانًا أو تلطفًا كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر، فهذا أيضًا حرام للحوق الوعيد به في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن
(1)
الجواب المفيد ص 27.
(2)
الشرح الممتع 2/ 244، وانظر إعلان النكير للشيخ حمود التويجري ص 67.
(3)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1038 وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 215.
الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة"
(1)
.
قال الخطابي: "والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن"
(2)
.
وقال الحافظ ابن رجب: "وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم وهو من الكبائر"
(3)
.
القسم الرابع: قال ابن باز: "إذا كانت الصورة في بساط يمتهن أو وسادة يرتفق بها فلا حرج في ذلك؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان على موعد من جبرائيل فلما جاء جبرائيل امتنع عن دخول البيت فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن في البيت تمثالًا وسترًا فيه تصاوير وكلبًا، فمر برأس التمثال أن يقطع، وبالستر أن يتخذ منه وسادتان منتذتان توطآن، ومر بالكلب أن يخرج". ففعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدخل جبرائيل عليه السلام
…
وقصة جبرائيل هذه تدل أن الصورة في البسط ونحوه لا تمنع من دخول الملائكة، ومثل ذلك ما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها.
أنها اتخذت من الستر المذكور وسادة يرتفق بها النبي صلى الله عليه وسلم"
(4)
.
قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يتَّخذه على سبيل الإهانة مثل: أن سجعله فراشًا، أو مِخَدَّة، أو وسادة، أو ما أشبه ذلك، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم:
فأكثر أهل العلم على الجواز، وأنه لا بأس به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اتَّخذ وسادة فيها صورة، ولأن هذا ضِدُّ السبب الذي من أجله حُرِّم استعمال الصُّور؛ لأن هذا إهانة.
وذهب بعضُ أهل العلم إلى التَّحريم، واستدلَّ هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيته
(1)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1038 وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 215.
(2)
الجواب المفيد ص 20.
(3)
الكواكب الدراري 65/ 82/ 2. نقلًا عن تحذير الساجد للشيخ للألباني ص 18.
(4)
مجموع فتاوى ابن باز ص 825.
ذات يوم فرأى "نُمْرُقَةً" -أي: مِخَدَّة- فيها صُوَر؛ فوقف ولم يدخل، قالت عائشة: فعرفتُ الكراهيةَ في وجهه، فقلت: أتوب إلى الله ورسوله ممَّا صنعتُ؟ فقال: "إنَّ أهل هذه الصُّور يُعذَّبون؛ يُقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم". قالوا: فنكرهُهَا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كرهها وقال: "إِنَّ أهل هذه الصُّور يعذَّبُون"، وقال:"إنَّ الملائكةَ لا تدخل بيتًا فيه صُورة" ويُحمل ما ذُكر عنه أنه اتَّكأ على مِخَدَّة فيها صورة بأن هذه الصورة قُطِعَ رأسُها، وإذا قُطِعَ رأس الصُّورة فهي جائزة.
ولا شكَّ أن تجنُّبَ هذا أورع وأحوط، فلا تستعمل الصُّور، ولو على سبيل الامتهان كالفراش والمخدَّة، والسَّلامة أسلم، وشيء كَرِه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل البيت من أجله، فلا ينبغي لك أن ينشرح صدرُك به، فمن يستطيع أن ينشرح صدرُه في مكان كَرِهَ النبي صلى الله عليه وسلم دخوله. لهذا فالقول بالمنع إن لم يكن هو الصَّواب فإنه هو الاحتياط"
(1)
.
وهل يلحق بالمهانة لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانًا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟
يقول الشيخ ابن عثيمين: "لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه الصور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه، لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء رحمهم الله بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصًا أو سراويل أم عمامة أم غيرها"
(2)
.
القسم الخامس: أن تؤخذ لا على سبيل التعظيم ولا الامتهان، قال ابن عثيمين: "ألا يكون في استعمالها تعظيم ولا امتهان، فذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم استعمال الصُّور على هذا الوجه، ونُقل عن بعض السَّلف الإباحة إذا كان ملوَّنًا،
(1)
الشرح الممتع 2/ 244، 245.
(2)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1039 وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 215.
حتى إن بعض السَّلف كان عندهم في بيوتهم السَّتائر يكون فيها صُور الحيوان، ولا يُنكرون ذلك، ولكن لا شَكَّ أن هؤلاء الذين فعلوه من السَّلف كالقاسم بن محمد رحمه الله لا شكَّ أنه يُعتَذر عنهم بأنهم تأوَّلوا، ولا يحتجُّ بفعلهم؛ لأن الحُجَّة قولُ الله ورسوله، أو لم يبلغهم الخبر، أو ما أشبه ذلك من الأعذار"
(1)
.
قال النووي: "أما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط أو ثوبًا ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت فيه كلام نذكره قريبًا -إن شاء الله- ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له.
هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة وغيرهم"
(2)
.
أما ما جاء في حديث زيد بن خالد وفيه: "ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة" وفيه تعليل ذلك باستثناء الرسول صلى الله عليه وسلم: "إلا رقمًا في ثواب" فظاهره يدل على أن زيدًا يرى جواز تعليق الستور التي فيها الصور، وبسببه جوز بعض العلماء ما كان رقمًا في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أو لا كما هو معروف من مذهب القاسم بن محمد
(3)
. والجمهور على أن الصور يراد بها صورة الشجر وما لا روح فيه ذكر ذلك النووي رحمه الله حيث قال: "قوله "إلا رقمًا في ثوب" هذا يحتج به من يقول بإباحة ما كان رقمًا مطلقًا كما سبق وجواب الجمهور عنه أنه محمول على رقم على صورة الشجر وغيره مما ليس بحيوان وقد قدمنا أن هذا
(1)
الشرح الممتع 2/ 246.
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم 14/ 81.
(3)
النووي 14/ 82.
جائز عندنا"
(1)
.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: "أما تعلق من خالف في ذلك بحديث "إلا رقمًا في ثوب" فهو شذوذ عن ما كان عليه السلف والأئمة، وتقديم للمتشابه على المحكم، إذ أنه يحتمل أن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشجر ونحوه، كما ذكره الإمام أبو زكريا النووي وغيره. واللفظ إذا كان محتملًا فلا يتعين حمله على المعنى المشكل، بل ينبغي أن يحمل عليما يوافق الأحاديث الظاهرة في المنع التي لا تحتمل التأويل"
(2)
.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله مجيبًا على هذه المسألة: "أن أحاديث عائشة المتقدمة وما جاء في معناها دالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، وعلى وجوب هتكها، وعلى أنها تمنع دخول الملائكة، ولعل زيدًا رضي الله عنه لم يعلم الصورة التي في الستر المذكور أو علمها لكن استجازه لأنه لم تبلغه الأحاديث الدالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، فأخذ بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا رقمًا في ثوب" فيكون معذورًا لعدم علمه بها. وأما من علم الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم نصب الستور التي فيها الصور فلا عذر له في مخالفتها"
(3)
.
وكذلك من حمل قوله: "إلا رقمًا في ثوب" على جواز تعليق الصور وجواز اتخاذها مع عدم التفريق بين الضرورة وغير الضرورة فقد أخطأ وجانب الصواب لا سيما إذا نظرنا للأحاديث الأخرى: "لا تدع صورة إلا طمستها"، ولم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة حتى محيت كل صورة فيها وكذلك غضبه عليه السلام حين ذكرت له الصور الموجودة في الكنائس في أرض الحبشة فقال: "أولئكِ شرار الخلق عند الله
(1)
النووي 14/ 85.
(2)
فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 1/ 185، 186.
(3)
الجواب المفيد ص 25.
يوم القيامة"
(1)
.
القسم السادس ما دعت الضرورة إلى استبقائه. قال العلامة ابن باز رحمه الله: "لا يجوز الاحتفاظ بالصور ولو غير معلقة على الجدران أو غيرها، إلا في تابعية أو جواز سفر أو نقود أو نحو ذلك مما تدعو الحاجة إليه"
(2)
.
قال ابن عثيمين: "كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال تعالى: {اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] "
(3)
.
القسم السابع: ما عمت به البلوى الآن وقد عرفها الشيخ ابن عثيمين بقوله: "أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقًا، ولكنها تأتي تبعًا لغيرها كالتي تكون في المجلات والصحف ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في هذه المجلات والصحف من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك، فالظاهر أن هذا لا بأس به؛ لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن طمسها بلا حرج ولا مشقة فهو أولى"
(4)
.
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: "ولكن الأشياء الضرورية التي دخلت على الناس، وعمَّت بها البلوى كالصور التي في النقود والكبريت ونحوها، وكذلك الجوازات؛ فالذي يظهر لي ان هذا من باب الاضطرار، وأحوال الضرورات وعموم البلوى يُرجى فيه عفو الله، ويَسهُل الأمر فيه"
(5)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
مجلة الدعوة عدد 849 في 15/ 8/ 1402 هـ. وانظر: فتوى أخرى في عدد 847 الجواب المفيد ص 43، 46.
(3)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1039 وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 216.
(4)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1039 وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 215، وانظر الشرح الممتع 2/ 247، 248.
(5)
الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص 86.