الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد اختلف العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟ فيه قولان مشهوران.
وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" ثم قال: "هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون".
ومنها ما يخرقه القليل من العامة، كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه فمن رزقه الله صدق يقين، وتوكل، وعلم من الله أن يخرق له العوائد ولا يحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له ترك الأسباب ولم ينكر عليه ذلك. وحديث عمر
(1)
هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك، ويدل على أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومساكنتهم لها، فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير"
(2)
.
8 - مسألة مهمة في علاقة التداوي والاكتواء والاسترقاء بالتوكل:
قد جاء عند أحمد والنسائي مرفوعًا: "من استرقى أو اكتوى فقد برئ من التوكل"
(3)
. والمقصود من هذا الحديث التوكل المستحب، لأن طلب الرقية جائز.
وسوف يقتصر كلامنا هنا على الاسترقاء فقط، أما الاكتواء التداوي فقد سبق الكلام عنهما في بابي (التداوي) و (الكي).
(1)
الحديث: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير .. ".
(2)
جامع العلوم والحكم 2/ 498 - 502.
(3)
مسند الإمام أحمد 4/ 249، وابن ماجه (3489).
والاسترقاء -طلب الرقية- قد قال كثير من العلماء أنه يقدح في تمام التوكل، منهم الإمام أحمد والخطابي والقاضي عياض والنووي وابن تيمية وابن القيم رحمهم الله وهو القول الراجح الذي يدل عليه حديث "السبعون ألفًا".
قال ابن رجب: "وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" ثم قال: "هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون"
(1)
.
وقال القاضي عياض رحمه الله وغيره: "الحديث يدل على أن للسبعين الألف مزية عن غيرهم وفضيلة تفردوا بها"
(2)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "المسترقي يسأل غيره ويرجو نفعه وتمام التوكل ينافي ذلك، والمراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم ولا يتطيرون من شيء"
(3)
.
وقال ابن القيم رحمه الله: "والنبي صلى الله عليه وسلم لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببًا للسبق إلى الجنان وهذا بخلاف ترك الاسترقاء، فإنه توكل على الله ورغبة عن سؤال غيره ورضاء بما قضاه، وهذا شيء وهذا شيء"
(4)
.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "اعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا، كما يظنه الجهلة؛ فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمرٌ فطري ضروري، لا انفكاك لأحدٍ عنه، حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، كما قال تعالى:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] أي كافيه.
(1)
جامع العلوم والحكم 2/ 501.
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم 3/ 90، التجريد في شرح كتاب التوحيد للعجيلي 1/ 77.
(3)
مجموع الفتاوى 1/ 182، 238.
(4)
مفتاح دار السعادة 2/ 234.
إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة -مع حاجتهم إليها- توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء، فتركهم له ليس لكونه سببًا لكن لكونه مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا"
(1)
.
وقال الشيخ ابن قاسم رحمه الله: "وإنما المراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم"
(2)
.
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: "ومن أخص ما يدل على تحقيق التوحيد كمال القنوت لله وقوة التوكل على الله بحيث لا يلتفت القلب إلى المخلوقين في شأن من شئونه ولا يستشرف إليهم بقلبه، ولا يسألهم بلسان مقاله وحاله بل يكون ظاهره وباطنه وأقواله وأفعاله وحبُّه وبغضُه وجميع أحواله كلها مقصودًا بها وجه الله متبعًا فيها رسول الله"
(3)
.
وبيَّن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن مَنْ يطلب مَنْ يرقيه فقد فاته الكمال
(4)
.
وقال الشيخ صالح الفوزان: "لأن طلب الرقية من الناس سؤال للمخلوقين، والسؤال للمخلوق فيه ذلة، فهم يستغنون عن الناس ويعتمدون على الله سبحانه وتعالى، وهذا من تمام التوحيد أن الإنسان لا يسأل الناس
…
وسؤال المال يجوز للحاجة إذا كان الإنسان مضطرًا، فإنه يجوز أن يسأل الناس حتى ترتفع ضرورته، أما السؤال الإنسان الناس وهو غني فهذا حرام"
(5)
.
(1)
تيسير العزيز الحميد ص 110، 111.
(2)
حاشية كتاب التوحيد ص 45.
(3)
القول السديد ص 23.
(4)
مجموع فتاوى ابن عثيمين 9/ 99.
(5)
إعانة المستفيد 1/ 122.