الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
14 - الاستشفاع بالله على خلقه
*
تعريفه لغة: استشفع استشفاعًا بالشيء أي جعله شافعًا له والاستشفاع مأخوذ من الشفاعة وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه.
* الدليل من السنة: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله جُهدَتْ الأَنْفُسُ وَضَاعَتْ الْعِيَالُ وَنُهِكَتْ الأَمْوَالُ وَهَلَكَتْ الأَنْعَامُ فَاسْتَسْقِ اللهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، وَنَسْتَشْفِعُ بِالله عَلَيْكَ. قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"ويحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ" وَسَبَّحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ:"وَيْحَكَ، إِنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ بِالله عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا الله؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا" وَقَالَ بِأَصَابعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَئطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْل بِالرَّاكِبِ
(1)
.
*
أقوال العلماء:
قال السعدي رحمه الله: "وأما الاستشفاع بالله على خلقه فهو تعالى أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه. لأن رتبة المتوسَّل به غالبا دون رتبة المتوسَّل إليه. وذلك من سوء الأدب مع الله. فيتعين تركه. فإن الشفعاء لا يشفعون عِنْدَه إلا بإذنه"
(2)
.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله عز وجل لأنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه. إذ لو كان أعلى مرتبة ما احتاج أن
* فتح المجيد ص 605. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص 390. القول السديد لابن سعدي المجموعة 3/ 52. القول المفيد لابن عثيمين ط 1 - 3/ 269 ط 2 - 3/ 338 ومن المجموع 10/ 1094. الدين الخالص لصديق القنوجي 2/ 171.
(1)
أخرجه أبو داود (4726)، والطبراني في الكبير (1547).
(2)
القول السديد 153.
يشفع عنده بل يأمره أمرًا والله عز وجل لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد لأنه أجل وأعظم من أن يكون شافعًا؛ ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على الأعرابي، وهذا وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد"
(1)
.
* فائدة: الذي أنكره الرسول صلى الله عليه وسلم من الأعرابي قوله: "نستشفع بالله عليك" ومعناها أي نجعله واسطة بيننا وبينك كأنه قال: نطلب من الله أن يتوسط لنا عِنْدَ الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
أما قوله: "إنا نستشفع بك على الله" فمعناه صحيح أي نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عِنْدَ الله فتدعو الله لنا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: "وأما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فالمراد به استجلاب دعائه، وليس خاصا به صلى الله عليه وسلم، بل كل حي صالح يُرجى أن يُستجاب له فلا بأس أن يُطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة والعامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: "لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك"
(2)
. وأما الميت فإنه يشرع في حقه الدعاء له على جنازته وعلى قبره وفي غير ذلك. وهذا هو الذي يشرع في حق الميت. وأما دعاؤه فلم يشرع، بل قد دل الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد عليه، كما قال تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ
(1)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1094. وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 273، 270.
(2)
أخرجه أبو داود في السنن (1498)، والترمذي في الجامع (3557) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
بِشِرْكِكُمْ} [فاطر: 13، 14] فبين الله تعالى أن دعاء من لا يسمع ولا يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة"
(1)
.
وقال ابن عثيمين رحمه الله: "فإن قيل أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل بالله فأعطوه". وهذا دليل على جواز السؤال بالله؛ إذ لولم يكن السؤال بالله جائزًا لَم يكن إعطاء السائل واجبًا؟
والجواب أن يقال: إن السؤال بالله لا يقتضي أن تكون مرتبة المسؤول به أدنى من مرتبة المسؤول بخلاف الاستشفاع، بل يدل على أن مرتبة المسؤول به عظيمة بحيث إذا سئل به أعطي.
على أن بعض العلماء قال: "من سألكم بالله" أي: من سألكم سؤالا بمقتضى شريعة الله فأعطوه، وليس المعنى من قال: أسألك بالله.
والمعنى الأول أصح، وقد ورد مثله في قول الملك:"أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن""
(2)
.
(1)
فتح المجيد ص 607، 608.
(2)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 10/ 1099. وانظر القول المفيد ط 1 - 3/ 273.